الحس الصوفي والإقبال على مسرات الحياة في أصداء السيرة الذاتية

20/12/2016 - 11:44:28

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

أصداء السيرة الذاتية هو عنوان أحد كتب نجيب محفوظ، وما يحتويه الكتاب يتعذر تصنيفه إلا بالسلب: فهو ليس رواية وليس مجموعة من القصص القصيرة، وليس فصولا من سيرته الذاتية، وليس صفحات من دفتر مذكراته، وليس سردا لحكايات تنطوي كل منها على فكرة أو عبرة، وليس شرحا تطبيقيا لبعص تأملاته حول الموت والحياة والحب والثورة والزمن، وهو ليس مجموعة من قصائد رثاء النفس أو أغاني الوداع، وليس عددا من المرايا تنعكس عليها صور من شخصيات عبرت حياته.
لكن هذا النفي لكل الأجناس الأدبية المعروفة لا يعني أننا أمام عمل من أعمال النثر غير الفني، فقد احتوى الكتاب على صور وقصاصات من رحلة نجيب محفوظ الأدبية التي أبدع فيها من تفاصيل حياة الناس في أحياء القاهرة القديمة عالما روائيا وإنسانيا بالغ العمق والشمول. وفي هذا الكتاب لمحات من هذا العالم تومض على صفحاته وقد حملت معها أصداء من عطره وظلاله وحكمته وجلاله.
في هذا الكتاب صور من حياة نجيب محفوظ تلميذا بالمدرسة وطالبا للعلم، وباحثا عن وظيفة، وموظفا خلال سنوات العمل وسنوات المعاش. وفيه صور من حياته مراهقا وعاشقا وصديقا ومولعا بالغناء ومحبا للجمال، وفيه صور من حياته مفكرا وحالما وحكيما. لكن نجيب محفوظ الكاتب يرقى بهذه الصور المستمدة من حياته الفردية فيجعل منها صورا للإنسان في أطواره النفسية والفكرية والوجدانية وفي علاقته بالكون والحياة والموت وأسرار الوجود.
والسؤال الآن ما الذي يجمع هذه القصاصات في بناء واحد؟ وكيف تعايشت وتآلفت لقطات ذات طابع ميلودرامي مع لقطات ذات طابع واقعي؟ وكيف تآلف الزهد والحس الصوفي مع الإقبال على مباهج الحياة ومتعها ومسراتها؟ بل كيف تآلف الزهد والحس الصوفي مع الإيمان بالثورة والدعوة إلى مقاومة الاستبداد السياسي؟ وما علاقة الموت بتلاشي الذاكرة في غياهب النسيان وكيف يتحول الحب إلى خصم يتحدى الموت؟ وإلام يرمز نجيب محفوظ بالجميلة التي لا يدركها كبر ولا انحلال؟ وهل يحلم بمدينة أخرى فاضلة تأتي بعد أن يكتسح الطوفان كل ما ران على الدنيا من فساد؟
يهتم نجيب محفوظ اهتماما لا حد له بالتواصل مع القارئ العربي، ولذلك يحتشد له بوعي عميق بتراثه الفكري والديني وإحاطة شاملة بمخاوفه وآلامه وطموحاته وهواجسه، وبدراسة متأنية لكل ما ساهم عبر العصور في صنع ذائقته الأدبية: آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، قصائد الشعر العربي، رسائل إخوان الصفا، أحوال المتصوفة، السير الشعبية وحكايات ألف ليلة وخوارق الأولياء وأساطير الأولين، ونوادر الصدف العجيبة ومواقف الاتعاظ والعبرة، يحتشد بكل هذه المكونات كي يستخدم من أساليب الحكي والرواية وما يأنس إليه القارئ ويطمئن له ويعطيه راضيا سمعه واهتمامه.
في هذا الكتاب يحكي للقارئ حكاية عن حافلة تبدأ مسيرتها من حي الزيتون وسيارة تبدأ مسيرتها من حلوان وفي ميدان المحطة تصطدم السيارة بالحافلة فيلقى مصرعه رجل تصادف مروره بالميدان في اللحظة نفسها، "هل هي عودة جديدة إلى عبث الأقدار" لكن هذه القصة ذات الطابع الميلودرامي ليست سوى وحدة زخرفية بين النقوش العديدة التي تزين البوابة التي سوف تنفرج عن عالم محفوظ الرحب العميق.
في وحدة زخرفية أخرى يحدثنا محفوظ عن مليم أعطته له أمه ليشتري شيئا وقد وجد نفسه طفلا حائرا في طريق ما ناسيا ما كلف بشرائه، إن كل ما هو متأكد منه إن ما خرج لشرائه لا يساوي أكثر من مليم. يمكننا أن نقرأ هذه اللقطة قراءة مغايرة: أعطتني الحياة عمرا وإرادة وكلفتني بمهمة ما وقد نسيت المهمة وقد عبرت سنوات العمر حائرا في متاهة وكل ما أنا متأكد منه أن المهمة التي كلفت بها أيا كانت ليست سوى مهمة تافهة.
هذه وحدة من تراث المتصوفة الذين احتقروا الحياة وترفعوا عنها وأغمضوا عيونهم عن العالم لتظل شاخصة إلى عالم الباطن، وهو تصور للحياة أبعد ما يكون عن فكر نجيب محفوظ.
ما زلنا في منطقة الزخارف والنقوش المرسومة على بوابة الدخول إلى العالم الحقيقي لكاتبنا الكبير، نسمع أصواتا لا تنتمي إليه لكنها تخلق جوا وتشيع عطرا وتعزف أنغاما مألوفة الإيقاع. في لقطة بعنوان "المعركة" ثمة راقصة وزمار ومتفرجون يصفقون، يحدثنا الراوي عن غضبه منهم ورغبته في فض جمعهم لكنه لا يفعل شيئا سوى أن يمد بصره في مرمى الزمن فيراهم وهم يهرولون نحو قبورهم. نعم كل من عليها فان لكن الموت في هذه اللقطة موت ينتمي للتراث ولا ينتمي إلى عالم نجيب محفوظ الذي يرى الحياة والموت مثل حركة الشهيق والزفير في صدر الكون. في هذه اللقطة كان محفوظ يرتدي قناع الواعظ وفي لقطات أخرى سنرى على وجهه قناع المصلح الاجتماعي "سألت الشيخ عبد ربه متى تنتهي المحنة التي نعانيها قال: إن خرجنا سالمين فهي الرحمة وإن خرجنا هالكين فهو العدل"، أو قناع الحكيم "من يملك الحياة والإرادة ملك كل شيء، يصلح حال هذا البلد عندما يؤمن أهلها أن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة"، أو قناع الفيلسوف "أشمل صراع في الوجود هو صراع الحب والموت، سألوني عن معنى الحياة فقلت تحركوا لأن المعنى كامن في الحركة، في الكون تسبح المشيئة وفي المشيئة يسبح الكون".
والآن أين صوت نجيب محفوظ الحقيقي بعيدا عن كل هذه الأقنعة؟ إنه هناك في ذلك الصوت العاشق للحياة بكل ما فيها من متعة ومسرة ونشوة وسعادة وطرب، بكل ما فيها من متاعب وآلام، بعبارة أخرى بكل ما فيها من صراعات ودموع ومخاوف، إن الحياة هي المرأة الجميلة التي آوى الراوي إلى حضنها عندما داهمه موت جدته فوجد فيه العزاء، وهي صاحبة المداعبات التي لا تنسى، وهي الفاتنة التي غفرت له ما انتابه يوما من أعراض الزهد، وهي التي يدوم جمالها عبر العصور لا يعتريها كبر ولا انحلال ولا تجوز عليها الشيخوخة، هي الدنيا الشريرة الفاتنة، وهي النعمة الكبرى، وهي اللؤلؤة في علبة من عاج لا يراها الجاهلون أو الغافلون، يقول الشيخ عبد ربه: حب الدنيا آية من آيات الشكر ودليل ولع بكل جميل وعلامة من علامات الصبر، ويقول: تحزن الحياة على عشاقها المخلصين، ويقول: رغم كل شيء للحياة سحر يفتن ويسكر، ويقول: حب الدنيا محور طريقتنا وعدونا الهروب.
يحب نجيب محفوظ الحياة وينفر من كل صوت يغريه بقطع الارتباط بها، لكنها ليست الحياة السهلة الناعمة الرخوة، إنها الحياة التي يخوضها الإنسان مناضلا لتحقيق العدل: يحكي محفوظ عن امرأة هوت كف الضابط العمياء على وجه أبيها العليل فخاصمت نفسها والعالم بقدر ما أحبت أباها وقدسته.
يحب محفوظ الحياة ويتألم من كل ما تعانيه من ألوان القهر، ولذا فهو يدعو إلى تصويب المعادلة التي تقول: اثنان بقوته خلق الأول الآخر ويضعفه خلق الآخر الأول. نعم بقوته خلق الظالم الآخر المظلوم شعبا أو طبقة أو فردا ويضعفه خلق المظلوم ظالمه، بالاستبداد احتكر اللاعب / الحاكم كل الأدوار ولم يترك لباقي اللاعبين سوى حرية الفرجة وبالاستخذاء أو الغفلة انسحب المتفرجون وراحوا في النوم.
إن ما يرقى به نجيب محفوظ إلى مستوى القداسة هو الحياة التي خلعت رداء الأنانية والطموح الفردي وتحولت إلى شعاع من نور في شمس الذات الجماعية الخالدة.. حياة يشكل الحب فيها القلب النابض وحجر الزاوية ونقطة الانطلاق والخصم القوي الذي يتحدى الموت. إنه ينداح مثل موجة غامرة ليضم الأسرة والعائلة والطائفة والطبقة، والوطن بالمعنى القطري والقومي والإنساني. إن الحب عند محفوظ هو مفتاح أسرار الوجود، لولاه لجف الماء وفسد الهواء وتمطى الموت في كل ركن، إن حب الفتى لجارته الجميلة ليس إلا تدريبا ينتفع به ذوو الحظ من الواصلين إلى حب الحياة بكل تجلياتها الحسية والعاطفية والفكرية والوجدانية.. أو هو انتقال من الطرب الأصغر إلى الطرب الأكبر. إن محبة الحياة بمستوياتها وأبعادها المختلفة هي القوة المحركة للفعل الإيجابي والعمل النافع والقرار الحكيم، وهي اللحن السماوي الذي ما إن يحفظه قلب الإنسان ويترنم به عند الحاجة حتى يجد فيه الشفاء من كل هم وغم. إنها الحياة التي تحب من يخوضونها جادين ومهمومين بقضايا الحاضر وتحديات المستقبل، والتي تشيح بوجهها عن الغافلين والهاربين والضائعين واللاهثين خلف من يبيعون لها الأوهام والضلالات.
ولكن أين موقع الموت في هذا التصور الخاص للحياة. يأخذ الموت عند محفوظ أشكالا مختلفة: فقد يكون النسيان الذي يمحو الماضي والحاضر فتتآكل الحياة يوما بعد يوم حتى تضيع الذاكرة فيحل بالإنسان ما يشيه العدم، وقد يأخذ الموت شكل انحسار الدنيا من حول الذين كانوا يزلزلون الأرض تحت أقدامهم فتغشاهم وحدة بائسة أو عجز مهين، وقد يأخذ شكل الندم على ضياع العمر في سكك لا تفضي إلى تحقيق الذات وتناغم الوجود الفردي مع حركة البشر الجماعية الفاعلة والبناءة على امتداد الوطن، وقد يأخذ شكل الغباء يحط في عقل المؤمن والكافر فتتحول الحياة الفسيحة الشاهقة إلى مجموعة من السراديب والمنافي والزنازين، أما الذين أحبوا الحياة بصدق وإخلاص واستحقوا عند المعاصرين واللاحقين جدارة استحقاق التقدير العميق فإن الموت عندهم يأخذ شكل التجربة التي تهيئوا لها منذ بداية الرحلة، أو شكل الصديق الذي يندر أن نرحب به، أو شكل لحظة الانتهاء من شرب الكأس المترعة برحيق الحياة، أو شكل النقطة الأخيرة التي بوضعها يتم الكمال.