تحذير لنا جميعا: لا تستبدلوا وصاية الحكومة على الصحافة والإعلام بوصاية رجال أعمال

20/10/2014 - 12:45:46

غرفة الطباعة غرفة الطباعة

كتب - عبدالقادر شهيب

يحاول الآن البعض فرض وصايتهم على إعلامنا وصحافتنا من خلال السيطرة على تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة القومية، وهى المؤسسات التى يقضى الدستور الجديد بتشكيلها لتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئى والصحافة المطبوعة والرقمية، فضلا عن إدارة المؤسسات الصحفية القومية والمؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة.


وهذا أمر يجب عدم السماح به أو السكوت عليه.. فلا يعقل إذا كنا نطالب بخروج إعلامنا وصحافتنا من وصاية الحكومة أن نستبدلها بوصاية رجل أعمال أو أكثر من أصحاب القنوات الخاصة ، أو مجموعة (شلة) من التابعين لهم أو المقربين منهم أو الذين تربطهم المصالح بهم.


ويتحقق ذلك بمنع احتكار مجموعة مغلقة (شلة) فى وضع القواعد المنظمة لتشكيل هذه المؤسسات (المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام) ، بحيث تأتى هذه القواعد مفصلة على أشخاص بعينهم محددين سلفا لضمان هذه الوصاية التى يتطلع إليها البعض على إعلامنا وصحافتنا (خاصة وقومية).


لقد حدد الدستور الجديد فى فصله العاشر والمواد (211 - 212 - 213) تشكيل ثلاث مؤسسات .. الأولى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقرر أن يكون هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالى والإدارى وموازنته مستقلة.. ويختض هذا المجلس بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئى والصحافة الرقمية وغيرها ، ويكون مسئولا عن ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها ، ومنع الممارسات الاحتكارية ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها ومقتضيات الأمن القومى .


أما الهيئة الثانية فهى الهيئة الوطنية للصحافة التى ستكون بديلا عن مجلس الشورى الذى كان يمتلك المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة وبصلاحيات أكبر حيث نص المادة (212) على أنها جهة مستقلة تقوم على إدارة هذه المؤسسات وتطويرها وتنمية أصولها ، وضمان تحديثها واستقلالها ، وحيادها، والتزامها بأداء مهنى وإدارى واقتصادى رشيد.


بينما الهيئة الثالثة هى الهيئة الوطنية للإعلام التى ستكون بديلا عن وزارة الإعلام واتحاد التليفزيون فى إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والإذاعية والرقمية المملوكة للدولة، وهى - بمقتضى المادة (213) هيئة مستقلة أيضا وتقوم على إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والإذاعية والرقمية المملوكة للدولة وتطويرها وتنمية أصولها وضمان استقلالها وحيادها والتزامها بأداء مهنى وإدارى واقتصادى رشيد.


وإذا كان الدستور حدد طبيعة وصلاحيات ومهام هذه الهيئات والمؤسسات الثلاث التى ستنظم أمور وأحوال إعلامنا وصحافتنا فإنه أحال إلى القانون مهمة تشكيلها ونظام عملها والأوضاع الوظيفية للعاملين فيها .. وهذا يعنى أن السلطة التشريعية هى المنوطة - بحكم الدستور - بتشكيل هذه الهيئات .. وهذه السلطة التشريعية - فى ظل عدم انتخاب برلمان جديد - فى يد رئيس الجمهورية الذى بمقدوره أن يصدر القوانين التى تنظم إنشاء وتأسيس هذه الهيئات وبوسعه أيضا ترك هذه المهمة للبرلمان القادم ، خاصة إذا كانت الانتخابات البرلمانية لن تتأخر وسوف تتم قريبا فى غضون شهور قليلة، طبقاً لآخر تصريحات الرئيس السيسى.


على كل حال سواء أصدر الرئيس هذه القوانين أو تركها للبرلمان القادم فإنه يتعين - تطبيقا لقاعدة «أهل مكة أدرى بشعابها» أن يشترك أهل الإعلام والصحافة ومن يعملون فى هذا المجال - صحفيون وإعلاميون وإداريون وعمال - فى صياغة القوانين التى سوف تؤسس هذه الهيئات الوطنية الثلاث، من خلال صياغة قواعد تشكيلها ، لأن صلاحيات هذه الهيئات ستكون كبيرة وتمنحها الإشراف على كل المؤسسات الإعلامية والصحفية ومراقبة أداء العاملين فيها وسلامة مصادر تمويلها وعمل ملاكها، سواء كانوا رجال أعمال أو دولة، والتزام الملاك والعاملين فى الصحافة والإعلام بالمعايير المهنية ، فضلا عن حيادية وسائل الإعلام والصحافة المملوكة للدولة.


وهنا أشدد على مشاركة جميع أطراف العملية الإعلامية والصحفية وملاك وعاملين ، وليس مجموعة صغيرة مختارة سلفا، تم اختيارها بمعرفة شخص أو أكثر أو اختارت بعضها البعض لارتباطها بالانتماء إلى شلة أو مجموعة .. فهذه الهيئات الوطنية ستؤثر فى حاضر ومستقبل الجمىع ولذلك يجب أن يشتركوا فى صياغة هذا الحاضر والمستقبل .


بل إن الأمر يقتضى إشراك المجتمع كله والرأى العام فى صياغة القوانين التى ستنظم تشكيل هذه الهيئات لأن الرأى العام (مشاهدين ومستمعين وقراء) هم أيضا طرف مهم فى العملية الإعلامية والصحفية ، بل لعله هو الطرف الأهم لأن هؤلاء المشاهدين والمستمعين والقراء هم الذين بيدهم رفع صحيفة أو قناة فضائية إلى عنان السماء أو الدفع بها إلى الأرض .. فهو الذى يتلقى الرسالة الإعلامية والصحفية ورأيه حاسم فى هذا الصدد.. لذلك لا يجب استبعاده هو الآخر من المساهمة فى صياغة القوانين التى ستشكل الهيئات التى ستشرف على الصحف والقنوات التليفزيونية التى تقدم له المواد الصحفية والإعلامية.


ويؤدى ذلك كله إلى أننا يجب ألا نسمح باحتكار مجموعة مختارة من قبل أحد، سواء حكومة أو رجل أعمال أو بعض رجال الأعمال، احتكار عملية وضع القواعد المنظمة لتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، حتى لايتم وضع قواعد تفرض علينا أشخاصاً بعينهم محددين سلفاً كأعضاء لهذه الهيئات، بل وأشخاص أيضا بعينهم محددين سلفاً لتولى رئاستها.. فإذا كنا نريد أن نتخلى عن وصاية الحكومة على إعلامنا وصحافتنا فليس مقبولاً استبدالها بوصاية شخص أو شلة مهما كان أخلاق هذا الشخص أو هذه الشلة أو كانت وطأتها أو كانت أيضا كفاءتها.. لأن احتكار شلة تشكيل هذه الهيئات لن يضمن لنا أن تؤدى مهامها كما حددها الدستور، خاصة أن هذه المهام تشمل الرقابة الوطنية والمجتمعية على أداء أطراف العملية الإعلامية والصحفية من حيث المعايير المهنية وسلامة التمويل والالتزام بمقتضيات الأمن القومى .. بل على العكس تماما فإن هذا الاحتكار سيجعل بعض الصحف وبعض الفضائيات تفلت من هذه الرقابة المجتمعية والوطنية.. كما أننا إذا كنا ننبذ الاحتكار فى المجال الاقتصادى فإنه يتعين علينا بالضرورة أن نرفض هذا الاحتكار فى المجال الإعلامى الذى تعد أضراره هى الأكبر وهى الأفدح والأخطر .


إننى مقتنع من خلال خبرة عملى فى الصحافة عمرها يزيد على أربعة عقود أنه لاتوجد فى العالم كله غرباً وشرقاً صحافة محايدة ولايوجد به أيضاً إعلام محايد.. كل صحيفة وكل وسيلة إعلام تعبر عادة عن مصالح ملاكها، حتى ولو تمتع القائمون على إدارتها أحياناً بقدر كبير من الاستقلال النسبى .. لكننى فى ذات الوقت مقتنع أيضا بضرورة التزام الصحافة والإعلام بالأسس الموضوعية والمعايير المهنية التى تقضى بعدم الترويج للأكاذيب والشائعات، والتحقق من صدق ماينشر ويذاع من أخبار ومعلومات، وعدم الإخفاء المتعمد لبعض المعلومات أو استخدام الإعلام للترويج للعنف والإرهاب أو الطعن فى الوطنية والتكفير واستباحة الشئون الشخصية للناس.. وهذا هو دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذى سيتسع إشرافه ليشمل جميع الصحف والقنوات التليفزيونية سواء الخاصة أو المملوكة للدولة، ومعه كل من الهيئة الوطنية للإعلام التى ستحل محل اتحاد التليفزيون ومن قبل وزارة الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة التى ستحل محل المجلس الأعلى للصحافة الآن ومن قبل مجلس الشورى الذى ألغاه الدستور.. ولذلك يتعين ألا نترك هذه الهيئات المهمة التى نص عليها دستورنا الجديد لتقع تحت وصاية أحد أيا كان، ويتعين أيضا أن نضمن لها استقلالها الذى نص عليه الدستور.


ولعل اشتراك جميع العاملين فى الصحافة والإعلام مع الرأى العام كله - فى صياغة القواعد التى تنظم تشكيل هذه الهيئات هو الضمان الأساسى لتحقيق ذلك، حتى لا نفاجأ بأننا استبدلنا وصاية حكومة على إعلامنا وصحافتنا بوصاية شخص أو مجموعة أشخاص مهما كان اعتزازنا بهم وبدورهم فيما مضى على هذا الإعلام وهذه الصحافة .


ولنتذكر جميعاً أن ترزية القوانين أصبحوا غير مرغوب فيهم، وأن الاحتكار مرفوض فى كل المجالات، بعد أن ذقنا - ومازلنا - مرارة طعم هذا الاحتكار فى المجال الاقتصادى الذى عطل - ومازالت - جهودنا - للخروج من الأزمة الاقتصادية التى نعيش فيها وأجهض كل محاولتنا لتحقيق العدالة الاجتماعية .


لقد بح صوت الرئيس السيسى على مدى أشهر وهو يطالب بأن يقوم الإعلام المصرى بدوره المنشود فى هذه المرحلة التى نعيشها والتى تتسم بأنها دقيقة ، حيث نحارب فيها إرهابا أسود ترعاه جماعة الإخوان المتحالفة مع جماعات إرهابية متنوعة تلقى دعماً إقليمياً وقطرياً ودولياً وأمريكياً وأوربياً، وذلك دفاعاً عن كيان دولتنا الوطنية.. والهيئات الوطنية الثلاث التى ستشرف على إعلامنا وصحافتنا ستعيد الإعلام المملوك للدولة والصحافة القومية الأمل فى تعزيز قيام إعلامنا وصحافتنا بهذا الدور المنشود .


ولنتذكر أيضا أن كل من الهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة ستكونان مسئولتين عن مصير عشرات آلاف العاملين فى التليفزيون المصرى والمؤسسات الصحفية القومية فى ظل رؤى وأفكار عديدة تطرح الآن حول مستقبلهم ومستقبل مؤسساتهم الصحفية والإعلامية، وليس من العدل ولا الإنصاف أن يتحكم "شخص أو مجموعة" بمفرده فى تحقيق هذا المستقبل وهذا المصير، خاصة إذا كان هذا الشخص أو هذه المجموعة لهم مصالح قد تتعارض مع مصالح هذه المؤسسات الإعلامية والصحفية المملوكة للدولة ، خاصة أن التسابق على كعكة الإعلانات مثير دائما للخلافات التى قد تؤثر على القرارات التى يمكن أن تتخذها هذه الهيئات إذا ماتركناها تحت وصاية أحد أو بعض المتنافسين على هذه الكعكة.


أقول ذلك - مؤكدا - أننى لا أبغى وأنا أقترب من إكمال العقد السابع من العمر سوى مصلحة إعلامنا وصحافتنا بشكل خاص ومصلحة وطننا بشكل عام .