د.هانئ رسلان: حلايب مصرية وإثارة البشير لها لأهداف داخلية تخصه

20/10/2014 - 12:12:48

د. هانى رسلان د. هانى رسلان

حوار- محمد حبيب

قولا واحدا يؤكد الدكتور هانئ رسلان رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية السابق، أن قضية حلايب محسومة، فالاتفاقية الوحيدة لتعيين الحدود بين مصر والسودان هي اتفاقية 1899، التي تنص علي أن الخط الفاصل بين مصر والسودان هو خط 22 شمال الاستواء، بما يعني قطعياً أن حلايب داخل الحدود المصرية.


هانئ رسلان يري أن النظام السوداني يعاني من مشكلة صنعها بنفسه فهو الذي خلق أزمة حلايب ويعلم جيدا أنها مصرية، لكنه يقوم بإثارتها لتحقيق مصالح خاصة لا علاقة لها بحقوق أو ثوابت وطنية.


رسلان يقول إن مثلث حلايب لم يكن يوما عائقاً أمام العلاقات المصرية السودانية لكنه يطالب بإعادة صياغة مفهوم المصلحة القومية لمصر، وذلك لتطوير العلاقات مع السودان، فالتعاون مطلوب ولكن بشرط كف حكومة البشير الأذي والبعد عن إثارة المشكلات والتوترات .. والي تفاصيل الحوار:


> لماذا تم إثارة قضية حلايب في الفترة الأخيرة؟


- بداية فإن قضية حلايب محسومة، فالاتفاقية الوحيدة لتعيين الحدود بين مصر والسودان هي اتفاقية عام 1899، والتي تنص علي أن الخط الفاصل بين مصر والسودان هو خط 22 شمال الاستواء، بما يعني قطعياً أن مثلث حلايب يقع داخل الحدود المصرية، لكن مسالة حلايب قد مرت بعدة مراحل حيث تم إثارتها لأول مرة عام 1958 علي يد رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل الذي كان ينتمي لحزب الأمة، وهذا الحزب كان يقود حركة تقرير المصير في السودان في الخمسينيات من القرن الماضي والتي دفعت إلي استقلال السودان عن مصر، وبالتالي كان يحمل مشاعر سلبية نحو مصر، ولذا لجأ خليل إلي إثارة قضية حلايب، وأراد أن يضمها إلي المناطق التي تجري فيها الانتخابات السودانية عام 1958، لكن مصر رفضت هذا الإجراء، وقام خليل بتحريك جزء من قوات الدفاع عن السودان إلي حلايب، ورغم أن عدد هذه القوات لا يذكر وكان من الممكن القضاء عليهم بسهولة إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر رفض ذلك وقال كلمته الشهيرة " إنه لن يرفع السلاح المصري في وجه السودان الشقيق حتي لو دخل السودانيون قصر عابدين"، وذلك تعبيرا عن روح الأخوة بين البلدين، بعدها قامت السودان بتقديم شكوي إلي مجلس الأمن بحقها في حلايب وتم تجميد الشكوي إلي الان، وكذا تجميد الوضع إلي أن برزت القضية مرة أخري عام 1991 وذلك بعد وصول تحالف البشير - الترابي إلي الحكم عقب انقلاب عسكري عام 1989، حيث كانت حركة "الجبهة القومية الإسلامية" بقيادة حسن الترابي، وهو حركة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تسعي إلي التوسع وجعل السودان مركز إشعاع إسلامي، وتقوم بإحداث تغيير في أنظمة دول الجوار، والغريب أنهم نجحوا في ذلك في اريتريا وقاموا بإسقاط حكم منجستو وتم اعتبار اريتريا دولة وتم انفصالها عن إثيوبيا مما أعطا البشير والترابي الشعور بالثقة في تحقيق مشروعهم، وفي هذا السياق كان تحالف البشير - الترابي ينظر إلي مصر باعتبارها أكبر معوق أمام نشر مشروعهم الإسلاموي الذي كانوا يسمونه بالمشروع الحضاري، وهو مشروع هلامي ليست له أبعاد محددة، ومن ثم بدأوا يأوون جميع الحركات الإرهابية في العالم واستضافوا بن لادن وأيمن الظواهري وكارلوس وفتحوا لهم المعسكرات ودربوهم علي تنفيذ عمليات إرهابية في مصر من خلال تنظيم الفتح الإرهابي، ووصلوا إلي محاولة اغتيال الرئيس الأسبق مبارك عام 1995 لإحداث ربكة لمصر ومحاولة زعزعة الحكم فيها، وبالنسبة لحلايب سعي تحالف البشير - الترابي إلي استخدامه كأداة للتعبئة ضد مصر وإثارة الكراهية لها، ومن ذلك قيامهم بمنح شركة ايطالية حق التنقيب في المياه الإقليمية لحلايب إلا أن مصر رفضت ذلك وطردت الشركة الإيطالية وقامت الحكومة السودانية بإنشاء ما يسمي بـ"الجبهة الشعبية لتحرير حلايب" وتنظيم المظاهرات ضد مصر وتصوير الأمر علي أن المصريين احتلوا حلايب عنوة ويرفضون عودتها للسودان، وتم عمل غسيل دماغ لجيل كامل من السودانيين بأن جزءاً من السودان محتل في حلايب، وكل ما فعلته مصر هو إقامتها سلك شائك علي حدودها عند خط عرض 22 فمصر كانت تتبع سياسة النفس الطويل، فمصر دولة عريقة ولها تعريف واضح لأمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية، ومراعاة العلاقات الأخوية مع الشعب السوداني حتي أن مبارك رفض توجيه ضربة عسكرية إلي السودان بعد محاولة اغتياله في اديس ابابا.


> وماذا عن تطور العلاقات بعد رحيل الترابي عن الحكم؟


- حينما وقع الخلاف بين الترابي والبشير عام 2000 وخروج الترابي من السلطة قام البشير وجماعته بتحميل الترابي ومن خرج معه مسئولية تدهور العلاقات مع مصر وبدأوا في محاولة إصلاح العلاقات مع مصر وصمتوا تماما عن الحديث حول حلايب وقاموا بتوقيع اتفاقية الحريات الأربع بطلب من السودان، لكن في المقابل بدأت قضية حلايب تثار للمرة الثالثة من خلال المعارضة السودانية التي عندما تريد الهجوم علي النظام السوداني تتحدث عن قضية حلايب وان الحكومة السودانية فرطت في حلايب، والمشكلة أيضا أن قضية حلايب أصبحت مثل حصان طروادة الذي تستخدمه جميع القوي السياسية داخل السودان لتحقيق مآربها، فبخلاف إثارة المعارضة لقضية حلايب لإحراج النظام، فإن نظام البشير خلال السنوات الماضية قام بعمل تقويض العملية السياسية في السودان وظهرت مرة أخري القبلية، وظهرت نظرية المركز والأطراف، وادعاء سكان الأطراف في دارفور والشرق بأن الثروات في السودان تذهب لمناطق الوسط في الخرطوم بينما الأطراف تعاني الظلم والتهميش وبدأ سكان الأطراف يثيرون مشكلة حلايب من جديد كلما حدث تقارب بين مصر والسودان، ويعتبرون أن هذا التقارب ليس في مصلحتهم، وبالتالي يريدون تعكير صفو العلاقة مع مصر، ومن ثم فإن المعارضة وسكان الأطراف السودانية يحاولون الضغط علي الحكومة السودانية التي من كثرة الضغط التي تتعرض له تلجأ للمزايدة وذلك قبل إجراء الانتخابات الداخلية ويطلقون بعض التصريحات حول "سودانية حلايب" لإرضاء المعارضة أو لاستغلال هذا الأمر للتغطية علي أحداث وإخفاقات أخري يتعرض لها الحكم في السودان.


> ماذا عن وضع الحكومة السودانية لحلايب ضمن المناطق التي تجري فيها الانتخابات العام المقبل؟


- النظام السوداني يعاني من مشكلة صنعها بنفسه فهو الذي خلق أزمة حلايب ويعلم جيدا أنها مصرية ويعلم جيدا أنه لا علاقة له بها، وعندما وضع حلايب ضمن المناطق التي تجري فيها انتخابات 2015 في السودان هو يعلم أنه لن يجري فيها الانتخابات مثلما حدث في السابق في انتخابات 2010 عندما قامت الحكومة السودانية بوضع حلايب ضمن المناطق التي تجري فيها الانتخابات السودانية ولم تجر فيها الانتخابات بينما جميع الانتخابات والاستفتاءات التي تحدث في مصر تجري علي أرض حلايب وبالتالي إثارة هذه القضية هي من قبيل تحقيق أهداف معينة داخل السودان.


> وماذا عن تصريحات البشير لـ "الشرق الأوسط" بان حلايب سودانية؟


- البشير في هذه التصريحات تحدث عن مملكة سنار، وأن حلايب كانت ضمن حدودها والغريب أن سنار تعود إلي خمسة قرون ماضية وإذا كان البشير يتحدث عن حقوق تاريخية في حلايب فان دارفور لم تكن جزءاً من السودان ولا حتي جنوب السودان، فالسودان كان عبارة عن مناطق منفصلة ومصر أيام محمد علي هي التي وحدت السودان وأنشأته سياسيا، فبعد حملات محمد علي في وادي النيل تم دمج القبائل السودانية فيما سمي السودان وذلك بعد أن اكتشفت مصر في بعثات علمية واستكشافية مديرية جنوب السودان وتم إرسال ثلاث حملات إلي هناك وهو ما أثقل الخزانة المصرية في عهد الخديو إسماعيل وتم تعيين والي لمديرية جنوب السودان تابع للخديوي مباشرة وليس للوالي في الخرطوم وبعدها تم فتح سلطنة دارفور وضمها للسودان ومن هنا تشكل السودان السياسي بحدوده المعروفة، وعندما ظهرت الحركة المهدية عام 1881 طلبت بريطانيا من مصر سحب قواتها من السودان وبعد ذلك توفي المهدي وتولي الخليفة عبد الله وكان ضعيفا وخشيت بريطانيا من فرنسا والدول الأخري أن تحتل السودان لذا قامت بإعادة فتح السودان بقوات بريطانية ولكن تحت العلم المصري باعتبار أن مصر هي صاحبة السيادة علي السودان وبعد إسقاط الخليفة عبد الله وتوقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر والسودان عام1899 تم تحديد حدود مصر الجنوبية بخط عرض 22 درجة وبالتالي شمل ذلك مثلث حلايب فهذه هي الوثيقة المحددة لحلايب، والغريب إن البشير يتحدث عن حلايب المصرية بينما يتغاضي عن احتلال إثيوبيا لمنطقة الفشقة وهي منطقة ثابت أنها جزء من السودان لكن احتلتها إثيوبيا ولم تحرك السودان ساكنا ضد إثيوبيا ولا تتحدث عنها، وذلك لأن إثيوبيا متحالفة مع البشير وتحل له الكثير من مشاكله في ظل ما يعانيه من حصار من المحكمة الجنائية الدولية وتعرض السودان للمجاعات والحرب الأهلية، وبالتالي أصبح البشير أسيرا لإثيوبيا، فالبشير عندما تولي الحكم كانت السودان اكبر دولة افريقية، مساحتها تصل إلي مليون ميل مربع ولكن ضاع جزء كبير من السودان بعد انفصال جنوب السودان، وذلك لان النظام الاسلاموي السوداني لايهمه سوي البقاء في السلطة حتي لو خسر معظم اراضيه.


> السودان تتمسك بقرارات 1902 و1904 وتعتبرها سند أحقيتهم في حلايب كيف تري ذلك؟


- قرارات وزير الداخلية المصري في 1902 و1904 المتعلقة بتبعية المنطقة إداريا للحاكم العام في الخرطوم، والذي كان يتم تعيينه بمرسوم مصري، هذا الأمر واضح تماما أنه ينصرف إلي ترتيبات إدارية لا تنشئ سيادة، حيث كان هذا الإجراء شبيها بأي تعديل لحدود المحافظات داخل الدولة، حيث كان السودان حينها تحت سيادة مصر الاسمية، وبالتالي هذا القرار لا يعطي حقوق السيادة علي الأرض، أما الحدود الدولية فتنظمها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وبالتالي كان قرار وزير الداخلية قرارا إداريا تجاه مديرية أو ارض كلها مصرية أو سودانية، كما ان هذا القرار كان لتنظيم أمور القبائل في المنطقة.


> وماذا عن ادعاءات السودان بان سكان حلايب كانوا من قبائل البجا والبشارية السودانية؟


- وجود أفراد من قبائل البجا والبشارية في حلايب والسويس والأقصر لا تعني أن هذه المناطق سودانية فالسماح بالتحرك السكاني لا يعني أن هذه المنطقة سودانية، فضلا عن أن سكان حلايب مواطنون مصريون يتمتعون بالجنسية المصرية، ومثلا الرئيس التشادي إدريس ديبي ينحدر من قبيلة الزغاوة في دارفور فهل ذلك يجعل له الحق في المطالبة بضم دارفور إلي تشاد باعتبار أن معظم سكانها من القبيلة التي ينتمي إليها، حلايب ارض مصرية ومصر تتمتع بكافة حقوق السيادة عليها والحديث السوداني عنها من قبيل الحديث للداخل السوداني فقط.


> وما رأيك في الرد المصري حول الادعاءات السودانية حول حلايب؟


-الحكومة المصرية تتمتع بثقة وطول بال في التعامل مع السودان حول حلايب، ولا تريد أن تكون هذه المشكلة أي تأثير علي العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني، وتري ان هذه القضية مفتعلة من جانب السوداني لأسباب تخصهم.


> وهل وعد المعزول محمد مرسي السودانيين بالتنازل عن حلايب أثناء زيارته السودان خلال فترة حكمه؟


- الأمر كان متجاوزا قضية حلايب، فالإخوان في مصر وفي السودان كانوا متصورين أن وصول مرسي للحكم في مصر والبشير في السودان سوف يكون نواة لجعل مصر والسودان وليبيا وتونس وغزة إمارة اخوانية، وبالتالي وضع حلايب لا قيمة له ويكون جزءاً من الإمارة الإخوانية، لكن الإخوان اذا دخلوا قرية أفسدوها وكما أفسدوا السودان وادخلوه في الصراعات والحرب الأهلية والتقسيم والمجاعات كانوا سيصلون بمصر إلي نفس المصير لكن ثورة 30 يونيه أحبطت هذا المخطط.


> هل لموقف السودان من قضية سد النهضة تأثير علي إثارة قضية حلايب؟


-السودان متحالف مع إثيوبيا في نفس وجهة النظر المتعلقة بسد النهضة ووسائل الإعلام السودانية لا يسمح لها إلا بنشر وجهة النظر المؤيدة لسد النهضة أما المعارضون فلا يسمح لهم بذلك رغم وجاهة هذه المعارضة خاصة أنها تأتي من قبل خبراء وبالتالي وجهة النظر المتحالفة مع إثيوبيا تطغي علي السودان لكن اعتقد أن إثارة قضية حلايب من قبيل الاستهلاك المحلي.


> كيف كيف تري مستقبل العلاقات المصرية السودانية في الفترة المقبلة؟


- النظام السوداني لديه مشكلات كثيرة في الداخل والخارج وبالتالي هو يريد تحسين علاقته مع دولة كبيرة مثل مصر وأيضا مع السعودية التي قامت بإيقاف التعامل مع البنوك السودانية، وبالتالي البشير يريد صياغة علاقاته الإقليمية وبخاصة بعد سقوط الإخوان في مصر، وفي نفس الوقت فعلي القيادة المصرية أن تعيد النظر في مفهوم المصالح القومية مع السودان، فالسودان له أهمية كبيرة للأمن القومي المصري ولا يمكن التفريط في هذه العلاقات لكن بشرط أن يكف النظام السوداني أذاه ويبتعد عن إثارة المشاكل والتوترات، كما أن علينا إعادة تعريف مصطلح المصالح وتحديد الأهداف ووضعها ضمن الخطط والإستراتيجية لتفعيل الدور المصري في إفريقيا