أرواح موديانو الهائمه تخطف نوبل !

15/10/2014 - 12:23:37

روايات الهلال روايات الهلال

تقرير: شيرين صبحى

أظن أننا لا نزال نسمع فى مداخل البيوت أصداء خطوات الذين سبقونا فى عبورها، والذين اختفوا بعد ذلك. إن شيئا يستمر فى الاهتزاز بعد مرورهم.. موجات تزداد ضعفا شيئا فشيئا. ولكننا نحس بها إذا انتبهنا جيدا. لم أكن شيئا، ولكن موجات تعترينى تارة بعيدة وتارة أشد قوة. وكل هذه الأصداء المتناثرة التى تسبح فى الهواء تتبلور وتتجمع فإذا بها أنا".


استطاع الأديب الفرنسى باترك موديانو أن يحقق نبوءة النقاد الذين وصفوه بأنه الوحيد من بين المعاصرين الذى يمكن أن يعيد للرواية الفرنسية عظمتها منذ رحيل مارسيل بروست وألبير كامي، بعد أن حصد جائزة نوبل في الآداب هذا العام، وفى حيثيات فوزه قالت الأكاديمية السويدية إنه تم تكريمه بفضل "فن الذاكرة الذى عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصيانا على الفهم".


أما موديانو فيقول عن نفسه "أحب دائما أن استمع عندما يعقد معى لقاء أشعر كأننى مفتش شرطة موجود فى مكان الجريمة أعرف السؤال ولكنى لا أعرف الجواب، فعندما نكتب فإننا نحيا حياة الآخرين، وتبقى المثالية غائبة".


يبدو موديانو فى كتاباته أشبه بمراقب قلق يبحث عن أجوبة لأسئلة تطرحها الأحداث والوقائع الملتبسة، الحياة لديه عبارة عن "باقة من الصور القديمة فى صندوق الذاكرة".


حرمانه العاطفى فى كنف أبوين لم يهتما به، ألقى بظلاله على أدبه، فنجده يبحث عن الدفء بين رفوف الذكريات، يطارد فى كتاباته أشباح الذاكرة، يمزج فى موزاييك بارع ذكريات الإنسان بذاكرة المكان وشرائحه الإنسانية، شخصياته غامضة تلهث بحثا عن هويتها، يتملكها هاجس السعى إلى فهم العالم بفوضاه وعنفه وتقلباته المجنونة، وهى ليست إلا انعكاسا لحياته المضطربة وهو ما اعترف به فى حوار مع مجلة »ماجازين ليتيرير«1990: "بحثى الدائم عن شيء ما، ضائع، والتفتيش عن ماضٍ غائم ليس فى الوسع إضاءته، وطفولة كُسرت بغتة".


موديانو ماهرا فى إعادة تركيب الأيام الماضية، لأن المستقبل لا يتخذ فى نظره أى اعتبار. إن هدفه الوحيد هو البحث عن الزمن الضائع، إنه سيد الماضي، كما وصفه جان كلودلامى فى صحيفة "فرانس سوار"


تعتبر روايته "شارع الحوانيت المعتمة" الصادرة فى ترجمتها العربية عن دار الهلال، من أهم روايات الأدب الفرنسى ليس لأنها حصلت على جائزة جونكور عام 1978 بل لأن مؤلفها أحد أهم الظواهر الأدبية الحديثة، يشكل تياراً خاصاً به، شخوصه أرواح هائمة متطاردون من ماض غامض يبحثون دوماً عن هوية.


يأخذنا موديانو إلى عالم التيه واللا جذور، والبحث عن الماضي، إلى عالم المفقودين والهاربين والمنسيين الذين فقدوا هويتهم. وإلى الأسماء الغريبة الكثيرة التى لا معنى لها، فالبطل الذى يدعى "تال" ويسميه صاحب العمل "جوى رولان" يبحث عن أثر يقوده إلى الماضي، بعد أن فقد الذاكرة منذ عشر سنوات.


فى ذاكرته المظلمة تومض بعض الشخصيات دون غيرها، أو يلتقى فى منعطف أحد الشوارع بشخص لم يره منذ ثلاثين عاما، أو بآخر كان يعتقد أنه فى عداد الموتى. وفى كل مرة يتقدم نحو شخص ينتابه الأمل أن يعرفه، وفى كل مرة يخيب ظنه.


يعثر على مجموعة صور فى علبة بسكويت قديمة، وعقد زواج وجد فى كتاب، وصورة امرأة فى مفكرة وأرقام هواتف، وأرقام لا تقول شيئا لمن يعثر عليها..!


يبحث عن نفسه وعن زوجته "دنيز" بين ركام المدن والعواصم، فينتقل من مكان لآخر، ومن بلدة إلى أخرى. يسافر من الاتحاد السوفيتى إلى الولايات المتحدة وفرنسا، ويعود أخيرا إلى إيطاليا. فى كل هذه البلاد يسمى اسما جديدا ويهوى هواية جديدة، ويلتقى بالعديد من الشخصيات الذين يكشفون له الأحداث شيئا فشيئا.


فى أحد فنادق باريس، ينظر من نافذته فيجد الشارع مقفرا، وشرطى على الرصيف يقوم بحراسته. وعندما يحنى رأسه إلى اليسار يرى ميدانا مقفرا وشرطيين يقومون بحراسته. وبدا كأن نوافذ كل البيوت تمتص الظلام الذى راح يهبط شيئا فشيئا، وبدا واضحا أن لا أحد يسكنها. عندئذ ومض فى ذهنه شيء، فقد سبب له المنظر إحساسا بالقلق وشيئاً من الخوف عرفهما من قبل. تلك الواجهات المظلمة والشارع المقفر وتلك الأشباح القائمة بالحراسة فى وقت الغروب. أزعجه كل ذلك وكان على يقين أنه سبق أن وقف كثيرا فى مكانه هذا، جامدا يترقب دون أن يبدى أية حركة أو يجرؤ على إضاءة مصباح!


يعترى البطل إحساس كأجزاء من حلم هارب، إنها الحرب تلقى بظلالها الكئيبة على العالم، من خلال جو الاحتلال الألمانى لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية الذى يتسلط بوضوح على موديانو، الذى يتساءل دوما عن كينونته، يرحل إلى الماضى، ليؤكد لنا على لسان أحد أبطاله أن "المستقبل لا يهم، المهم هو الماضي"..!


عندما يصل روما، وعلى سلم العمارة التى كانت تسكنها زوجته، يتذكر وجهها الفسفورى المشع، بل وكأنه يسمع من بعيد فرقعة صندلها فوق درجات السلم، وهنا يعرف هويته الحقيقية، التى لا يخبرنا بها المؤلف فى نهاية روايته، بل يكف عن الكتابة فجأة، ليخبرنا أن حياة كل منا سريعة الانتهاء!


ذات مساء وهو يجلس فى أحد البارات الذى يرتاده الجوكية ورجال الخيل، يعرفه أحد الرجال ويخبره عن رحيله هو وزوجته إلى مدينة "ميجيف".. تعود الأحدث متقطعة إلى ذاكرة البطل، حيث سافر هو وزوجته وصديقه هربا من الأوضاع فى باريس، لكن هناك كان يتملكه شعور بالاختناق بأنه وزوجته لن يستطيعا النجاة أبدا، بعدما أصبحا سجينين فى عمق هذا الوادي.


يعرض عليه أحد الأشخاص أن يهربه عبر الحدود إلى سويسرا. ليكتشف فى النهاية أنها خدعة من أجل الحصول على نقودهما، فيتركه ذلك الشخص فى الطريق فوق الثلوج ويأخذ زوجته إلى مكان آخر لا يخبرنا المؤلف إن كان تركها هى الأخرى فى طريق مشابه أو ماذا حدث لها.


بعد جهد مضن يصل إلى طريق "فريدي" الذى أخذ زوجته، لكن الأخير يختفى فجأة عند شاطئ بحيرة فى إحدى الجزر. فيقرر البطل أن يمضى إلى عنوانه القديم فى روما، شارع الحوانيت المعتمة رقم 2.


دون وعى منه يخرج من جيبه الصور التى أراد أن يريها إلى "فريدي"، ومن بينها صورة جاى أورلو وهى طفلة "لم أكن قد لاحظت حتى هذه اللحظة أنها كانت تبكي. وكانت تقطيبة وجهها توحى بذلك. فحملتنى أفكارى بعيدا عن هذه البحيرة، إلى الطرف الآخر من العالم، إلى محطة اصطياف بجنوب روسيا، حيث التقطت الصورة منذ مدة طويلة. طفلة تعود من الشاطئ ساعة الغروب مع أمها. تبكى لأنها كانت تريد أن تستمر فى اللعب وتبتعد، وتختفى مع منعطف الشارع. أوليست حياة كل منا سريعة الانتهاء، كحزن هذه الطفلة؟".