انفراد فى ذكرى رحيله الـ 46 ننشر صورة وتفاصيل العقد الذى قتل .. محمد فوزى

20/10/2014 - 1:07:36

محمد فوزى محمد فوزى

كتبت - ولاء جمال

فى ذكرى رحيله الـ 46 يبقى الفنان القدير محمد فوزى علامة فارقة فى مسيرة الفنان المصرى مطرب وملحن وممثل ومنتج كبير، قدم فناً عاطفياً ووطنياً فى فترة حساسة فى عمر الوطن، قبل ثورة يوليو 1952، وبعدها فى هذه السطور تنفرد «المصور» بنشر تفاصيل وصورة العقد الذى قتل محمد فوزى نعم فالعقد المؤرخ بتاريخ 1959/11/11 والذى تضمن تأسيس فوزى لشركة «مصر فون» لتصنيع الاسطوانات هو الذى أنهى حياة الفنان الكبير بعد أن قامت الدولة بتأميم الشركة، والدخول محل محمد فوزى كمالك لـ «مصر فون» التى تغير اسمها إلى شركة اسطوانات صوت القاهرة، بينما ظلت السيدة أم كلثوم إبراهيم طرفاً ثابتاً فى العقدين «قبل الدخول فى تفاصيل العقد، نستطيع القول إن الفنان محمد فوزى لم يكن من الأغنياء الوارثين فهو ابن بيئة ريفية فقيرة وعندما انتقل إلى القاهرة فى أواسط الثلاثينيات عانى فى سنواته الأولى من الحرمان والشقاء لكنه تجاوز تلك المرحلة البائسة بالعمل المخلص الجاد واستطاع بموهبته الفذة أن يحظى بنجاح مستحق ومكانة فريدة فى عالمى الغناء والسينما وصولاً إلى تأسيس شركته الخاصة للإنتاج السينمائى فى العام 1946 ومن خلال شركته هذه حقق تراكماً مادياً يتوافق مع موهبته العريضة من ناحية ومع جهده ودأبه وحسن إدارته من ناحية أخرى.


كان بعض أبناء جيله من الفنانين ينفق النقود عبثاً دون ادخار أو تفكير اقتصادى استراتيجى وكان بعضهم الآخر يستثمر أرباحه فى اقتناء العقارات وشراء الأراضى والتوجه نحو المشروعات التجارية مضمونة الربح السريع القليل أما محمد فوزى فقد آثر أن يخوض تجربة شاقة ممتعة معقدة وأن يتوج رحلة كفاحه بمشروع وطنى متميز يقدم من خلاله خدمة جليلة للفن والفنانين بكل "تحويشة العمر" التى بلغت ثلاثمائة ألف جنيه وهو مبلغ ضخم بمقاييس منتصف الخمسينيات وفى القرن العشرين أسس محمد فوزى شركة " مصر فون" لإنتاج الاسطوانات هادفاً بمشروعه المبتكر هذا إلى ضرب الاحتكار الأجنبى لسلعة حيوية هى الاسطوانات الموسيقية والإنتاج الغنائى وكم كانت خزينة الدولة تتكلف أعباء مادية فى سبيل استيراد مالا غنى عنه ولد المشروع عملاقاً وفى الثلاثين من يوليو سنة 1958 افتتحه وزير الصناعة الدكتور عزيز صدقى مشيداً بالفكرة الإيجابية البناءة التى توفر العملة الصعبة وتتيح إنتاج اسطوانات محلية رخيصة السعر لا يزيد سعرها عن خمسة وثلاثين قرشاً وغير قابلة للكسر ويمكن استخدامها على الوجهين فتتسع لأعنيتين بينما كانت أرخص اسطوانة مستوردة فى ذلك الوقت بجنيه كامل ولا تستوعب إلا أغنية واحدة وقابلة للكسر.


نشطت "مصر فون" فى خدمة الفن الغنائى المصرى وكانت البداية مع أم كلثوم ثم تزايد النشاط ليشمل آخرين يتاح الاستماع إلى أغانيهم الحديثة فى اسطوانات فاخرة بأسعار رخيصة مقارنة بما كان.


وإذا كان المواطن العادى قد أفاد من مشروع محمد فوزى فإن الفنانين أنفسهم كانوا أكثر إفادة ذلك أن الشركة قد وضعت نظاماً جديداً فى التعاقدات لم يكن معمولاً به من قبل، يحصل الفنان بمقتضاه على نسبة من إيراد بيع الاسطوانات التى تنتجها له الشركة وبدأ تطبيق هذا النظام مع أم كلثوم.


كان المتبع من قبل عند سيطرة شركات الاسطوانات الأجنبية على السوق فى مصر أن يمنح الفنان مبلغاً معيناً من المال مقابل حق استغلال أغانيه ومهما تحقق هذه الأغانى من الإيرادات والأرباح لا يحق للفنان المطالبة بمبلغ إضافى جاء محمد فوزى ليمنح زملاءه من الفنانين، ما يعرف بحق الأداء العلنى والطبع الميكانيكى فقد كانت القوانين القديمة تخص المؤلف والملحن فقط فى الحقوق.


بداية ناجحة تبشر بالمزيد من النجاح وإقبال على العمل المنظم الجاد المدروس الذى يتم فى حس اقتصادى لا يغفل الجوانب الإنسانية وإذا بسيف التأميم يهوى بفجأة على الشركة الوليدة ويستيقظ محمد فوزى ذات صباح ليجد نفسه مديراً للمصنع الذى كان يملكه بعد أن أنفق كل مدخراته لم يعد له إلا الراتب الشهرى المحدود الذى لا يزيد عن مائة جنيه.


كيف يكون التأميم عقوبة لنجاح وطنى غير مسبوق أشاد به وزير الصناعة نفسه وهو يفتتح المشروع؟!


كانت الشركة هى الأولى فى نوعها من الشرق الأوسط تملك مصنعاً حديثاً لصناعة الاسطوانات والاستوديوهات فى مدينتى القاهرة والإسكندرية استقدم محمد فوزى لها الخبراء المتخصصين ليتعلم منهم المصريون أسرار الصناعة الجديدة وأصبحت اسطوانات أغانى المطربين والمطربات تسجل وتطبع فى مصر بعد أن كانوا يلجأون إلى اليونان وفرنسا وإيطاليا.


اقتحم محمد فوزى مجالاً جديداً وأضاف إلى الحياة الفنية والحركة الاقتصادية أبعاداً جديرة بالتشجيع لكن الحكومة المصرية أممت الشركة سنة 1961 وأهدرت جهد الفنان الذى أجتهد فطاله عقابه.


ما الأسلوب الذى كان يتبعه محمد فوزى فى التعامل مع عمال شركته ومصنعه؟


الإجابة نجدها فى الشهادة العفوية التى يقدمها أكبر أبنائه المهندس منير محمد فوزى قبل تأميم مصنع اسطوانات "مصر فون" الذى أنشأه والدنا كان أبى يأخذنى معه إلى المصنع وعندما يلمح أبى عمال المصنع أمامهم إفطارهم الشعبى البسيط من الفول والطعمية يسحب يده عن يدى ويجلس القرفصاء أرضاً قائلاً لعمال المصنع "ورينى ياسيدى الفول بتاعكم تحبيشته مظبوطة ولا لا؟ ويجلس أبى يأكل كما لم أره يأكل فى المنزل هذه هى بساطة محمد فوزى وهذا هو تواضعه.


فى سبيل المشروع الناجح المطموح باع محمد فوزى كل ما كان يملكه من الأراضى والعقارات وأضاف إلى ذلك أمواله السائلة ثم جاء التأميم ليسلب كل شىء يفرض على الفنان أن يكون موظفاً ذا راتب محدود وبلا سلطة حقيقية.


تحكى الزوجة الثالثة فاتنة المعادى كريمة عن شعور زوجها بعد صدور قرار التأميم فقد عاد يومها إلى المنزل ليقول لها لقد أممت ولك حق الاختيار لقد ذهبت الشركة التى بنيتها بعرقى وتعب السنين لم يبق لك إلا فوزى الفنان ولك أن تختارى الآن لأن حياتى لن تكون على المستوى نفسه لقد خسرت كل شىء ولم أعد أملك ما يجعلنا نعيش فى المستوى الاجتماعى الذى عشنا فيه من قبل.


فى العدد الخاص الذى أصدرته مجلة "الكواكب" عن محمد فوزى يقدم الموسيقار الكبير سيد مكاوى شهادة جديرة بالتأمل "محمد فوزى هو أول من أنشأ مطبعة للاسطوانات فى عصر وسماها وقتها شركة "مصر فون" وليته ما كتب عليها لفظ شركة لأنها فى الحقيقة لم تكن إلا شقة يطبع فيها الاسطوانات لكن لفظ "شركة" هذا قضى عليه لأنهم فى هذه الفترة كانوا يصادرون أى شىء كتب عليه كلمة "شركة" وأعتقد أن "مصر فون" هى أول وأشد الصدمات التى عجلت بمرضه حيث وقع فى براثن المرض وقتها ولم يقم ثانية المسألة إذا فى المناخ العام الذى لم يميز فيه صانعو قرارات التأميم بين الجيد والردئ من المشروعات ولم يتمهلوا لتقييم الشركات والمنشآت وفق مقاييس موضوعية منصفة.


لو أنهم فعلوا لأدركوا بلا عناء أن النشاط الاقتصادى الفنى لمحمدد فوزى عمل وطنى لا يشين صاحبة أو يستدعى عقابه ولعرفوا أن إنتاج الاسطوانات الموسيقية ليس من المسئوليات التى يليق بالحكومة أن تنشغل بها وأن الفنانين أنفسهم هم الأولى والأجدر بمثل هذه المشروعات التى تحتاج إلى إدارة خاصة واعية تجمع بين التقافتين الاقتصادية والفنية.


تقول الفنانة القديرة مديحة يسرى الزوجة الثانية لفوزى إن الفنان الراحل تعرض لظلم فادح أما الذين ظلموه فهم من أصدروا قرار إعدامه وأخذوا منه ماله وعاملوه بمنتهى القسوة وكان ذلك عندما صدر قرار بتأميم شركة "مصر فون" بلا إنتاج الموسيقى ومصنع الاسطوانات الذى كان يملكه فكان المفروض أن يبقى هو مستشاراً له كما جرى العرف فى هذه الحالات ويعامل بإنسانية لأنه ليس لصاً بل فنان ارتوى الجميع من فنه ووطنيته وعطائه.


لكنهم سجنوه داخل مكتب حقير فى شركته وأجبروه على الصمت فامتلأ جسده الرقيق بالحسرة وبدأ رحلة مريرة مع المرض والألم اللذين أوديا بحياته.


تفننوا فى ظلمه وقهره كأنهم يتعمدون إذلاله والمثير للدهشة بحق أن الرئيس جمال عبدالناصر قد أصدر قراراً بعلاجه على نفقة الدولة وفى جنازته سار الدكتور محمد عبدالقادر حاتم وزير الثقافة والإرشاد نائباً عن الرئيس ألا ينم هذا عن تقدير لمكانه الفنان وإقرار بفضله وتميزه؟! إذا كان الأمر كذلك يزداد السؤال غموضاً وتعقيداً ألم يكن من الأولى أن لا تؤمم شركة فوزى؟


يجمع الباحثون فى تاريخ العملاق الاقتصادى طلعت حرب أن شركة مصر للسينما والمسرح استوديو مصر لعبت دوراً بالغ الأهمية فى الدعاية والترويج للأنشطة الاقتصادية لمجموعة شركات بنك مصر وأن المسألة عند رائد الاقتصاد المصرى الحديث لم تكن بحثاً عن الربح المادى المباشر لكنها تنبع عن إيمان رشيد بجلال وخطورة الدور الذى يمكن أن يقوم به الفن فى تدعيم المجتمع وتحديثه وتطويره إلى الأفضل.. فكيف إذا استطاع النشاط الفنى أن يجمع بين الحسنيين: تقديم الرسالة والجدوى الاقتصادية؟!


كان المشروع الذى تبناه محمد فوزى وتحمس له نموذجاً عملياً غير مسبوق لتحقيق المعدلة الصعبة فهو من ناحية يخدم الفن وينصف الفنانين وهو من ناحية أخرى يقاوم الاحتكار الأجنبى ويضيف إلى الاقتصادى الوطنى ويبشر بالمزيد من التوسع .. لم يكن قرار تأميم شركة "مصر فون" يستهدف شخص محمد فوزى فهو لم يكن ذا موقف سياسى معارض يستدعى عقابه والتنكيل بحياته كلها قبل ثورة يوليو وبعدها منظورة للفن والإبداع وأعماله الموسيقية والسينمائية ذات التوجه الوطنى والاجتماعى المستنير أما سيرته الشخصية والعائلية ففوق مستوى الشبهات فالظلم الذى طاله يمثل جزءاً من منظومة عامة أطاحت بالكثرين غيره عوقبوا لنجاحهم وأدينوا لفرط نشاطهم الإيجابى وهبطوا بلا مقدمات من ذروة العطاء والحيوية إلى هاوية البطالة والركود.