خبراء النفس والاجتماع: الرشوة مرض اجتماعى مزمن

04/01/2017 - 2:23:17

تحقيق: محمود أيـوب

«الشاى يا بيه».. عبارة بالتأكيد سمعتها فى أى مصلحة حكومية وربما اضطررت أحيانًا لدفع الشاى لتخليص مصلحة..


لذلك لأبد من التقصى عن الأسباب الاجتماعية والنفسية لسريان الرشوة فى المجتمع المصري، أسئلة كثيرة طرحتها المصور على أساتذة علم النفس والاجتماع لمعرفة مدى تأثيرها على الفرد والمجتمع ككل بشكل عام، وهل ما إذا كانت الحالة الاجتماعية لأى شخص هى دافع للحصول على الرشوة من الآخرين، خاصةً بعد انتشارها بشكل كبير فى مؤسسات الدولة وغيرها.


د.سامية الساعاتى أستاذ علم الاجتماع جامعة عين شمس، وعضو المجلس الأعلى للثقافة، قالت: «الرشوة ليست جديدة على المجتمع المصرى فهى من قديم الزمان والفلاح الفصيح خير مثال على ذلك وهى قصة معروفة لدى الجميع وحدثت بالفعل، حيث انتقل إلى المدينة ومعه بضاعته لبيعها واستوقفه بعض الأشخاص وطلبوا منه أخذ رشوة منه لدخول المدينة لكنه رفض فاعتدوا عليه وأخذوا منه بضاعته، وذهب إلى رئيس المدينة وأخذ حقه، رغم أنه فلاح ولم يستسلم لأنه رأى أن ما سيدفعه هو بمثابة رشوة، فالرشوة ليست وليدة اللحظة، فهى جزء من الفساد المستشرى فى المجتمع المصرى ومؤسساته، وهى ظاهرة قديمة.


الساعاتى ترى أن مظاهر الرشوة متعددة منها فتح أدراج موظفى المؤسسات الحكومية لتلقى الرشوة وطلب الشاى، ويطلبها الموظف صراحةً بالقول: «يا بيه أنا مأختش الشاى بتاعي»، أو شاى بالياسمين أو كل سنة وأنت طيب يا بيه، وهذه معاناها رشوة، وفى كل مؤسسة فى الدولة الرشوة لها مُسميات ومتعارف عليها، وكل مكان له طريقته فى الحصول على الرشوة، وأحيانًا تجد الشخص نفسه مضطرًا إلى دفع رشوة ليقضى مصلحته أى مؤسسة حكومية ولو وجد من يساعده لوجه الله ما كان ليدفع الرشوة، ذلك الحال الاجتماعى فى كثير من الأوقات تكون أحد الدوافع لتلقى الموظف الحكومى للرشوة، لكن فى نفس الوقت ليست الحالة الاجتماعية مبررًا لتلقى الرشوة، وهناك إحصائيات مثيرة جدًا تقول إن قليل جدًا من العاملين فى المؤسسات الحكومية يعملون بضمير والباقى يجلس على مكتبه لتلقى الرشاوي، لذلك ما زلنا بحاجه إلى التخطيط من جديد لتحديد الوظائف داخل مؤسسات الدولة بشكل علمي».


وحول تلقى موظفين كبار فى مؤسسة الدولة رشوة أشارت الساعاتى بالقول: «أن الحصول على الرشوة لا يرتبط فقط بالظروف الاجتماعية للشخص أو أنه بحاجه إلى أموال لكنها أخلاقيات ترب عليها منذ نشأته، وبالتالى نحن بحاجه إلى التربية السليمة من الآباء والأمهات لأولادهم على اللقمة الحلال، وأن الشخص لابد أن يحصل على أمواله بعرق جبينه، وأن الله عز وجل يحب الأيدي الخشنة والعاملة وكلها أشياء لدينا فى الإسلام وليست جديدة، فالدين وتعاليمه يؤكد هذا، فالعمل قيمة كبيرة فى الإسلام، إذن النشأ الاجتماعية للأطفال مهمة جدًا فى هذه المرحلة، لأن لدينا خللا فى النشأة والتربية.


وأضافت: يجب على الآباء أن يكون لديهم وعى وثقافة التربية، فالمدرس الابتدائى أهم فى الدول المتقدمة من أستاذ الجامعة، لأنها المرحلة العمرية الأولى لتربية ونشأة الأطفال الصغار، وللأسف من يطلق عليهم أولاد الناس «المتربيين» شكل فقط ومعظم أولاد الناس «تربية شغالين»، لأن الأب والأم دائمًا ما يكونوا مشغولين فى أعمالهم وليس لديهم أى اهتمام بتربية أطفالهم، وللأسف الشديد من يقوم بتربية أطفالهم أناس ليس لديهم منطق فى الفكر ومعظمهم ليسوا مصريين ولكنهم أجانب من الخارج، والثقافة التى ينقلونها للأطفال ليست ثقافتنا التى تربينا عليها».


من جانبها قالت د. سوسن فايد، أستاذ علم النفس بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية، والجنائية إن انتشار ظاهرة الرشوة فى المجتمع المصرى تبدأ بالأساس من أخطاء قواعد العمل وانخفاض المرتبات بشكل غير كافي، بالإضافة إلى تراجع القيم فى المجتمع المصرى التى اعتدنا عليها وإحلال قيم جديدة بدلًا منها، حيث يعتبر الفرد أن الرشوة مجرد «شطارة أو فهلوه» منه وأن له الحق فى الحصول عليها وأنها إكرامية وليست رشوة لتحسين مرتبه، وأصبحت الرشوة تقليدا معلنا وللأسف تعايش المواطنين مع هذا الخطأ فى الجهاز الإداري، وسيكيولجيًا لحل أى مشكلة لأبد من معرفة جذورها، فإذن هى بحاجه إلى نوع من المصارحة، بحيث يكون هناك تصحيح للقواعد وعمل متابعة مراقبة دائمًا ومحاسبة أيضًا».


وتابعت: «لأبد أن يكون العائد المادى للموظف كافيا بالشكل الذى يجعله يعيش حياة كريمة، لأن دخل الفرد عندما يكون غير كاف لمتطلباته، ويفشل فى إشباع حاجاته اليومية ويشعر بالعجز وخاصةً لو كان لديه أطفال يضطر إلى أنه يخرج عن مبادئه حتى يستطيع أن يحقق مسئولياته الاجتماعية تجاه أسرته المسئول عنها، لأنه دائمًا ما يكون فى حالة توتر دائمًا نتيجة لعجزه لسد احتياجات من يعلوهم، خاصةً لو كانت هذه الاحتياجات أساسية لأسرته ولا يمكن الاستغناء عنها مثل المأكل والمشرب والتعليم والصحة، كذلك التطلعات ألا نهائية لأبنائه وإشباع رغباتهم خاصةً إذا كانوا فى سن المراهقة، وهو ما يجعل ضغوطا كبيرة على مسئول الأسرة تدفعه إلى التنازل عن مبادئه التى نشأ وتربى عليها بتلقيه رشوة، وهو ما يؤكد أن القيم والمبادئ فى المجتمع المصرى حدث لها تحلل، الفرد يحلل لنفسه الحصول على رشوة أو تحت مسميات أخرى يفترضها الشخص ويبررها لحصوله على الرشوة، وهذا حتى يحدث له نوع من التكيف الذاتى له وأنه ليس منحرفا ويعتبر حصوله على رشوة بمثابة إكرامية لتحسين مرتبه وللأسف الأنظمة السابقة وافقت على هذا والجهات الحكومية تعلم ذلك ومتفهمة جيدًا، وهذا يعد اتفاقا ضمنيا ما بين الحكومة والموظف لتلقى الرشوة، وبالتالى لابد من تفنيد جذور المشكلة حتى نستطيع معالجتها والقضاء عليها بشكل أسرع».


وحول نفسية المرتشى قالت: فى البداية يكون لدى قابليه للانحراف، ويوهم نفسه بأن الرشوة ليست حراما وأنها بمثابة مساعدة لحياته المعيشية، ويغير معنى القيم إلى قيمة أخرى فبدلا من كلمة رشوة تصبح «إكراميه» وهى ما تسمى «الراحة الوهمية» حتى لا يعتقد أنه منحرف عن قيمه ومبادئه التى تربى عليها، لأن نفسيته غير قابلة للانحراف فيحدث ما يسمى بالإحلال لمعنى القيمة ويغيرها إلى قيمة أخرى.


وعن علاج هذه الظاهرة قالت: «لو كل مؤسسة أو هيئة حكومية وضعت متخصصين نفسيين بالإضافة إلى الأخصائى الاجتماعى، وفى حالة ما إذا كانت هناك مشكلات وشكاوى من موظف ما، يرجعون إلى هؤلاء المتخصصين لوضع تقارير عنه حتى لا تتفاقم المشكلة ويأخذ شكلا انحرافيا، وينبه المسئولين بهذا ويتم تصحيح الدوافع التى تهيئ إلى الانحراف لدى الموظف، وأتمنى أن يكون هذا النظام متواجدا فى المؤسسات الحكومية بشكل سريع وفعال، لأن من الممكن أن يكون الأخصائيون الإجتماعيون والنفسيون لهم دور فى مواجهة ظواهر سلبية كثيرة جدًا منتشرة فى المجتمع المصرى بخلاف الفساد الإداري، وللأسف هؤلاء الأخصائيون لهم قيمة كبيرة فى إصلاح المجتمع ولكنها مهدرة».


وحول أسباب حصول أصحاب رؤوس الأموال على رشوة أوضحت قائلةً: «للأسف هؤلاء عندما يبدأون من الصفر وليس لديهم قدرات ماديه وفجأة يصبح لديهم أموال خاصةً لو كانت الأموال عن طريق الانحراف يتمادون فى الانحراف، ويصبح لديهم حالة من عدم الإشباع، لأن عقدة النقص والاحتياج وعدم الإشباع تظل تلاحقهم مدى حياتهم وكل ما زادت أمواله يتخوف إلى عودته إلى ما كان عليه فى الماضى فيزداد فى الانحراف أكثر، وهؤلاء فئة غير فئة صغار الموظفين فى الجهاز الإدارى للدولة، لأن هولاء ليس لديهم مانع من المتاجرة فى أى شىء للحصول على أموال، لأن لديهم نوعا من التوحش والشراشة فى زيادة أموالهم.