الراوي والمؤلف الضمني في روايات نجيب محفوظ

20/12/2016 - 11:42:51

د. نجاة علي - ناقدة وشاعرة مصرية

الراوي هو الأداة الفنية التي يوظفها الكاتب لبناء سرده تبعا لوجهة نظر خاصة، وتتشكل من خلاله الرسالة الموجهة إلى المروي له. ويجدر بنا أن نشير إلى تفرقة «واين بوث» بين الراوي السارد والمؤلف الضمني (الأنا الثانية للكاتب) الذي يتحول إلى بناء ينجزه ذهنُنا بمساعدة الحكاية المنقولة إلينا، «وإذا كان أحد هذه العناصر يحيل نفسه علنا إلى سارد مدمج في الحكاية، فإن إدراكنا للكاتب يأتي جزئيّا من الطريقة التي يقيم بها الضمير الحالي «أنا» علاقته مع ما يعلن عرضه علينا، وحتى حينما يتعلق الضمير «أنا» - وهو المخلوق - بهذا الشكل بالكاتب نفسه علنا» (1).
ويرجح «واين بوث» أن تكون الاختلافات الأكثر أهمية في تأثير السرد تعتمد على ما إذا كان الراوي «مُمَسرحا» بطريقته الخاصة وعلى ما إذا كان يشارك المؤلف في معتقداته وصفاته. إن الراوية الذي «يُمسرح» روايته، يخلق صورة ضمنية من المؤلف الذي يقف وراء الكواليس، إما بوصفه مديرا للمسرح، أو محركا للدمى المتحركة. إنه هنا أشبه بإله لا مبال يُقلم أظفاره بصمت. فالمؤلف الضمني يختلف دائما عن «المؤلف الحقيقي» الذي يخلق نسخة أسمى من نفسه «شخصية ثانية» في الوقت ذاته الذي يخلق فيه عمله. وقد يكون الراوية أو السارد بعيدا بقليل أو كثير عن المؤلف الضمني، وقد تكون المسافة أخلاقية، وقد تكون عضوية أو غير عضوية، فمعظم المؤلفين يكونون على بعد من الرواة العليمين جدا، بمعنى أنهم من المفترض أن يعرفوا كيف يكون كل شيء في النهاية. ويمكن أن يكون الراوية على بعد قليل أو كثير من شخوص القصة التي يسردها ويمكن أن يختلف معهم أخلاقيّا أو عقليّا. ويمكن للمؤلف أن يتدخل بصورة مباشرة لكسب عواطفنا، شريطة أن يقنعنا بأن «تدخلاته» على الأقل مُقنعة بشكل دقيق وفي صلب الموضوع مثل مشاهده التي يقدمها(2).
وربما تتضح صورة القارئ الضمنى في روايات محفوظ من خلال القيم التي تبناها طوال مشروعه الروائي الطويل، وهي كما تبدو لنا ترتكز على الانحياز إلى عالم الفقراء والمهمشين، وهو ما جعله يعيد لهم الاعتبار في عالمه الروائي. هذا إلى جانب تركيزه الملحوظ على الأحياء الشعبية في القاهرة بوصفها أكثر تعبيرا عن عوالمهم.
ويمكننا في أحيان كثيرة أن نكتشف في روايات محفوظ أنه لا مسافة بين المؤلف الحقيقي «نجيب محفوظ» والمؤلف الضمني الموجود في رواياته، حيث كلاهما ينحاز إلى قيم حزب الوفد ومبادئه التي تجسد معنى الليبرالية، والتسامح، ونبذ التعصب الديني، والإيمان بفكرة مدنية الدولة التي تقوم على أساس مبدأ المواطنة دون تمييز بين أبنائها على أساس الجنس أو الدين. وقد ذكر محفوظ في حواره مع رجاء النقاش ارتباطه العميق بحزب الوفد قائلا: "لقد كنت من أنصار حزب الوفد، بل من عشاقه. ولا يقل ولائي له عن ولاء أي زعيم من زعمائه، كما أنه لم تجر أي انتخابات برلمانية إلا وشاركت فيها بصوتي لصالح الوفد، كما لم تقم مظاهرة مؤيدة له وأتيحت لي الفرصة للمشاركة وأنا شاب إلا وفعلت ذلك. ومع هذا كله لم أنضم إلى لجنة من لجان الحزب، ولم تكن هناك أي صلة رسمية تربطني به. ولم تكن وفديتي نابعة من تأثري بأسرتي فقط، بل كان مصدرها الرئيسي هو الشارع. فقد تفتحت مداركي على مظاهرات ثورة 1919، وكنت وقتذاك في سن السابعة تقريبا، ورأيت شبابا يسقطون برصاص الإنجليز وهم يهتفون لزعيم الأمة سعد زغلول، وشعرت في حينها بتعاطف شديد مع هؤلاء الشباب وأهدافهم» (3).
ولعل انحياز محفوظ إلى قيم الوفد ومبادئه الليبرالية هو ما جعله مؤمنا بفكرة مدنية الدولة وكارها للتعصب الديني بأشكاله كما تجسد في موقفه الواضح في أعماله من أفكار جماعة الإخوان المسلمين التي تنطوي على قدر كبير من الرجعية والانتهازية السياسية، وهو ما تمثل إلى حد كبير في موقفه من شخصية الإخواني «عبد الوهاب إسماعيل» في رواية «المرايا».
ويبدو موقف الراوي حادّا تجاه انتهازية عبد الوهاب إسماعيل، وقد كانت نظرة الراوي في شخصه ثاقبة، فرغم تظاهره بالعصرية في أفكاره وملبسه وأخذه بالأساليب الإفرنجية في الطعام وارتياد دور السينما لكن تعصبه الديني كان مفضوحا بالنسبة إلى الراوي. ويحكي الراوي واقعة انتقدها بنبرة متألمة، وهي واقعة دالة على تعصب عبد الوهاب إسماعيل والإخوان المسلمين بشكل عام - حيث أهدى كاتب قبطي شاب لعبد الوهاب إسماعيل كتابا يحوى مقالات في النقد والاجتماع وكان عبد الوهاب قد أبدى إعجابه بالكاتب وبأسلوبه أمام الراوي، فما كان من الراوي إلا أن سأله متى يكتب عن هذا الكاتب؟ وكانت إجابة عبد الوهاب بمثابة الصدمة القاسية، حيث فوجئ بموقفه المتعصب الرافض للكتابة كاتب غير مسلم وكأنها مشاركة في جريمة:
«فسألته ببراءة وكنت مغرما بالكاتب:
ـ متى تكتب عنه؟
فابتسم ابتسامة غامضة وقال:
ـ انتظر وليطولن انتظارك!
ـ ماذا تعني؟
فقال بحزم:
ـ لن أشترك في بناء قلم سيعمل غدا على تجريح تراثنا الإسلامي بكافة السبل الملتوية.
فتساءلت: أأفهم من ذلك أنك متعصب؟
فقال باستهانة:
ـ لا تهددني بالأكليشهات فإنها لا تهزني.
ـ يؤسفني موقفُك.
ـ لا فائدة من مناقشة وفدي في هذا الموضوع، وقد كنت وفديا، ولكني أصارحك بأنه لا ثقة لي في أتباع الأديان الأخرى».
ويبدو المؤلف الضمني كذلك في روايات محفوظ منحازا بشكل واضح أيضا لمبدأ العدالة الإنسانية وكارها لكل أشكال الظلم والقهر في العالم، وهو ما يجعل الراوي في مواضع كثيرة مفتقدا للحياد وغير قادر على اتخاذ مسافة مما يروي، وهو ما يمكن أن نضرب مثالا عليه من موقفه من الجبلاوي وإدريس في الفصل الأول من رواية "أولاد حارتنا"، حيث نشهد تحيزات الراوي «الأخلاقية» وخاصة في تعليقاته وأحكامه وآرائه المضمرة في السرد. ورغم ما نشهده من تعاطف منذ البداية مع أدهم في أول الحكاية لكن الراوي مثلا رأى أن إسناد الجبلاوي لأدهم إدارة الوقف هو موقف غير عادل حيال إدريس، وأنها المرة الأولى التي يفرق فيها بين أبنائه في المعاملة. لكن موقفه من هذا الأمر لم يمنعه من أن يكون رافضا لسلوك إدريس بعد أن طرد من البيت الكبير، وهو ما يتبدى لنا في تعليقاته وأحكامه ضد إدريس سواء كان ذلك بالوصف أو عن طريق التعليق الذي يحمل صبغة أخلاقية:
«توالى مشرق الشمس ومغيبها على هذه البقعة الخلاء وإدريس يتردى في مهاوي الشقاوة. في كل يوم يسجل في كتابه حماقة جديدة. كان يدور حول البيت ليقذفه بأقذع الشتائم. أو يجلس على كثب من الباب، عاريا كما ولدته أمه كأنما يتشمس، وهو يترنم بأفحش الأغاني».
تستدعي صورة شخصية إدريس لدى الراوي صورة الصعلوك الذي يمارس العربدة بأشكالها كافة، حيث كان يتهجم على الناس ليأخذ ما يريد من طعام أو شراب، سواء كان ذلك في مطعم أو على عربة، فيأكل حتى تمتلئ معدته ثم يمضي دون إحساس بخجل أو توجيه كلمة شكر لأحد: «وكان يتجول في الأحياء القريبة في خيلاء الفتوات، يتحدى كل عابر بنظرات هجومية، ويتحرش بكل ما يعترض سبيله، والناس يتحاشونه كاظمين، وهم يتهامسون «ابن الجبلاوي». «ولم يحمل لغذائه همّا فكان يمد يده بكل بساطة إلى الطعام حيث وجده، في مطعم أو على عربة، فيأكل حتى يكتظ ثم يمضي دون شكر من ناحيته أو محاسبة من الآخرين».
ويبدو إيمان المؤلف الضمني بقيمة العلم في مواضع كثيرة من روايات محفوظ، وربما هذا الإيمان هو الذي شكَّل البناء الدرامي لرواية «أولاد حارتنا»، فقد أحسسنا بالمغزى الكامن وراء حركة التاريخ، وهي الحركة التي تعتمد على قوانين النسبية والعلة والنتيجة والقوة والمقاومة والعرض والطلب والكم والكيف، وكلها قوانين نهض عليها العلم الحديث، أي أن الشكل والمضمون يهدفان إلى بلورة حركة التاريخ التي لا يمكن أن تفسر بالعشوائية والعفوية واللامعنى.
إن العلم قادر- بلا شك- على تجسيد هذه الحركة الميتافيزيقية وتحويلها إلى كيان ملموس وتجربة نفسية تهز وجدان القارئ وتجدد من نظرته إلى الحياة. ففي نهاية رواية «أولاد حارتنا» يرمز محفوظ إلى العلم بالسحر وإلى شخصية العالم الباحث بشخصية حنش. حيث يقول الراوي: «وحدث أن أخذ بعض الشبان من حارتنا يختفون تباعا، وقيل في تفسير اختفائهم إنهم اهتدوا إلى مكان حنش فانضموا إليه، وأنه يعلمهم السحر استعدادا ليوم الخلاص الموعود. واستحوذ الخوف على الناظر ورجاله، فبثوا العيون في الأركان، فتشوا المساكن والدكاكين، وفرضوا أقسى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصي للنظرة أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة في جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب. لكن الناس تحملوا البغي في جلد، ولاذوا بالصبر».
إن أمل البشرية - من وجهة نظر الراوي - كله متركز في العلم الذي منحه الله للإنسان من خلال العقل المبدع، وقد شهدنا عودة هذه النغمة بمنتهى القوة بعد عدة سنوات في رواية «المرايا» حيث نجد شخصية «سالم جبر» الكاتب الصحفي بجريدة «كوكب الشرق» الذي يؤمن بأن للتاريخ قوانينه وضوابطه التي لا يمكن أن يسيرها فرد واحد مهما بلغ شأوا بعيدا في القوة والجبروت والطغيان. وقد ركز في أيامه الأخيرة على الإيمان بالعلم، إيمانا نسخ إيمانه القديم بالأيديولوجية مما جعله يتساءل مرارا:
»متى يحكم العلم؟.. متى يحكم العلماء».
هوامش
1 ـ واين بوث، بلاغة الفن القصصى، ترجمة أحمد خليل عردات وعلى بن أحمد الغامدى.
2 ـ المرجع السابق.
3 ـ رجاء النقاش، نجيب محفوظ: صفحات من مذاكراته وأضواء جديدة على حياته وأدبه.