معركة العبور في ميزان الإسلام

20/10/2014 - 12:43:15

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

كتب - أ. د. أحمد عمر هاشم

تتبوأ معركة العبور مكانتها بين مواقع الإسلام؛ لأنها كانت تحمل كل خصائص المواقع الإسلامية المشهورة التي أبلي فيها المقاتلون بلاء حسنا، مستمسكين بصلتهم بالله، متخذين كل سبل الجهاد والأخذ بالأسباب وواجب علي الأمة جمعاء أن تذكر بالفخار والإكبار، وبالدعاء والتضرع أولئك الأبرار من شهداء أمتنا الذين قضوا نحبهم دفاعاً عن عقيدتهم وأمتهم.


أولئك الذين كانوا يقاتلون، وهم صائمون، فلم يمنعهم الصيام من الجهاد، بل كانوا إذا قيل لأحدهم إنه يحل لكم الإفطار ليكون عونا لكم في القتال كان يقول بعضهم: «لا أريد أن أفطر إلا في الجنة» إيمانا منهم بما وعد الله تعالي به الشهداء، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.


لقد كان هتاف: «الله أكبر» الذي هو عنوان جهادهم وشعار حربهم كان نابعا من الأعماق، فهم يؤمنون أن «الله أكبر» من الأعداء وأكبر من أسلحتهم، وأكبر من كل شيء وأكبر من كل كبير، ولذلك حطموا أسطورة الشعب الذي لا يقهر أو الجيش الذي لا يقهر فكانوا أقوياء بالله، وبإيمانهم الذي لا يتزعزع، وصدق فيهم قول الله تعالي: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا».


لقد وثقوا إيمانهم بالله تعالي، وأخذوا بالأسباب، وجمعوا بين الإيمان والعمل، وبين الجهاد والتقوي فحقّق الله لهم ما تصبو إليه نفوسهم من النصر علي أعدائهم، لقد كان لإخلاص المقاتلين، ولأنهم يجاهدون في سبيل الله أن حقق الله تعالي لهم بعض خوارق العادات التي حدثت لأسلافهم:


فمن ذلك: أن الله تعالي فجّر بالقرب من عيون موسي بعض العيون التي نبعت بالماء الزلال الصافي لهم عندما استبّد الظمأ ببعضهم فتفجرت تلك العيون فضلاً من الله وإحساناً، وكرما منه وعونا.


ومن ذلك: أن قوات العدو عندما علمت ببعض المواقع التي بها بعض قواتنا وأخذوا يضربونها ويدكونها دكاًّ لم يصبْ من فيها بسوء وكان ضربهم يتفرق ذات اليمين وذات الشمال، ونجّي الله القيادة التي كانت في هذا الموقع؛ لأن عناية الله تعالي كانت معهم في كل وقت وحين.


وإذا العناية لاحظتك عيونها


نم فـالمخـــــاوف كلـــهـــن أمــان


ومن ذلك : أن قياسات الرأي العام لدي خبراء العسكرية تقول إن العبور لا يتم إلا بستين ألف شهيد ومنهم من كان يقول بأربعين ألف شهيد ومنهم من كان يقول يمكن أن يتم بخمسة عشر ألف شهيد وكانوا يقولون عن هؤلاء إنهم واهمون، وشاءت إرادة الله تعالي أن يتم العبور بمائتي شهيد فقط فضلاً من الله تعالي وعونا من الحق سبحانه.


ومن ذلك: ما حدثني به بعض أصحاب «الرتب الكبيرة ممن كانوا قريبين من صياغة القرار أنه كان في جلسة مع الرئيس السادات رحمة الله وأن الإمام عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله حدثه وقال له: علي بركة الله إن خضت المعركة سيكون النصر حليفنا؛ لأنني رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ومعه جمع كبير يعبرون وأخبرني بالنصر، فكان القرار وكان النصر بإذن الله الواحد القهار.


وإذا أراد الله تعالي تحقيق أمر هيأ له الأسباب ومن أهم هذه الأسباب التي كانت قوة لميزان هذه المعركة أن وفق الله سبحانه وتعالي الجيش للضربة القوية الأولي التي عدلت ميزان المعركة وجعلت النصر إلي جانب قواتنا، إنه توفيق من الله سبحانه وتعالي.


إن شهر رمضان المبارك الذي كان قريناً لشهر أكتوبر يومئذ هو شهر الانتصارات هو الشهر الذي انتصر المسلمون فيه، في غزوة بدر الكبري، وانتصر المسلمون فيه في غزوة الفتح، يوم فتح مكة المكرمة، وفي موقعة عين جالوت وغير ذلك..


إن قوانين النصر في ميزان الإسلام تبدأ بالإيمان وإعداد العدة، فإيمان دون عمل لا يكفي وعمل دون إيمان لا يكفي بل لابد من الأمرين.


ومن قوانين النصر في الإسلام نصرة التعاليم الإسلامية ونشرها وتعليمها وتطبيقها؛ لأن الله تعالي قال: «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامك» وقال جل شأنه مؤكداً علي أن نصرة الأمة لا تكون إلا بنُصْرة الدين:


«ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز».


وإذا كان القرآن الكريم قد أمرنا أن نحقق الإيمان وأن ننصر تعاليم الدين لينصرنا الله، فإنه في الوقت نفسه أمرنا أن نأخذ بالأسباب وأن نعد العدّة حتي في غير أوقات الجهاد فقال سبحانه: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوَفَّ إليكم، وأنتم لا تظلمون».


وإعداد القوة من أهم ما يجب علي الأمة أن تقوم به في وقت الحرب وفي وقت السلام، لأن الأمة التي تكون ذات قوة تصبح مهيبة الجانب لا تستضعف ولا تستذل، ولذا أمر القرآن بإعداد القوة قبل أن يدعو إلي الجنوح للسلام حين يجنح الآخرون فبعد أن أمر بإعداد القوة قال: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله».


وإعداد القوة لا يكون فقط بإعداد أسلحة الجيش بل إلي جانب ذلك الإعداد العسكري والعلمي، والحضاري بقيام الجامعات والدوائر العلمية والمراكز البحثية والنهضة الكبري في كل مجالات الحياة العلمية والعسكرية والطبية والهندسية وفي سائر التخصصات العلمية الأخري.


وإنني لأقول لأمتنا إننا أكثر دول العالم عددا فنحن أكثر من خمس سكان العالم، فلو اتحدنا وكنا علي قلب رجل واحد، وتكاملنا في مواردنا البشرية والمالية والمعدنية والعلمية والحضارية وفي سائر الوجوه الأخري، واعتصمنا بحبل الله لكنا أكبر قوة مؤثرة في هذا العالم، وعلينا أن نستجيب لأمر الله تعالي لنا: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» وعلينا أن نحذر الفرقة والاختلاف؛ لأن الرسول - صلي الله عليه وسلم - حذرنا من الفرقة وبين خطورتها علي أمتنا حين قال صلي الله عليه وسلم: يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة علي قصعتها قيل: أمن قلّة نحن يؤمنذ يا رسول الله؟ قال: لا بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعنّ الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».


ولنكن علي يقين بما وعد الله به المؤمنين من النصر علي أعدائهم في قوله سبحانه:


«لن يضروكم إلا أذي وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثم لا ينصرون» ووعد سبحانه بنصر عباده المؤمنين حين قال سبحانه:


«إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد».