محمود المليجى.. أطيب شرير

16/10/2014 - 9:25:29

محمود المليجى محمود المليجى

كتبت – منال عثمان

حباه الله بنظرات ترتجف بمجرد أن تطل عليك من الشاشة وأداء كما وصفه المخرج الإنجليزى المعروف لويس أونست "إنه الأداء الذى يحلم به أى ممثل ويبذل جهدا للوصول إليه لكن لدى ممثلكم الكبير يفعله وكأنه يرتشف رشفة ماء لو كان فى مكان آخر بالعالم لطرنا إليه نحلم جميعا أن يكون أمام كاميراتنا".


إنه العظيم محمود المليجى الذى ودع الدنيا عام 1983 وهو يرتشف القهوة مع عمر الشريف أثناء تجهيز مشهد لهما معا فى فيلم (أيوب), أزمة قلبية حادة قضت سريعا على هذا الكنز الفنى المليء بياقوت الإبداع الذى لم يأت مثيله حتى الآن.. استأذن مودعا تاركا لنا أكثر من 700 فيلم والعديد من المسلسلات والمسرحيات والأعمال الإذاعية ثروة لاجدال.. ونصف أو ثلاثة أرباع هذه الأعمال كانت لأدوار الشر فيها له الكلمة العليا..  أداؤه المتجاوز للحدود القصوى للإبداع أهله لهذه الأدوار التى هى أصعب أنواع الأداء لكن مع المليجى وبين ضفتى نهر موهبته الفائض كانت كرشفة الماء كما قال أونست حين رأى فيلم (إسكندرية كمان وكمان) بدعوة من الراحل يوسف شاهين.. بهر بهذا المشهد الذى قدمه المليجى أمام أحمد زكى والذى كان ينهى جملة فيه بهذه الكلمة (وعايزنا نكسبها) وكان محاميه الذى خسر القضية وهو بالفعل وصل فيه إلى أعلى درجات التجلى  فى الأداء, والحقيقة الأستاذ المليجى رغم براعته فى أدوار الشر إلا أن له أدوارا رائعا خالية من ذرات الشر قدمها بموهبة وأداء لم يخرج  يوما عن حيز العبقرية مثل أدواره فى (بئر الحرمان, والحب الضائع, ومن أجل حبى) والمحامى الفرنسى المتعاطف فى (جميلة بوحريد) وطبعا دوره المبهر فى رائعة يوسف شاهين فيلم (الأرض) عم محمد أبو سويلم, ورغم دفتر أحواله الفنية المليء بالشر إلا أنه كان  كإنسان فى غاية الطيبة والحنان ولا يحتمل أى مما يجرح مشاعره النبيلة وحكايات تروى ممن عاصروه على هذه الطيبة التى كانت أهم صفاته.


طيبته مضربا للأمثال


 فقد كان معروفا عنه أنه عندما يعجب بدور لا يحب أن يتناقش كثيرا فى مسألة الأجر ويقول للمنتج الذى كان يقابله فى مكتبه فى شارع الدقى أن أجره معروفا وعندما يقرر زيادته سيبلغه.. فيحتار الرجل ويقسم له أنه لا يعرفه فيقول له المليجى إسأل يا أخى ولا تحرجنى.. وكان المنتج الكبير رمسيس نجيب يصر أن يعطى المليجى أجره دفعة واحدة دون أقساط لأنه كان يعرف أنه يحرج من الكلام فى هذه المسائل, وكم تعرض للنصب عليه خاصة فى الأقساط الأخيرة من أجره من شركات إنتاجية خاصة حين بدأت  الأعمال التليفزيونية فى السبعينيات تصور فى عجمان وغيرها من إنتاج شركات عربية, فكان يحمل وعودا دائما وهو عائد بعد التصوير لمصر أن القسط سيكون عنده فى الميعاد ولا يصل أبدا, ولم يغضب يوما وحتى كان لا يتصل  متسائلا عن التأخير فقد كان يعطى الأعذار لأقصى درجة فيقول قد تكون ظروفه معاكسة أو المسلسل لم يتم توزيعه بعد أى عذر إلا أن هذا الرجل تهرب مما عليه, وكان هذا يثير حفيظة زوجته الفنانة الكبيرة الراحلة علوية جميل فكانت أحيانا زمان عندما يحدث له مثل هذا الأمر فى الخمسينيات والستينيات وقليلا ما كان يحدث لأن أهل هذا الزمن كان الاتفاق شفهيا أحيانا فالكلمة كانت تخرج من الأفواه شرف.. وكان يثور المليجى عليها حين تتصل بصديق منتج وتطالبه بدفعة المليجى المتأخرة ويكون الرجل فعلا فى مأزق مالى يعرفه المليجى ويقول لها إنه سيحدثه ويعتذر عن تصرفها ويقسم ألا يأخذ ماله إلا عندما يرتاح صديقه ماديا تماما, كان بطيبته التى بلا حدود حبيب الكل فعندما أنتج أفلامه وأهمها فيلم (المبروك) مع مريم فخر الدين  تسابق زملاؤه عارضون عليه أن يعملون معه دون أجر لكنه رفض وأعطى كل من شاركه الفيلم أجره.


 نزيف حليم ودموع المليجى


 وقد حدث يوما وهو يلعب أحد الأدوار الطيبة فى فيلم (أيام وليالى) مع عبد الحليم حافظ والجميلة إيمان وكان يوما حارا للغاية وهو يجلس مع عبد الحليم  فوجىء به ينزف من أنفه انخلع قلب المليجى على الشاب النحيل الذى ينزف أمامه وأسرع ينادى الكل وعبد الحليم يقول لا داعى هذا أمر أعتاده فى الأيام الحارة لكنه أصر أن يأخذه فى سيارته للدكتور المرصفى أشهر طبيب أنف وأذن فى هذه الآونه وطمأنه بأن شعيرات صغيرة انفجرت ولا خوف, لكن كانت الطامة الكبرى عندما فاجىء حليم فى العيادة ألم النزيف من المعدة  مرضه الذى صاحبه منذ فجر شبابه, وتألم المليجى كثيرا وبكى بعد أن استدعوا أطباء حليم وظل هو بجواره لليوم التالى وظل يطمئن عليه دائما حتى توفى حليم, وكان يوما حمامة سلام بينه وبين فريد الأطرش, ومن حكايات طيبة أشهر شرير عندما تزوج على زوجته علوية جميل مرة واحدة من نجمة كوميدية راحلة, وكان يكن لعلوية حبا نادرا واحتراما كبيرا  لكنه انزلق فى هذه الزيجة التى علمت بها علوية وطلبته فى منزل زوجته الجديدة وأوصته أن يعرج على المأذون ليطلق الزوجة الجديدة قبل أن يعود للمنزل, وفعل مثلما قالت وعاد فلم تحدثه فى الأمر وكان هو حزينا لأنه فعل هذا يوما فى زوجته عشرة العمر وكان من يواسيه هى علوية نفسها وتقول له كلنا بنغلط.. فيقول: "اه بس دى غلطة كبيرة من المليجى"..  وقبل أن يفارق الدنيا عن 73 سنة عام 1983 فهو من مواليد ديسمبر 1910 ذهب لفيللا صديقه فريد شوقى وسأله أثناء الجلسه عن أحد العاملين مع فريد فقال له إنه أصيب بشلل وتقاعد فحزن المليجى وترك مبلغا من المال ليصل إليه وبعدها بأيام مات المليجى, وفى  عزائه كان كل نجوم مصر يكسوهم حزنا حقيقيا والغريب أن من ظل يبكى هذا الرجل القعيد الذى أتى على مقعد متحرك وغيره كثيرين كانوا يقسمون بأن لا أحد فى طيبة المليجى وسخاء عطائه, إنه فعلا كان شريرا على الشاشة وملاكا فى الحياة