فى الدورة التاسعة لملتقى الأقصر الدولى للتصوير: الوقوع فى غرام الحضارة المصرية

04/01/2017 - 12:01:20

رسالة الأقصر: أمانى عبد الحميد

من زرع شجرة ورحل ظلت ذكراه تتردد طالما تعانق فروع شجرته وأوراقها الخضراء وجه السماء تلك مقولة تسرى بين أهالى الأقصر البسطاء لذا كان حتما أن ترى عند كل بيت شجرة تقف شامخه تحمل ذكرى صاحبها واتباعا للتقاليد الصعيدية قامت د.نفين الكيلانى بغرس شجرتين صغيرتين لتحمل معها ذكريات الدورة التاسعة من ملتقى الأقصر الدولى لفنون الرسم والتصوير وأخرى لتخلد ذكرى جميل شفيق الفنان الأصيل الذى مات عندما أراد أن يموت حبا فى الرسم والنيل والحياة عند شطه.


مشاعر من الحزن خيمت على فعاليات ملتقى الأقصر للرسم والتصوير، ففراق الفنان جميل شفيق استحوذ على حوارات جميع الحاضرين, لم يكن فراقه سهلا وهو الفنان ذو الثقافة الإنسانية الواسعة والذى صاحب الجميع وأحب الحياة بشكل جميل, عاش فترات طويلة أمام شط الساحل الشمالى ليجمع طرح البحر من الأخشاب ليهذبها ويرسم عليها أو يضعها ضمن لوحاته, واختار اللونين الأبيض والأسود ليعبر عن رؤيته لجماليات الحياة من حوله, فكان للنساء والأسماك والأحصنة نصيب من خطوطه وظلاله, ورغم مرضه إلا أنه آثر أن يقضى أيامه الأخيرة فى الحياة هناك عند أعتاب نهر النيل وسط الفنانين القادمين من مختلف بقاع العالم, لملم أقلامه وأخشابه ورحل لمثواه الأخير هناك أمام نيل مدينة “الزيتية” عند أطراف محافظة الأقصر, فكان حاضرا بروحه ولوحاته فى الختام, لوحته ذات اللون الأصفر الزاهى لون رمال صحراء البر الغربى وفى قلبها رجلان يرقصان رقصة التحطيب الصعيدية وبجلبابهما ذوات الأكمام الفضفاضة, وكأننا أمام رقصة الوداع التى قدمها لنا عم «جميل» كما يحب أن يناديه أصحابه.


لذا وقفت فى حالة صمت تحمل فى يدها فأس وجاروفا لتعد التربة السمراء لتغرس فى أحضانها شجرتين صغيرتين، لتكون ذكرى تتجدد كل عام مع نمو كل ورقة خضراء على أخصانها وهى تصعد إلى السماء, د.نفين الكيلانى رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية كانت حاضرة لتغرس تلك الشجرتين وسط الحدائق إحداهما تحمل اسم الدورة التاسعة للمتقى الرسم والتصوير وبالقرب منها غرست الشجرة الثانية تخليدا لروح الفنان جميل شفيق الذى جاء ليستمتع بالفعاليات المفعمة بالإبداع فوافته المنية هناك ولم يسعفه القدر لكى يستكمل آخر لوحاته هناك, بعدها أكدت لـ «المصور» أن صندوق التنمية الثقافية أمام محاولتين للحصول على قطعة أرض لبناء مراسم دائمة للفنانين أولهما القطعة التى تسعى محافظة الأقصر للحصول عليها لكن الأمر يحتاج موافقة مجلس الوزراء لتخصيصها كمقر دائم للملتقى داخل البر الغربى فى القرنة الجديدة، وهنا سيتكفل صندوق التنمية ببناء المراسم كاملة. أما الفرصة الثانية فهى مع هيئة تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة حيث أبدت تفاؤلها قائله:” الهيئة وافقت على تخصيص قطعة أرض داخل مدينة طيبة الجديدة وبنائها كمراسم دائمة للفنانين سواء خلال أيام الملتقى أو طوال العام..” مرددة بقولها: « الجميل أن الهيئة تقوم بتخصيص الأرض وبنائها طبقا للرسومات الهندسية التى يقدمها الصندوق وعلى أساسها سيتم تحديد مساحة الأرض وتكلفة بنائها والتى ستتكفل بها الهيئة وبعد الانتهاء يتم نقل الملكية للصندوق..” ومن المنتظر الانتهاء من البناء والتسليم على نهاية العام المقبل خلال أيام الملتقى فى دورته العاشرة..». وإن أكدت إمكانية أن يحصل الصندوق على القطعين ووقتها ستكونان ضمن الأصول التى يملكها ويحق له التصرف فيها كما يشاء, من الممكن إقامة متحف أو قاعات عرض علما بأن الروسومات الهندسية المعتمدة تحوى استوديوهات لإقامة الفنانين ومراسم وقاعات عرض ومتحف لاستعراض أعمال فنانى الملتقى خاصة وأن مقتنيات الصندوق بلغت أكثر من ٦٠٠ عمل فنى نتاج الدورات السابقة, ومن المفترض أن يكون المقر مفتوحا طوال العام لاستضافة الفنانين الحاصلين على منح الإبداع, وتمنت «الكيلانى” أن تقوم إدارة فندقية بالإشراف على مقر المراسم لضمان الحفاظ عليه وتقديم خدمة متميزة, وأشارت إلى أن فى الدورة التاسعة تم تفعيل منح الشباب بعد توقف فترة طويلة، حيث تم استضافة عشرة من طلبة كليات الفنون الجميلة والتربية الفنية المتميزين والمتفوقين دراسيا من القاهرة والمنيا والأقصر للمشاركة فى ورش العمل وإتاحة الفرصة أمامهم لتقديم أعماله جنب إلى جنب أعمال الفنانين المحترفين,


للمرة الأولى التى يشارك فيها فنانون من البرازيل وكينيا وصربيا وروسيا وكانت الهند ضيف شرف، مما أسفر عن تواصل إبداعى وفنى وثقافى متميز بين الفنانين طوال أسبوعين كاملين هى مدة الملتقى كان من نتاجها ٥٥ عملا فنيا عبروا عن الروح المصرية القديمة التى انتابت كل من حضر الملتقى, جاءت ألوانهم وأشكالهم وخطوطهم تحمل بعضا من تفاصيل الحياة على شط نيل الأقصر, البعض اكتفى بالتلميح بلون أو لونيين والبعض الآخر جسد كافة التفاصيل كما رأها داخل المعابد فى البر الشرقى أو المقابر الملكية فى البر الغربى, وإن طغى اللون الأزرق من زرقة مياة النيل واللون الأصفر من صفرة رمال الصحراء المطلة عليه على أعمالهم بلا منازع, البعض آثر اللجوء إلى التجريد وآخرون غاصوا فى التفاصيل,


ففى داخل المعرض المفتوح لأعمال الملتقى كانت لوحاتها التجريدية تعبر عن مشاعر الدفء التى شعرت بها خلال أيام الملتقى التى عاشتها, د.هالة الشافعى أحد المشاركين حيث ترى أن خروج الفنان بعيد عن صومعته أو مرسمه والتعايش وسط مجموعة من الفنانين يمنحه طاقة إبداعية لا حدود لها تسمح بتجدد مواطن الإلهام داخله, كما أن التلاقى مع الفنانين الأجانب يحقق فكرة التلاقى بين شعوب العالم وامتزاج الثقافات يخلق حالة من التواصل الثقافى الحضارى ويصل الأمر إلى التعرف على العادات والتقاليد وتفاصيل حياتنا وحياتهم اليومية, وتردد قائلة: « كل الفنانين الأجانب أصابتهم حالة انبهار ودهشة لدى دخولهم مقابر البر الغربى.. لم يكن يتوقعون أن تكون آثار الأقصر بمثل هذا الجمال..” لذا فإن انعقاد الملتقى داخل مدينة لها تاريخ مثل الأقصر كان بمثابة حافز مثير للإبداع, كما أن التعامل بشكل يومى مع الشعب المصرى وأهل الصعيد قضى على الصورة الذهنية القديمة التى ترى أن العرب والمسلمين إرهابيون ومتعصبون « لكن العيش وسط أهالى الأقصر كشف عن الوجه الجميل لمصر أمام العالم كله..» كما ترى د. هالة أن وجود طلبة كليات الفنون يمنحهم ويمنحنا ميزة تواصل الأجيال والتعرف على رؤاهم الشابة وتعلمهم من خبراتنا وتقنياتنا فى العمل الإبداعى.


مانيش كومار فنان جاء من الهند محملا بحضارات بلاده الساحرة ذات المذاق الحريف لكن اعتزازه بثقافته لم يمكنه من الشعور بالاندهاش لحظة سيره وسط مقابر البر الغربى بالأقصر أو الخوض بين أعمدة المعابد الكرنك والأقصر بالبر الشرقى لذا وقف أمام عمله مؤكدا أن الفن أكبر وسيلة لمحاربة الإرهاب فهو وسيلة كما يقول: “ لترسيخ الشعور بالإنسانية داخلنا..” وهذا ما حاول التعبير عنه فى لوحته حيث بدت أنها مقسمه إلى نصفين الأيسر تطل منه امرأة مصرية ذات ملامح صعيدية أقصرية والأيمن يطل رجل مصرى ذو ملامح إنسانية واضحه وتمتد يدهما الاثنين لتحتضن هرما صغيرا وكأنهما يحتضنان الحضارة الإنسانية الوليدة, وهو كما يقول:” يحتضنان مصر التى ستولد من جديد برعاية وحنان لأن الإرهاب لن ينال من تلك الدولة صاحبة الحضارة العريقة والمتجددة بفضل أهلها..»,وإن كان يرى أن الحضارتين المصرية والهندية قد لا تختلفان كثيرا فهو لم يشعر بغربة فى مصر ويضحك قائلا:” اكتشفت أن هناك كلمات متشابهة مثل المحبة..” بل يرى أن كثيرا من ملامح وجوه المصريين تتشابه مع ملامح وجوه أهالى الهند لذا فهو كما يقول:” شعرت وكأننى لم أخرج من دلهى مدينتي..», يؤكد أن تجربة وجوده فى الأقصر والاستمتاع بآثارها أضاف إلى تجربته الإنسانية كثيرا وبالتالى تأثره كفنان بالرغم أنه جاب العالم لكن كما يقول:” تجربتى هنا لا مثيل لها..لايمكن أن تتعرف على مذاق التفاحة دون أن تأكلها..» وبالتالى فإن مشاهدته لصور آثار مصر والأقصر لا تضاهى الشعور بالعيش بين جنباتها أبدا.


وللمرة الأولى فى الملتقى تشارك فنانة من البرازيل لذا رحلت ريجينا كارمونا من أقصى بلاد الدنيا البرازيل لتأتى إلى الملتقى بعدما ظلت سنوات تحلم بالمشاركة فيه لكنها لم تتوقع أن تكون الحضارة المصرية بمثل هذا الجمال فهى كما تقول:” منذ لحظة وصولى هنا شعرت بالدهشة والانبهارمن كل هذا الجمال من حولى..” هى لم تخف إعجابها بكل شىء بالآثار بالبشر بالطعام وبالأساس بالألوان, كانت رحلتها داخل السوق القديم حيث البهار والأقمشة فسحرتها الألوان الزاهية, لذا جاءت لوحتها عبارة عن تمازج لونى يصل إلى لون زرقة السماء والتى ترى أنها الألوان المصرية الحقيقية, وتحكى “كارمونا” أنها شعرت بالاندهاش عندما سارت وسط بهو الأعمدة بالكرنك فكان ما يجذبها هو لون السماء البعيدة فوق تلك الأعمدة الشامخة بل وإنها استعجبت جدا عندما زارت المعبد ليلا فقط رأت ملامح نفس السماء بنجومها كما تراها فى بلادها البعيدة, لكنها لم تشعر بالغربة لأن بلادها يحوى مجتمعا من أصول عربية كبير وبالتالى التعامل مع أهالى الأقصر لم يكن غريبا عليها بالرغم من البعد.


وعند القسم الخاص بأعمال الشباب المشارك فى الملتقى كان هناك مهند يوسف أحد طلبة كليات الفنون القادم من محافظة المنيا ذو اللكنة الصعيدية الخفية, حيث نرى لوحته ذات الإصفرار الشديد تحمل قسمات معبد الكرنك العظيم وبهوأعمدته. الشهير, اختار أن يرسم تفاصيله بعدما وجد أنها أفضل ما قد يمثله فى الملتقى. وأخذ يشرح عمله الفنى بقوله: « عندما شاهدت أعمال كبار الفنانين المشاركين من المصريين والعرب والأجانب اكتشفت أنها تميل إلى أن تكون انطباعية أكثر من أى شىء..” وبالرغم من تأثره بأعمالهم إلا إنه قرر أن يرسم»لاند سكيب» ويختار الطبية الصامت داخل معبد الكرنك نظرا لجمال بهو الأعمدة به,واعتمد على التضاد البادى بين لون السماء الصافية الزرقاء وبين لون الصحراء الممتدة ذات اللون الأصفر الشديد, لكنه يعود ليؤكد أنه تعلم كثيرا من أسلوب ما بعد الحداثة الذى اعتمد عليه كثير من الفنانين الأجانب وتقنياتهم فى العمل وإن كان أنه لم يتأثر برؤاهم فكل فنان له رؤيته الخاصة الفريدة وعلى حد تعبيره:” لا يجوز التأثر بأى فنان حتى لا أتحول إلى مجرد ظل له..» ويرى أنه من الممكن الاستفادة من تقنية الفنانين الكبار واستخدامه بشكل جديد فى منطقة أخرى دون أن يتحول الأمر وكأنه تقليد, ويردد قائلا: « من أهم مفاهيم الفن أن أبدأ من حيث انتهى الآخرون..آخذ ما ينفعنى واستخدمه من خلال رؤيتى الخاصة..», أما بالنسبة لوجوده فى الأقصر أردف قائلا:” جئت من مدينة ملوى المليئة بآثار الحضارة الفرعونية وتربيت فى أحضانها وبالتالى لم يكن وجودى فى الأقصر غريبا لكنه كان حافزا لكى استرجع ما ألفته فى مدينتى..”,


وكان ٢٥ فنانا قد شاركوا فى فعاليات الملتقى على مدار أسبوعين,عشرة فنانين من مصر وخمسة فنانين عرب من الأردن ولبنان والسعودية وسلطنة عمان والمغرب. وعشرة فنانين أجانب من كينيا وإيطاليا وروسيا أوكرانيا صربيا وبنجلاديش والبرازيل، وكانت الهند ضيف شرف وشارك منها اثنان من الفنانين, كذلك تم تكريم الفنانة ديما رعد، الفنان فرغلى عبد الحفيظ وتسلمه نيابة عنه الفنان الدكتور خالد سرور، الفنانة والمعمارية سعاد عيساوى وتكريم الشباب المشاركين فى الملتقى.