هل النهر .. خسارة فينا؟!

26/12/2016 - 11:41:36

شكرى سرحان ( ابن النيل ) شكرى سرحان ( ابن النيل )

كتب - يحيى تادرس

من أي عهد في القري تتدفق
وبأي كف في المدائن تغدق
... هكذا غنت وأبدعت أم كلثوم
وياله من شاعر كتب في لحظة عشق للنهر من هنا .. هل تعرف عزيزي القارئ كم يبلغ عمر النهر الكهل الذي لا نعرف تاريخ ميلاده علي وجه التحقيق؟
في كتابه «النيل والمصريون» يقول الأستاذ حمدي أبو كيلة
تعود نشأة نهر النيل في الأزمنة القديمة إلي ما يزيد علي ستة ملايين عام حيث لم يكن في الحقيقة نهرا واحداً - وإنما مجموعة من الأنهار ذات الأحواض المستقلة غير المتصلة وكانت هذه الأنهار تصب إما في الكونغو في المحيط الأطلسي وإما في المحيط الهندي والبحر الأحمر.
....
في مصر - كان يجري في مصر نهر محلي - لم يكن علي اتصال بالنيل الإفريقي إذ كانت جبال النوبة تقف حائلاً دون حدوث هذا الاتصال.
أما متي بدأ نيل مصر اتصاله بالنيل الإفريقي منذ حوالي 000.80 عام
.....
أحداث ضخام مرت بالنهر وتكوينه - أتوقف فيها بين عامي 000،70 سنة و12500 سنة - وأرجو ألا تفزعك أرقام السنين - يسود عصر جليدي ويضرب الجفاف منطقة السد في جنوب السودان..
و... تتحول أرض مصر إلي صحراء قاحلة حتي كاد الإنسان - يختفي من عليها تماما «إذا ينسد مجري النيل الأبيض بالرمال...»
....
ولا أتخيل - كيف كان البشر يعيشون في كل تلك الظروف المفزعة خاصة منذ حوالي 500،12 عام عندما تراجعت ثلوج العصر الجليدي وزادت الأمطار علي الهضبة الاستوائية وشهد النيل فترة من الفيضانات شديدة الارتفاع استمر لمدة 500 عام - أدت إلي اكتساح رمال النيل الأبيض حتي وصلت منطقة النوبة....
عزيزي القارئ - لنسترح قليلاً من تلك السنوات بل مئات الآلاف منها ونعود إلي رحلة بروس - المثيرة والمفزعة والتي لم يصدقها من قرأه وقتها لغرابتها.
... لم يكن المقداد الذي عاش في الحبشة على اللحم النئ والعسل قد أوهن قواه بل بالعكس جعله أكثر صحة وشبابا
... وينصرف إلي صيد الفيلة - وبالطبع الحصول علي أنيابها تاركا لحومها إلي القبائل التي يمر بها.
... وخلال تلك المرحلة يواجه خطراً لم يكن علي باله:
ذباب «التسي تسي» الذي كان يهاجم بجماعات أشبه بالجراد - الحيوانات المستأنسة فيقبض عليها...
ولم يكن هذا هو الخطر الوحيد .. بل كان علي حد قوله خطرا هينا أمام رؤساء العشائر الذين كان يعتبرونه عن حق نذير شؤم وبداية لاقتحام الأغراب ممالكهم الشاسعة وسلطاتهم غير المحدودة وكانت نظرة أو رفع اليد أو السيف إلي أعلي - تعني هلاكه...
....
وأخيرا يصل إلي مدينة «سنار» في أسوأ فترات السنة ويقول عنها: ما من حصان أو بغل أو حمار يمكن أن يعيش ويتناسل فيها - بل لا يمكن حتي لقطة أو شاة أو حتي أي نوع من الدواجن أن يعيش فيها كان الهلاك نتيجة الحر اللافح الذي يدفع بالإنسان إلي حد الإغماء حين يشتد الضغط علي صدغيه ويتخاذل صوته وتجف بشرته ويبدو رأسه أكبر حجما وأخف وزناً!
... أربعة أشهر «عجاف» يقضيها مرغما هناك ومتسائلاً:
هل كان أحقم حين بدأ رحلته وماذا لو لم يكتشف هو - أو سواه منابع هذا النهر الكهل؟
... لكنه كغيره من المستكشفين - كان تحت تأثير سحر لا يقاوم ورغبة دفينة - ليس في اكتشاف النهر ولكن في اكتشاف ذاته...
...
... كان ملك سنار «إسماعيل» شابا في نحو الرابعة والثلاثين .. وكان غريب الأطوار إلي حد الصدمة.
.... ويشعر «بروس» بالغرابة إذ يقابله «الملك» راقدا علي بطنه تاركا لمجموعة من «المدلكين» منصرفين في تدليكه بكميات كبيرة من دهن الفيل - الذي كانوا يصطادونه بوفرة من أجل تدليكه «... يا لبؤس تلك الحيوانات الضخمة التي لم تكن تجد من يحميها....»
.... في مؤخرة المشهد كانت مجموعة ضخمة من حريم بدينات بشكل هائل كن ينظرن إلي بروس بفضول ودهشة
..فيندهش إسماعيل - بل ويشعر بالقلق - حين يخبره بروس بالغرض من رحلته - لكن بروس - خوفا من أي إشارة وشيكة من هذا الملك «المنحرف» تدعو لقتله - ويجيب بروس بأنه من الدراويش الذي ارتكب في حياته الكثير من الاخطاء والخطايا مما يجعله ينذر هذه الرحلة بما فيها من مشاق للتكفير عن ذنوبه .
ومن هذا الملك «الأعجوبة» يقرر بروس ضرورة تركها ....
العام 1772 - في نهاية شهر سبتمبر يستطيع الخروج منها ولكن بعد أن يتم تجريده من كافة ما يحمل أو يمتلك..
ويصل أخيراً إلي حلفاية التي يقول عنها:
مدينة واسعة جميلة المنظر سكانها يأكلون القطط والتماسيح وفرسان النهر ولكن - هنا بالتحديد - يشعر بالصدمة والغيرة إذ يشهد مجري «النيل الأبيض» إذ لم يكن يعترف بأن هناك نيلا آخر أعظم من نيله الأزرق الذي بذل كل ما بذل .. لاكتشافه..
.. أمامه - كان يشهد بقايا أثرية وتماثيل محطمة ومسلات مغطاة بنقوش «هيروغليفية» كانت كما اكتشف - هي مدينة مروى القديمة «بعض آثارها موجود بالمتحف المصري و... مزيدا من المتاعب - إذ يصاب بدود العََلقَ وهو نوع من الطفيليات يأكل في اللحم أكلاً..
في تلك المدينة - كان لابد له أن يقابل الملكة التي كانت تحكمها:
كانت جالسة خلف حجاب - إذ لم يكن أحد من رعاياها يجرؤ علي مشاهدتها.. ويغريها بروس بالخروج:
كانت طويلة القامة بالغة الجمال ذات شفتين شديدتى الحمرة - فوق رأسها تاج من الذهب..
وحين يقِّبل بروس يدها تتراجع الملكة قائلة بأن هذا لم يحدث لها من قبل.. لكنها تتمسك ببقائه إذ كان يختلف عن كل أبناء شعبها الذي لم يكتف برؤيتها بل .. قبَّل يدها..!
...
وفي نهاية شهر أكتوبر يتحرك إلي (بربر) حيث يتم تزويده بالعديد من الجمال لينطلق في طريق القوافل (حوالي 400 كم) ولكن قبل أن يترك النهر - يقوم بالاستحمام فيه وكأنها نوع من الطقوس السحرية شاعرا بأن مياهه وأمواجه - تتسلل إليه وتفضي له ببعض أسراره التي لم تكشف إلا عن اليسير منها.
وفي الصحراء:
لم يكن هناك سوي الصمت والفراغ والموت الذي ينتظر من (يتوه) في رمالها الشاسعة فضلاً عن ندرة المياة ورياح (السموم) التي تجمع الرمال في أعمدة هائلة أشبه بالدوامات و ... نتيجة الحرارة القاسية - يفقد أحد رجاله - عقله .. ويهرب إلي (سراب) يظنه أحد روافد النهر ... وهناك يضطر إلي القتال مع بعض قراصنة الصحراء، حول آبار المياه.
وأخيراً أخيراً.. يصل إلي أسوان حيث الحضارة والأمان - تحت حكم المماليك.
.. من أسوان إلي القاهرة - مرتديا ما يشبه أزياء الشحاذين حيث يستجم لمدة شهرين وبعدها إلي أوروبا بعد عشر سنوات بالضبط من بداية رحلته وهناك يفاجأ بأن فتاته (ماريا) التي كان قد ارتبط بها في شبه خطوبة قبل أن يقوم برحلته - قد تزوجت من رجل إيطالي أرستقراطي.
... ويندفع بروس بعد أن عرف مكانها منقضاً علي الزوج المندهش ويطلب منه اعتذاراً وإلا (فالمبارزة).
.. ويقول الزوج المندهش - إنه لم يكن قد سمع شيئاً مطلقاً عن حكايته مع زوجته لكنه.. يقدم إليه الاعتذار الواجب..!
...
في لندن - يتوقف (ليحكى) بعض مشاهداته التي يقابلها مستمعوه بالسخرية التي يلخصها أحد الشعراء في بيتين من الشعر:
.. ولم أسمع في حياتى ولا رأيت موطن العجب.
حيث يقتل الناس نصف بقرة.. ثم يطلقون بقيتها لترعي العشب!
..
ويتعرض بروس للهجوم من العديد من الكتاب خاصة من سبق وكتب عن الحبشة.
إنه - في كتاباته - لم يلتق بأفاعٍ خرافية وتماسيح تلتهم فرائسها من غير أن تذرف الدموع و ...
...
وكان يهاجم من كافة الصحف والأندية والأدباء والشعراء باعتبار أن ما كان يحكيه إنما هو إلي الخرافة والخيال المريض ولهم بعض الحق - إذ أنهم في حياتهم العادية كانوا لا يمكن أن يتخيلوا ذلك الذي شهده وسجله وحكاه.. بروس.
...
وفي (أيرلندا) - موطنه .. يجد من يصغي إليه بدهشة واحترام ويتزوجها.. وتلح عليه زوجته 0 أن يكتب مذكراته..
ورغم موجات الهجوم - إلا أن تلك المذكرات تفتح شهية العديد ليس فقط لاكتشاف - منابع النهر ولكن .. لغزو مصر وهنا تبدأ الحملة الفرنسية .. كان تعداد مصر وقتها نحو (مليونين ونصف المليون).
.. ويرسل (نابليون) قبل عزمه علي غزوها - الكثير من العيون والجواسيس .. كانت المدينتان الوحيدتان اللتان تتمتعان بشيء من الأهمية هما القاهرة والإسكندرية.
.. وكانت الإسكندرية وقتها قد هبطت إلي الحضيض وهبط عدد سكانها إلي أقل من عشرة آلاف نسمة.
ويقول عنها (براون) أحد الرحالة - الذي زارها عام 1792:
إن أكواما من النفايات والقمامة تتراكم علي الجانبين - في حين أن كل وابل من الأمطار يكشف عن قطع من المرمر الثمين والنقود الذهبية التي كانت تستقر تحت تربتها.
... لا شئ سوي بيوت بائسة وعدد قليل من النسوة ذوات الثياب المهلهلة يُجبن الطرقات كالأشباح..
أين هذا من إسكندرية (داليدا) و(اقرؤا الفاتحة لأبوالعباس...)
أما عن القاهرة وأحوالها - فذلك يقتضي مني مقالاً جديداً عامراً بالأعاجيب.
...
بالصدفة شهدت فيلم «ابن النيل» للعظيم شكري سرحان .. يالعبقرية (عنوانه)...
كان الفتي يمتلئ شفافية في الريف الذي نشأ فيه ..
وحين يرحل إلي المدينة يتلوث بكل آفاتها، وهكذا النهر .. في الجنوب بالغ الصفاء .. وفي الشمال .. مليئ بالتلوث .. هل النهر بكل (مافيه) - خسارة فينا!