يرتكب جريمة دولية والعالم يصمت: أردوغان يبيد الأكراد بسلاح داعش (1-2)

20/10/2014 - 12:31:05

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

كتب - السيد عبدالفتاح

احتلت مدينة كوباني أو"عين العرب"الكردية في سوريا ، صدارة المشهد السياسي في العالم ، بعد الهجوم الإرهابي العنيف الذي تتعرض له من جحافل تنظيم الدولة"داعش" بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة ، وتصدرت أخبارها نشرات الأخبار للقنوات الفضائية الدولية ، والصفحات الأولي لصحف العالم، وشكل الصمود الأسطوري للمقاتلين الأكراد في مواجهة الهجوم والحصار الداعشي التركي، ملحمة جعلت "كوباني" بمثابة "ستالينجراد" العصر ، بما يشير إلي أن هذه المدينة ستكون الصخرة التي تتحطم عليها أسطورة "داعش" وأحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحالم بإعادة إحياء الأمبراطورية العثمانية ، ليصبح الخليفة العثماني الجديد.


كشفت مأساة "كوباني" الوجه القبيح لتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، والتواطؤ والتآمر الواضح بين تركيا أردوغان والتنظيم الإرهابي "داعش"، حيث لم تكتف تركيا بأن تصمت أمام هذا الهجوم الإرهابي الذي يهدد بمأساة إنسانية وخطر تعرض سكان المدنية لإبادة بشرية وتطهير عرقي مثلما حدث للكرد الإيزيديين والمسيحيين علي يد "داعش" في العراق. فهي ـ أي تركيا ـ عمدت إلي إغلاق حدودها في وجه النازحين المدنيين الفارين من المدينة بعد بدء هجوم "داعش"، ولم تفتحها إلا علي استحياء بعد الانتقادات والمطالبات الدولية، علاوة علي أنها وكما تؤكد معلومات موثوقة تعاملت بقسوة مع هؤلاء المدنيين ووقع عشرات منهم مصابين بسبب اعتداءات حرس الحدود التركي، كما أنها ألقت القبض علي عدد كبير منهم بحجة أنهم مقاتلون أكراد، وتشير آخر المعلومات الواردة إلينا، إلي أن السلطات التركية تجري تحقيقات مع المصابين والحرجي الذين وصلوا إلي مستشفياتها من كوباني، ولا تسمح بتلقيهم أي إسعافات أو علاج رغم حالتهم الخطيرة، إلا بعد إجبارهم علي الإدلاء بمعلومات تفصيلية عن المقاتلين الموجودين في المدينة للدفاع عنها، كما جرت اجتماعات بين ضباط كبار في الجيش التركي وقادة من داعش في أحد أحياء مدينة كوباني الذي سيطر عليه مقاتلو التنظيم الإرهابي، وهو ما يكشف التواطؤ والتحالف بين تركيا وداعش، وأن هذا الهجوم تم بقرار من أردوغان. وأننا إزاء مذبحة للأكراد خطط لها أردوغان وينفذها "داعش".


وقد أشعلت مأساة "كوباني" نيران الغضب في صدور أكراد تركيا والذين يبلغ عددهم نحو 20 مليون نسمة، فخرجوا في مظاهرات سلمية احتجاجاً علي تباطؤ التحرك الرسمي التركي لإنقاذ "كوباني"، وعلي التواطؤ الواضح من نظام حزب العدالة والتنمية مع تنظيم داعش في الهجوم البربري علي المدينة، واشتعلت الاحتجاجات والتظاهرات فقابلتها الحكومة التركية بالرصاص والعنف المبالغ فيه ما أسقط عشرات القتلي ومئات المصابين والجرحي، كما عمد أردوغان إلي الاستعانة بعناصر من أحزاب إسلامية مقربة ومتحالفة معه منها حزب الله التركي والدعوة والهدي، لافتعال صدامات مع المحتجين ومع أنصار حزب العمال الكردستاني، ووقعت اشتباكات مسلحة دموية سقط فيها قتلي ومصابون.


وتؤكد الشواهد أن هذه المظاهرات الاحتجاجية تعلن إطلاق الربيع الكردي في تركيا، الذي سيتصاعد الفترة المقبلة، ما يهز أركان دولة أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم.


وقد أسقطت مأساة "كوباني" كل أوراق التوت عن أردوغان ونظامه، وقامت بتعريته وكشف وجهه الحقيقي الذي دأب السنوات الماضية علي إخفائه وارتداء أقنعة الدفاع عن الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان.


لمحة تاريخية


الأكراد هم إحدي المجموعات البشرية التي تنحدر عرقياً ولغوياً من أصول " آرية ـ هندو ـ أوربية"، وهم شعب عريق وقديم في هذه المنطقة،يستوطنون مرتفعات آسيا الغربية المحصورة بين إيران والعراق وسوريا وتركيا وجنوب أرمينيا. وتعرف باسم كردستان أي وطن وأرض الأكراد، ويحدها شرقاً وشمالاً جبال "أرارات"، وجنوباً جبال "زاجروس" وغرباً هضبة الأناضول.


ويعود تاريخ الأكراد المسجل إلي أكثر من ثلاث آلاف سنة، أي ألف سنة قبل الميلاد. وتبلغ مساحتها نحو نصف مليون متر مربع، أي نصف مساحة مصر.


وللأكراد لغتهم الخاصة بهم وهي تنتمي إلي المجموعة الآرية، من قسم اللغات الهندوـ أوربية، وقد اشتهرت بأربع لهجات هي الكرمانجية الشمالية والكرمانجية الجنوبية واللورية والكلهورية، ويستعمل أكراد العراق وسوريا وإيران الحرف العربي في الكتابة.


وكلمة الكرد في اللغة الفارسية القديمة تعني الشجاع أو البطل أو ذو القيمة المهمة. والأكراد غالبيتهم من المسلمين السنة علي المذهب الشافعي، والقليل منهم من الشيعة، علاوة علي بعض الإيزيديين والكاكائيين والشبك.


ويشكل كرد تركيا 56% من مجموع الكرد في العالم. ويبلغ عددهم نحو 20 مليون نسمة يشكلون نحو 20% من مجموع سكان تركيا، يتركز معظمهم في الجنوب الشرقي لتركيا. مع تواجد كبير لهم في مدن استانبول وأنقرة وغيرهما.


ويعاني الأكراد في تركيا منذ عقود طويلة حرماناً كاملاً من حقوق المواطنة، كما منعوا من التحدث باللغة الكردية أو ممارسة لغتهم في النواحي التعليمية والثقافية، ومن ممارسة حقوقهم السياسية وتشكيل الأحزاب.


وحتي سنوات قليلة كانت الدولة لا تعترف بهم ولا بتميزهم القومي والعرقي وتطلق عليهم "أتراك الجبال". ونتيجة لهذا القمع والتهميش والحرمان وقعت انتفاضات شعبية في المناطق الكردية وخاصة المدينة الأكبر ديار بكر، كان منها انتفاضة بقيادة الزعيم الكردي سعيد بيران عام 1925 شارك فيها مئات الآلاف من الأكراد وقوميات أخري، أخمدتها السلطات بالقوة وتم اعتقال "بيران" وإعدامه في نفس العام مع عدد من قادة الانتفاضة.


وفي السبعينيات من القرن الماضي تأسس حزب العمال الكردستاني علي يد عبد الله أوجلان "الملقب بـ"آبو" أو زعيم الأكراد في تركيا، وفي الثمانينيات تم تشكيل مجموعات مسلحة من المقاتلين يطلق عليهم "الكريلا" نشبت بينهم وبين الجيش التركي حرب استنزاف استمرت سنوات، وتم القبض علي أوجلان في التسعينيات في عملية مخابراتية في إحدي الدول الأفريقية تعاون فيها عدد من أجهزة المخابرات في تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهم، وحكم عليه بالسجن مدي الحياة، ومازال يقضي العقوبة في جزيرة "إيمرالي" المحصنة. ومع ذلك فما زال "أوجلان" هو زعيم الحزب ورمزاً لأعضاء وأنصار الحزب ومقاتليه ولشرائح كبيرة من الشعب الكردي في تركيا وسوريا والعراق.


أما أكراد إيران فيشكلون نحو 16% من مجموع الكرد في العالم، ويبلغ عددهم أكثر من 4 ملايين، بنسبة 6% تقريباً من مجموع سكان إيران، يتركزون في غرب وشمال غرب إيران.


ويعاني أكراد إيران نفس معاناة إخوانهم في تركيا، ما أدي لاندلاع صراع مسلح بين الحكومة الإيرانية والأكراد منذ عام 1979 إلي عام 1982، وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بزعامة عبد الرحمن قاسملو والحزب اليساري الكردي "كومه له" وتعني بالعربية "المجموعة" طرفين رئيسيين في الصراع، إلا أنه في عام 1983 تمكنت الحكومة من بسط سيطرتها علي معاقل الحزبين. ويقود عملية التحرر الكردي في إيران الآن حزب "بيجاك" أو الحياة الحرة وهو قريب الصلة بحزب العمال الكردستاني، ويعتبره البعض بمثابة الفرع الإيراني للحزب.


فيما يشكل أكراد العراق نحو 15% من مجموع الكرد في العالم، ويتراوح عددهم ما بين 4 إلي 5 ملايين نسمة، بنسبة 12% من مجموع سكان العراق، ويتركزون في شمال العراق في ثلاث محافظات أساسية هي أربيل والسليمانية ودهوك، علاوة علي كركوك التي يعتبرونها قدس الأكراد في العراق، وبعض المناطق الأخري في الموصل وديالي وصلاح الدين.


ويشكل أكراد سوريا 6% من مجموع الكرد في العالم، ويتراوح عددهم مابين 1.5 إلي مليوني نسمة، بنسبة 8% من مجموع سكان سوريا، يتركزون في شمال شرقي البلاد خاصة في الحسكة والقامشلي وديريك عفرين وكوباني بمحافظة حلب.


وطوال حكم حزب البعث العربي، لم يتم الاعتراف بالقومية ولا الهوية الكردية، وتمت عمليات تعريب للمدن الكردية ومنها كوباني التي سميت "عين العرب"، ولم يكن يحمل أغلبهم هويات سورية أي يعتبرون "بدون".


وتم حرمانهم من تملك أراضيهم أو العمل في المؤسسات الحكومية أو حتي الزواج من السوريين العرب.


وهناك الكثير من الأحزاب الكردية القديمة والحديثة، وأهمهم وربما أكثرها شعبية هو حزب الاتحاد الديمقراطي المعروف اختصاراً بـ"pyd » وهو قريب الصلة من حزب العمال الكردستاني، وينظر له البعض باعتباره الفرع السوري للأخير.


معركة كوباني


يقول الكاتب والباحث السوري "خورشيد دلي" في دراسة له عن معركة كوباني :" ليست معركة كوباني (عين العرب) معركة علي رقعة جغرافية بقدر ما هي معركة إرادات علي رسم المشاريع المتدفقة في الجغرافية السورية بالنار والدم، فهذه المعركة خطفت أنظار العالم طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.


وتتوسط منطقة كوباني المنطقتين الكرديتين في سوريا، أي محافظة الحسكة بمدنها القامشلي ورأس العين وعاموده ودرباسيه في الشرق، ومنطقة عفرين في الغرب، وهي - كردياً- تشكل معقلاً لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم حليف حزب العمال الكردستاني، كما أنها تشكل قيمة رمزية للحزب الأخير، إذ إن زعيمه عبدالله أوجلان لجأ إليها عقب هروبه من تركيا عام 1979 وينتمي إليها العديد من قادة الحزب.


وعليه فإن كوباني تحتل مكانة معنوية كبيرة لدي الكرد خاصة أنها تشكل إحدي المقاطعات الثلاث التي أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي في إطار ما عرف بمشروع الإدارة الذاتية.


ويوضح أن أهمية معركة كوباني بالنسبة لداعش لا تقل عن أهميتها بالنسبة للكرد، فإذا ما نجح التنظيم في احتلال المدينة فستصبح حدود الدولة الإسلامية للمرة الأولي علي تماس مباشر مع تركيا، وهو ما يعني السيطرة علي منطقة جغرافية كبيرة، تمتد من مدينة منبج في ريف حلب علي الحدود السورية التركية شمالاً إلي مشارف بغداد جنوباً، بما تعنيه هذه المساحة الجغرافية الكبيرة من إمكانية التوزع والانتشار والمناورة، وهذا أمر مهم في ظل غارات التحالف الدولي ضد مواقع التنظيم.


كما أن السيطرة علي كوباني تعني أيضاً بالنسبة لتنظيم "داعش" ليس فقط إفشال المشروع القومي الكردي، وإنما إبعاد خطر العامل الكردي الذي ظهر علي الأرض كقوة فاعلة محتملة لمحاربة "داعش" إذا ما قرر التحالف الدولي التحرك علي الأرض من خلال قوات محلية، وثمة من يري أن هجوم داعش علي كوباني كان لتحقيق هذا الهدف، بعد أن لاح للتنظيم إمكانية التحالف بين قوات وحدات حماية الشعب الكردية وفصائل من الجيش الحر في إطار ما عرف بغرفة بركان الفرات وإمكانية انتقال هذه التجربة إلي مناطق أخري.


وفي الأساس فإن أيديولوجية هذا التنظيم الإرهابي، تقوم علي توسيع حدود الدولة التي أعلنها كلما استطاع ذلك، وبالنسبة له فإن معركة كوباني هي معركة من معارك توسيع حدود دولته التي وعد بها، وامتلاك المزيد من عناصر القوة والنفوذ، خاصة إذا نجح في استثمار وصوله إلي الحدود التركية بضم المزيد من المقاتلين القادمين عبر الحدود أو حتي بناء حاضنة له داخل تركيا، فضلاً عن العامل الاقتصادي المهم الذي سينتج عن تحكمه بطرق التجارة عبر الحدود من تركيا إلي العراق عبر سوريا أو حتي العكس، في ظل التقارير التي تتحدث عن تهريب التنظيم للنفط من العراق وسوريا إلي الداخل التركي.


وحول تقييمه للموقف التركي من الأزمة يذهب "دلي" إلي أنها تعاملت تركيا منذ البداية مع معركة كوباني وفق إستراتيجية دقيقة قامت علي ثلاثة مستويات، يمكن وصفها بالحرب الذكية.


الأول: مستوي إنساني يتمثل في استقبال آلاف النازحين من كوباني حيث بلغ عددهم قرابة 200 ألف شخص.


أما الثاني: فهو مستوي التأهب الأمني للتعامل مع أي طارئ يهدد أمنها.


فيما يتعلق المستوي الثالث والأهم بإدارة المعركة عن بعد، وقد اعتمدت هنا إستراتيجية دع الأعداء يتقاتلون أي الكرد وداعش، فهي تصنف الطرفين في خانة الإرهاب والأعداء، فطوال المرحلة الماضية بقيت دباباتها وطائراتها شاهدة علي ما جري دون أن تتحرك حتي ولو من زاوية إنقاذ الكرد من مجازر محتملة.


في كل هذه المستويات حاولت تركيا الاستفادة مما جري لدفع مشروع إقامة المنطقة العازلة إلي أرض الواقع والحرص علي الظهور بمظهر الدولة المؤثرة القادرة علي التدخل والتأثير في مجري الأحداث إذا لزم الأمر.


في سياق إدارة تركيا لمعركة كوباني، كان لافتا تصريح رئيس الحكومة أحمد دواد أوغلو عندما أكد أن بلاده ستسعي بكل ما يمكن لعدم سقوط المدينة بيد داعش، وهو تصريح جاء علي وقع تهديد زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بأن سقوط كوباني يعني نهاية عملية السلام الكردية التركية.


التصريحان السابقان كانا كفيلين بأن يقوم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم بزيارة قصيرة وسريعة إلي أنقرة لطلب المساعدة التركية، وهي مساعدة حالت دونها الشروط التركية الثلاثة، وهي -حسب الصحافة التركية- فك العلاقة مع النظام السوري والعمل علي إسقاطه، الانضمام إلي الجيش السوري الحر والائتلاف الوطني السوري، والتخلي عن مشروع الإدارة الذاتية التي أعلنها مسلم قبل أكثر من سنة.


وقد كان من الطبيعي أن يرفض مسلم هذه الشروط، نظراً لأن القبول بها يعني نهاية المشروع الكردي الذي عمل ويعمل لأجله، فضلاً عن أن مثل هذا القرار لا يقرره صالح وحده، طالما أن حزبه ينضوي في الإطار العام لمنظومة حزب العمال الكردستاني.


انتقام أردوغان


يمكن اعتبار أن "كوباني" تمثل فرصة لرجب طيب أردوغان للانتقام من واشنطن ومن حزب العمال الكردستاني، ممثلاً بالقيادة الكردية المحلية التي تسلمت السيطرة علي "كوباني" من قوات النظام السوري، كما ينتقم من صديقه القديم الذي تحول إلي عدوّه خلال السنوات الثلاث الماضية، الرئيس بشار الأسد.


من "كوباني" يوجه أردوغان رسالة إلي الرئيس الأمريكي باراك أوباما مفادها: ما هكذا تخاض الحروب ولا هكذا توضع الاستراتيجيات. القصف الجوي وحده لن يحلّ مشكلتكم مع "داعش".


ويشترط أردوغان للتجاوب مع الرغبة الدولية في اقتحام الحدود ومواجهة "داعش"، أن يكون هدف هذه المعركة واضحاً، أي سقوط نظام بشار الأسد. ويشكك الرئيس التركي في أن يكون هناك إجماع غربي ـ باستثناء فرنسا ـ علي هذا الهدف، لهذا السبب هناك خلاف بين أنقرة وواشنطن حول أولويات المعركة. الأولي تري أن الأولوية يجب أن تكون إسقاط الأسد. وقد عبر رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو عن ذلك صراحة في حديث إلي سي إن إن بالقول: لا تمكن محاربة تنظيم إرهابي بالتعاون مع إرهابي آخر.


في المقابل، تري واشنطن أن معركتها حالياً هي مع "داعش"، وتتجاهل أن هزيمة هذا التنظيم من دون خطة واضحة لما بعد "داعش" ستنتهي انتصاراً في يد إيران وحزب الله والحوثيين ومن لفّ لفهم، الذين يتقدمون علي كل الجبهات فيما العالم منشغل عنهم بقتال "داعش".


يطالب أردوغان للمشاركة في التحالف، بإقامة منطقة عازلة في شمال سوريا تكون محظورة علي سلاح الجو السوري وعلي قواته الأرضية، وتصبح في الوقت ذاته منطقة آمنة يعود إليها اللاجئون الذين هربوا إلي تركيا من القتال في المناطق الكردية وغيرها. وهو ـ أي أروغان ـ يعرف أن إقامة منطقة كهذه سيشكل ضربة كبيرة لنظام الأسد، لأنها تكرس دولياً خسارته السيادة علي قسم من أرضه، ويمكن أن تفتح المجال لمناطق حدودية مماثلة في الجنوب، وربما كذلك علي الحدود الغربية مع لبنان، كما أن منطقة كهذه تعيد إلي الذاكرة قصة سقوط نظام صدام حسين التي بدأت بعزله في الوسط بعد فرض مناطق حظر طيران في المناطق الكردية شمال العراق والشيعية جنوبه.


أردوغان ينتقم في كوباني أيضاً من حزب العمال الكردستاني الذي فضل الوقوف في هذه البلدة إلي جانب الأسد نتيجة التحالف الذي سمح لصالح مسلّم زعيم حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي ـ حليف العمال الكردستاني ـ بإقامة حكم ذاتي في ظل غض طرف من دمشق.


لا يري أردوغان بناء علي ذلك أي ضير في هزيمة هذه الجماعة الكردية ولو علي يد "داعش"، طالما أن هذه الهزيمة تطمئن تركيا إلي القضاء علي أي حلم كردي بقيام حكم ذاتي في مناطقهم المحاذية للحدود السورية.


تحالف أردوغان ـ داعش


الموقف المثير للجدل والتساؤلات من تركيا تجاه المأساة التي تتعرض لها مدينة "كوباني"، والدهشة التي سيطرت علي تصريحات القادة الأمريكيين والأوروبيين، علاوة علي أنه وقبل بدء "داعش" الهجوم علي مدينة "كوباني"، أطلق التنظيم الإرهابي سراح 49 دبوماسياً تركياً كان يعتقلهم من العاملين في القنصلية التركية في الموصل عقب سيطرته علي المدينة، وذلك في عملية استخبارية كما أعلنت تركيا لم يتم فيها دفع أي مبالغ مالية حسبما أكد أردوغان وأوغلو وكبار رجال النظام التركي، ما أثار التساؤلات حول ماهية هذه العملية الاستخبارية التي تحقق هذا الأمر بإطلاق كل ذلك العدد من الرهائن، لتظهر تسريبات حول عقد صفقة بين تركيا وداعش تم بمقتضاها الإفراج عن الرهائن، دون أن نعرف تفاصيل الصفقة، التي انكشفت بعد ذلك، وتبين أن تركيا بادلت رهائنها بمئات من عناصر تنظيم "داعش" الذين كانت تحتجزهم. لكن الغموض مازال يسيطر علي الأمر برمته خاصة في ظل وجود معلومات موثوقة لدينا، بأن هؤلاء الرهائن كانوا موجودين في القنصلية التركية في أربيل، إلا أنه صدرت لهم أوامر بالتوجه إلي القنصلية التركية في الموصل وذلك قبل يوم واحد من سقوطها في يد تنظيم"داعش" ما يدعم أن الأمر برمته مجرد اتفاق ومسرحية معدة سلفاً بين النظام التركي و"داعش"!! لتبعد الأنظار عن أي مطالبات دولية أو إقليمية من تركيا تلزمها باتخاذ مواقف في الحرب علي "داعش"، بحجة أن موقفها حساس لوجود مواطنين لها رهائن بيد التنظيم الإرهابي.


غير أن الأمر قد يتجاوز حدود "الصفقة" وغض الطرف عن الهجوم الإرهابي علي "كوباني"، ليشكف أن هناك علاقة خاصة ووثيقة بين التنظيم الإرهابي والنظام التركي، وهناك تلاقي أو تطابق مصالح، خاصة إذا تذكرنا ما تم نشره حول وجود معسكرات لتدريب عناصر "داعش"، وكذلك محطات لاستقبال الراغبين في الانضمام لصفوف التنظيم الإرهابي من الأوربيين، حيث تمثل تركيا معبراً لهم للتوجه إلي سوريا والعراق، كذلك تلقي عدد كبير من عناصر التنظيم الإرهابي المصابين، العلاج في مستشفيات تركيا، وبعد أن يتموا علاجهم يعودون ثانية إلي العراق وسوريا !!