رحلة ابن فطومة .. جلجامش معاصر مثقل بحيرة السؤال

20/12/2016 - 11:43:36

د. بهيجة مصري إدلبي - كاتبة سورية

حين نقارب الرؤية الفلسفية لدى نجيب محفوظ لا يستفزنا السؤال الفلسفي فحسب، وإنما يستفزنا السؤال الإبداعي الذي استدرج السؤال الفلسفي إلى مختبر النص الإبداعي دون أن يفرد له سلطته الفلسفية التي قد تعطل الحكاية، وإنما ينهض السؤال الفلسفي كخلفية للحكاية، كما تنهض الحكاية كخلفية لفلسفة الذات، وبالتالي يمكن قراءة الحكاية بمعزل عن الرؤية الفلسفية التأويلية، كما يمكن الاستغراق في التحليل والتأويل الفلسفي للحكاية وإشاراتها التي تفتح النص على مسافات غير محدودة.
لا شك أن الإبداع الحقيقي هو الذي يفرد رؤيته عبر السؤال الوجودي في السؤال عن معنى الوجود، سواء أكان السؤال مباشرا أم كان مضمرا بحثا عن الذات، وأعتقد أن الأدب بكل صوره وأبعاده إنما يكمن في كنه هذا السؤال وهذا البحث، فرحلة الإبداع إنما هي رحلة السؤال والحيرة، والقلق، أكان ذلك متصلا بواقع اجتماعي أم سياسي، أم فلسفي وجودي، أم ذاتي. ونجيب محفوظ في تحولاته الإبداعية على مستوى الشكل والمضمون، كان يوسع سؤاله الإبداعي على مستوى التجربة الإبداعية، كذلك كان يوسع السؤال الفلسفي على مستوى التجربة مع الذات التي زُجت في قلق الوجود، وكما هي الأسئلة المقلقة التي تورث الحيرة التي طرحها في ملحمة "أولاد حارتنا" تأتي "رحلة ابن فطومة" لتكون رحلة الحيرة والسؤال المفتوح على ذاكرة الوجود، وكأنها مختبر تختبر فيها الذات طاقتها على المعرفة والكشف، وتختبر حيرتها في التجربة وتجربتها في الحيرة والسؤال.
ولا شك أن الاختبار النقدي لهذا العمل ينفتح على تأويلات وقراءات تتصل حينا بالشكل وشعرية الخطاب السردي(1)، وحينا تتصل بسؤال المعرفة الذي كان دافعا من الدوافع لرحلة ابن فطومة، سواء المعرفة الجغرافية أو المعرفة الإنثربولوجية أو المعرفة السياسية، أو المعرفة الفلسفية(2)، وإن كان النص يشير في أكثر من موضع إلى الغاية المعرفية للرحلة، إلا أنني لا أميل إلى تضييق معنى الرحلة في المعرفة فحسب، وإنما في الوصول والكشف عن السر الغامض الكامن وراء الرحلة، وغايتها الأولى التي كشف عنها قنديل منذ البداية التي حدد فيها غايته القصوى وهي الوصول إلى دار الجبل، لعله يجد فيها ما ينفع وطنه الذي ابتلي بابتلاءات عطلت روح الكائن وأربكت وجوده، ما جعل قنديل يندفع بكل ما أوتي من طاقة من أجل الوصول إلى تلك الدار ليحقق بذلك غايتين في الخلاص.. الخلاص الفردي وإدراك الذات. والخلاص الجماعي لوطنه وعودته إليه بالدواء الشافي. وبالتالي كان عليه اختبار الذات في المعاناة، عبر مراحل الرحلة، تلك المعاناة التي كانت محرضا مستمرا لمتابعة الرحلة، وكأنها تؤهل الذات وتعدَّها جسديا ونفسيا وروحيا حتى تتطهر من أحزانها وحيرتها في دار الغروب لتكون قد استعدت تماما للوصول إلى دار الجبل. فلكل رحلة معارفها العارضة ومعارفها المطلقة النهائية، فللرحلة دافعان: دافع مباشر يتصل بالظروف الموضوعية التي يمر بها وطنه (دار الإسلام) وبالظروف الذاتية التي صبغت ذات ابن فطومة سواء من قبل إخوته أو من قبل النظام الذي سلبه خطيبته، أو من قبل أمه التي تزوجت من شيخه فبقي وحيدا تتناهبه الحيرة والسؤال، لتأتي فكرة الرحلة، أملا له بالخلاص الفردي والخلاص الجماعي.
وقد تنفتح القراءة على فكرة التناص التي يستدرجها النص بشكل واضح بين رحلة ابن فطومة ورحلة ابن بطوطة(3). وقد أشار إلى ذلك بعض الدارسين متوسلين بالمعطيات النصية سواء بالدوافع والغايات التي كانت وراء الرحلتين أو بالمناص العنواني، أو بالإشارات المختلفة التي يفردها النص.
وباتفاقي مع تلك القراءات التي وجدت في النص ما يبررها، إلا أنني وجدت نفسي أمام رحلة ابن فطومة في بئر من الحيرة غامضة لا قرار لها، فمن الحيرة ينبثق السؤال، ومن السؤال تنطلق رحلة الحيرة التي وسّعت مفهوم الرحلة لدى نجيب محفوظ، لتصبح رحلة الذات في الذات، ورحلة السؤال في السؤال، وكأن الحيرة هي الباب الأوسع لاختبار الذات المبدعة التي تبتكر القلق لتستغرق فيه، لأنه صبغة للكشف والمعرفة.
فكما أن ابن فطومة اختبر في رحلته الأنظمة السياسية بمختلف توجهاتها وأيديولوجياتها، واختبر الذات في الآخر، كما اختبر الآخر في تحولات الذات وأسئلتها، كذلك اختبر المعرفة بكل مشاربها وتوجهاتها، ورؤاها ليختبر في النهاية طاقته على اكتشاف الذات، وطاقته على الوصول والكشف عن كمال المعرفة في معرفة الكمال.
فبين سؤال الحيرة الذي صبغ حياة ابن فطومة في البداية وهو يتلقى علومه ومعارفه على يد الشيخ مغاغة، وبين حيرة السؤال التي صبغت رحلته وهو يتنقل من دار إلى دار، بدءا من دار المشرق وانتهاء بدار الغروب مرورا بدار الحيرة ودار الحلبة، ودار الأمان، وصولا إلى دار الجبل تنهض الرحلة بين بدايتين للعري البشري.. عري الجهل في دار المشرق البدائية الوثنية التي لم تنتبه بعدُ إلى المعارف التي تجعلها تدرك ماهية الحياة وكنه الوجود. وعري المعرفة في دار الغروب التي تختبر الذات وتؤهلها للكشف والوصول، والمعرفة المطلقة، وكأن الكائن سؤال في البداية وسؤال في النهاية، وما بين السؤالين تكمن حيرته في البحث عنه ذاته، متوسلا بالحيرة للوصول إلى يقين الرحلة في دار الجبل، التي لم تنكشف لأحد، لأنها سر مغلق، ولم يعد أحد ممن وصلوا إليها كي يكشف عن كنه سرها، فكل ما يعرفه العارفون عنها أنها دار الكمال المطلق، ويكمن فيها الخلاص المبتغى لكل الحائرين لذلك كانت مهمة الشيخ في دار الغروب هي "تدريب الحائرين" للانفصال والاتصال. الانفصال عن الذات المحسوسة والاتصال بالذات الغائبة الكامن في التأمل والكشف، عبر تحريض الطاقة الروحية والدخول في التجربة للوصول إلى دار الجبل.
وباختبارنا للسؤال الفلسفي والسؤال الوجودي، تتجرد الرحلة إلى فكرة والفكرة إلى معنى، والمعنى إلى حيرة عندها تنبثق فكرة الخلاص والبحث عن الكمال لتتماهى رحلة ابن فطومة مع رحلة جلجامش، في البحث عن المعرفة والخلود، لتصبح دار الجبل هي عشبة الخلود، وابن فطومة ظل لجلجامش المثقل بالحيرة والسؤال، وإذا تجاوزنا الطريق إلى الرحلتين والمعاناة التي عانى منها كلا البطلين، وصولا إلى النهاية. تستوقفنا الخيبة التي انتهى إليها جلجامش، وكذلك النهاية التي انتهت إليها رحلة ابن فطومة، الذي وقف على تخوم الخلاص (دار الجبل) لتبقى النهاية غامضة دون أن نعرف أوصل أم لم يصل؟ أأدرك غايته أم هلك دونها؟
"ولم يرد في أي كتاب من كتب التاريخ ذكر لصاحب الرحلة بعد ذلك.
هل واصل رحلته أو هلك في الطريق؟
هل دخل دار الجبل وأي حظ صادفه فيها؟
وهل أقام بها لآخر عمره أو عاد إلى وطنه كما نوى؟
وهل يعثر ذات يوم على مخطوط جديد لرحلته الأخيرة؟
علم ذلك كله عند عالم الغيب والشهادة".
فهذه الأسئلة المقلقة والحائرة هي التي تضع النهايتين أمام مرآة واحدة، وهي مرآة الخيبة أو مرآة الغموض، فمصير ابن فطومة أشبه بمصير جلجامش الذي وصل ولم يصل، حيث كان الوصول إلى العشبة هو الغاية القصوى لجلجامش إلا أنه لم يصل إلى الفكرة التي وراء هذه العشبة؛ لأنه ضيع العشبة وكأنها وهم لن يصل إليه مرة أخرى، وفقد الوصول إلى الغاية القصوى، وإن كان قد وجد مخرجا من الخيبة التي عاد بها في تأويل الفكرة بمعان أخرى.
أما نجيب محفوظ فقد ترك النهاية سؤالا مفتوحا على التأويل، يتيح مساحة واسعة لإشراك المتلقي في كتابة النهاية التي يريدها أو التي تنسجم مع الرؤية التي يراها. ولعل هذه النهاية المفتوحة هي أكثر استجابة لهذه الرحلة التي لم تشأ أن تضيّق المعنى، بل شاءت أن تفرد في الذات سؤال الحيرة وحيرة السؤال.
هوامش
1ـ د. مفلح الحويطات: شعريّة السَّرْد: دراسة في رواية "رحلة ابن فطّومة" لنجيب محفوظ. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية المجلد 9، عدد 121ـ 2 يونيو 2012.
2 ـ للتوسع ينظر، عبد الرحمن التمارة: سردية الفكر، قراءة في رواية "رحلة ابن فطومة" لنجيب محفوظ، موقع محمد عابد الجابري، www.aljabriabed.net/n85_06attamra.htm
3 ـ للتوسع ينظر، حـــســن الـنعـمـي: استلهام النص التراثي في رواية "رحلة ابن فطومة"، رؤية تناصيّة، مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، العدد (47) في 1997/1998.
4 ـ الرواية ص 163