نجيب محفوظ وغرام الفراعنة

20/12/2016 - 11:42:06

د. حسين عبد البصير - كاتب مصري

يعد نجيب محفوظ من أوائل وأفضل الأدباء المصريين الذين كتبوا عن مصر الفرعونية. فقد كتب الرجل عددا لا بأس به من أعماله عن تاريخ وآثار تلك الحضارة العريقة. وقامت أعماله على الدقة الأدبية والصياغة الفنية الفائقة وصدق المعلومة التاريخية وبعث الأجواء القديمة باقتدار. وقد بنى معمار معظم أعماله الفنى على قصة أدبية ذات بعد سياسى وأسطورى أو على قصة متواترة من التراث أو على حدث تاريخى معروف أو عن شخصية ملكية مثيرة.
وقد يبدو غريبا لدى البعض اهتمام محفوظ الكبير بمصر الفرعونية، غير أن هذا الاهتمام له ما يبرره من أسباب عديدة. فقد بدأ حبه لمصر الفرعونية مبكرا حين كان طفلا صغيرا يعيش فى منطقة الحسين ثم فى حى العباسية الشرقية العريق؛ إذ كانت أمه المرأة المصرية البسيطة ذات الحس الحضارى العفوى والعميق تأخذ ابنها الصغير لزيارة الأماكن الأثرية خصوصا المتحف المصرى بوسط القاهرة. ولم يكن نجيب الطفل يعرف لماذا تقوم هذه المرأة البسيطة بهذه الزيارات لتلك الأماكن التاريخية الخالدة، وظل هذا السؤال دون إجابة إلى نهاية حياته. ومن خلال هذه الزيارات المعتادة لمعالم حضارة وتاريخ مصر الفرعونية بدأ شغف وحب الطفل الصغير بهذه الحضارة وتاريخها وآثارها يزداد دون وعى منه.
ونظرا لتعلقه بثورة 1919 وزعيمها سعد زغلول وتأثره بتوجهات ونتائج الثورة وما بثته من بعث وإحياء لمصر وحضارتها الخالدة، ازداد وعيه ووعى المصريين بمجد حضارتهم للرد على محاولات المستعمر البريطانى المستمرة لطمس الهوية المصرية حتى يظل ذلك الاحتلال جاثما على صدر مصر والمصريين لسنوات طويلة. وكان من حسن الطالع أن تم اكتشاف مقبرة الفرعون الذهبى الملك الصغير توت عنخ آمون يوم 4 نوفمبر 1922 على يد الإنجليزى هيوارد كارتر مما أكد حدس زعيم الثورة ورجالها من أن مصر دولة عظيمة ذات حضارة رائدة وأنها تستحق الاستقلال ووضعا أفضل مما هى عليه الآن.
وبدأ محفوظ خطوات عملية فى تأصيل وعى المصريين بتراثهم الحضارى العريق، فقام فى الصيف فى نهاية مرحلة دراسته الثانوية بترجمة كتاب "مصر القديمة" للمؤلف جيمس بيكي؛ كى يحسن من لغته الإنجليزية، ثم أرسله بعد ذلك إلى سلامة موسى الذى أصدره فى دار النشر الخاصة به وأرسل منه نسخة بالبريد للطالب نجيب محفوظ. ومن هنا نشأت علاقة قوية بين التلميذ نجيب محفوظ وأستاذه وأبيه الروحى سلامة موسى الذى توسم خيرا فيه وآمن بموهبته وتعهده برعايته. ونشر هذا الكتاب عام 1932. وكانت ترجمة هذا الكاتب خير مران ومقدمة لمحفوظ للتعرف على مفردات الحضارة المصرية القديمة فضلا عن فنية وأدبية وأسلوبية الكتابة عنها، وترك هذا الكاتب الصغير أثرا عميقا فى نفس محفوظ سوف يؤتى ثماره الأدبية لاحقا فى صور إبداعية عديدة. وبدلا من أن يدرس محفوظ الأدب كما كان يخطط، التحق بقسم الفلسفة فى كلية الآداب فى جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) تأثرا بسلامة موسى وغيره من كبار المفكرين المصريين فى أوائل القرن العشرين. وفى الفترة الجامعية ونظرا لولعه الشديد بمصر القديمة وحضارتها، كان يتردد على قسم الآثار المصرية القديمة بنفس الكلية ليتعلم ويستمع إلى محاضرات أساتذتها من علماء المصريات الأجانب عن مصر القديمة وآثارها وتاريخها، فضلا عن دراسته وقراءاته عنها.
وكان نجيب محفوظ قد بدأ بكتابة المقال الفلسفى متأثرا بدراسته، وشرع بالفعل فى إعداد وكتابة رسالة للماجستير فى الفلسفة عن موضوع "الفلسفة الجمالية عند الشيخ مصطفى عبد الرازق"، غير أن تأثره بالأدب كان أقوى، فترك البحث الأكاديمى وانغمس إلى أذنيه فى كتابة الأدب، لكنه لم يهجر الفلسفة أو تهجره كلية فظهرت مرارا فى كتاباته الأدبية، وهو من أوائل العرب الذين مزجوا فى كتاباتهم بين الأدب والفلسفة معيدا بذلك مسيرة فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة أبو حيان التوحيدي.
وتأثر محفوظ بتوفيق الحكيم وروايته "عودة الروح" التى استوحى فيها أسطورة إيزيس وأوزيريس من أجل إحياء مصر والأمة المصرية كما تم بعث وإحياء أوزيريس عن طريق زوجته المخلصة إيزيس. وكما صرح محفوظ أكثر من مرة فإن رواية "عودة الروح" كانت المدرسة الكبرى التى تعلم فيها هو وجيله. وكان زميل محفوظ ورفيق دربه الأديب عادل كامل قد كتب رواية عن ملك مصر أخناتون أطلق عليها "ملك من شعاع".
وبعد أن هجر محفوظ كتابة المقال الفلسفى، اتجه إلى القصة القصيرة. وكان من ثمار بداية إنتاجه ما يقرب من ثمانين قصة نشر أغلبها فى الصحف والمجلات خصوصا فى مجلة "الرسالة" التى كان يرأس تحريرها سلامة موسى. وجمع عددا من قصص بداياته فى مجموعته الأولى "همس الجنون" عام 1938 (تأثرا -أغلب الظن- باسم الديوان الشعرى لميخائيل نعيمة "همس الجفون"). ومن بين ما ضمته المجموعة قصتان إحداهما "يقظة المومياء" تتماس مع مصر الفرعونية، والأخرى "صوت من العالم الآخر" تدور أحداثها فى مصر القديمة.
وتأثرا بما فعله السير والتر سكوت عندما كتب تاريخ إنجلترا فى شكل روائي، خطط محفوظ لكتابة أربعين رواية عن تاريخ مصر، غير أنه لم يكتب منها إلا ثلاثا: "عبث الأقدار" (1939)، "رادوبيس" (1943) و"كفاح طيبة" (1944)، وماتت الروايات السبع والثلاثون الباقية بالسكتة كما قال محفوظ نفسه. وكان السبب وراء هذا التحول أن مصر وأحداثها السياسية آنذاك جذبته بشدة أكثر مما جذبته مصر القديمة وأحداثها على الرغم من أن روايات مصر الفرعونية لم تكن تتحدث عن مصر القديمة فحسب بل كانت تلقى بظلالها على مصر المعاصرة؛ إذ كان محفوظ يحلو له أن يصنف نفسه بـ "أديب الحاضر" فى مواجهة النوعين الآخرين من الأدباء: أديب الماضى وأديب المستقبل. وعلى الرغم من انشغاله بالواقع المصرى المعيش ابتداء من روايته "القاهرة الجديدة" (1945) لم ينس غرامه القديمة بفاتنته، مصر الفرعونية، فكتب واحدة من أهم رواياته "العائش فى الحقيقة" (1985) والتى كتبها من وجهة نظره المصرية البحتة عن فرعون التوحيد، الملك المصرى الفيلسوف "أخناتون"، وأغلب الظن أن فكرة هذه الرواية ظلت تطارد عقله ومخيلته زمنا طويلا منذ أن خطط لكتابة تاريخ مصر بشكل روائى فى بداياته؛ إذ لا يمكن تخيل كتابة تاريخ مصر دون الحديث عن أخناتون ودعوته الدينية المثيرة. وبعد اغتيال الرئيس أنور السادات، أجرى محفوظ محاكمة ومواجهة روائية بين حكام مصر منذ عهد الملك مينا موحد القطرين وأول ملك لمصر الموحدة إلى عهد السادات فى عمل أدبى جديد فى نوعه يصعب تصنيفه يدعى "أمام العرش" (حوار بين الحكام) عام 1983. ويوضح هذا العمل القصير الفذ تشعب وعمق وتنوع ثقافة محفوظ وإلمامه بتاريخ مصر وأبرز معالمه ورجاله عبر العصور ووجهة نظره الشخصية فى ما مر بمصر من أحداث طيبة كانت أو غير طيبة فى قالب أدبى فريد.
ثلاثية محفوظ الفرعونية "عبث الأقدار"، و"رادوبيس"، و"كفاح طيبة"، ورواية "العائش فى الحقيقة" هى الأعمال الروائية الفرعونية فى مسيرته. وكانت "عبث الأقدار" أول رواية لمحفوظ وكذلك أول رواية فرعونية هدف بها بدء مسيرة لم تكتمل تقص تاريخ مصر بشكل قصصى. وتدور أحداثها فى عصر بناة الأهرام العظام، وأعنى عصر الدولة القديمة وتحديدا عصر الأسرة الرابعة فى عهد الملك المعروف "خوفو"، بانى الهرم الأكبر بهضبة الجيزة، العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع القديمة. وكان محفوظ أطلق عليها اسم "حكمة خوفو"، غير أن سلامة موسى غير الاسم إلى "عبث الأقدار". وبنى محفوظ هذه الرواية على قصة مصرية قديمة تسمى "قصة خوفو والسحرة" أو ما يعرف بـ "بردية وستكار" نسبة إلى السيدة التى اشترت هذه البردية والمحفوظة حاليا فى المتحف المصرى ببرلين بألمانيا. وتحكى القصة ما دار فى مجلس الملك خوفو واستماعه للساحر "جدى" ونبوءة زوال حكم خوفو من بعده لملوك الأسرة الخامسة التى تلت أسرة الملك خوفو فى الحكم.
وكانت "رادوبيس" الثانية فى الثلاثية الفرعونية. وتدور أحداثها حول الغانية الفاتنة "رادوبيس"، جميلة جزيرة "آبو" (إلفنتين) فى الجنوب بالقرب من أسوان الحالية، التى عشقها علية القوم وصفوة رجال المملكة المصرية وعلى رأسهم الفرعون نفسه. وكان هذا الملك الشاب فاسدا ومتهورا، على عكس زوجته الملكة نيتو قريس التى كانت تتمتع بحكمة كبيرة. وفى نهاية الرواية، قتل ذلك الملك الفاسد وانتحرت رادوبيس. والرواية الثالثة والأخيرة فى الثلاثية الفرعونية هى "كفاح طيبة"، عن كفاح شعب مصر الطويل ضد احتلال الهكسوس. وتنتهى أحداث الرواية بانتصار مصر بقيادة الملك أحمس على الهكسوس وطردهم من مصر إلى فلسطين. وقد قرأ الناقد الأدبي سيد قطب الرواية وأوصى بإقرارها على طلبة المدارس كى يتعلموا منها تاريخ مصر والدرس الذى قدمته من أجل طرد المحتل المغتصب وتحرير الأرض المصرية.
وتعد رواية "العائش فى الحقيقة" آخر ما كتب محفوظ عن مصر الفرعونية، وفيها يعيد سرد قصة حياة "أخناتون" من منظور من عايشوا تلك الفترة المثيرة والحرجة من تاريخ مصر القديمة. وعلى تعدد وتنوع الأعمال الإبداعية عن أخناتون وسيرته وفترة حكمه، تبقى رواية محفوظ من أبدع الأعمال الفنية عن فرعون التوحيد.
وعلى هذا لم ينسحب بساط مصر القديمة الساحر من أدب نجيب محفوظ، وإنما ظهرت مصر القديمة متخفية تحت ستار، فى هيئة أفكار وشذرات نثرية، فاستوحى أحداثها ومعالمها دون مباشرة هنا وهناك عبر مسيرته الإبداعية الحافلة. وتظهر هذه الأعمال حبه الجم لمصر القديمة وحضارتها وإيمانه الكبير بعظمة الشعب وتحضره وقدرته على النهضة ثانية وتحقيق المعجزات إذ وجد القيادة الصالحة والقدوة الطيبة.