إياكم وبيع البفرة في حارة الحشاشين! .. في حضرة السياق

20/12/2016 - 11:40:29

أثير صفا - كاتبة فلسطينية

في متحف الفن الحديث في سان فرانسيسكو خلع أحد العابثين نظارته الطبية ووضعها على الأرض، ثم وقف من بعيد ليرصد ردود فعل زوار المعرض إزاء هذه النظارة. لا ندري ما الذي خطر بباله ساعتها ولكنه بالطبع فهم "التكّة": لقد رأى استعصاء المعروضات الفنية على الفهم تحت مسمى الفن ما بعد الحداثي؛ هذا الفن الذي سمح بدخول عدد مهول من العناصر الغرائبية التي تفتقد الروابط والعلائقية في مجمل المنتج الفني الذي صار يتسم بالتجريبية والتعبيرية التجريدية، فاختلطت المعايير على المتلقّي وما عاد يُلحظ الفرق بين العمل الفني الحقيقي والعمل الشكلي الذي يفتقد العمق، وهي ظاهرة نستشعرها في الشعر والأدب والفن عموما، فهذا الإحلال القيمي الجديد على العمل "ضيّع لنا الطاسة" التي بالكاد أمسكنا بها منذ ستينيات القرن العشرين. كما رأى صاحب النظارة أن المتلقي المعاصر أشبه بعادل إمام في فيلم "اللعب مع الكبار"؛ يلبس ويتأنتك ويذهب ليتعشى في عرسٍ لا ناقة له فيه ولا جمل، أو كالطبال يطبّل وراء راقصة؛ أية راقصة، أو كالسائر في الشارع ينضم إلى موكب زفة أو جنازة مرّ بها ولا يدري مَن المزفوف أو مَن المرحوم! وعليه قرر الشاب إخضاع متذوقي الفن لتجربة قد تعرّي هذا الفهم الشكليّ للفن وتطعن في مصداقيته.
بالنسبة للزوار فإن موضَعة النظارة على الأرضية الرخامية بجانب أحد جدران المتحف لا تبدو فعلا عرضيا، لذلك استوقفتهم النظارة بالفعل وتحلّقوا حولها يتصدّرهم المصورون الذين أخذوا يلتقطون الصور لهذه النظارة تحديدا دون غيرها من بقية الأعمال الفنية التي يعج بها المتحف، باعتبار أن النظارة قطعة فنية غير متوقعة في سياق كسياق المتحف، فهي غرض مألوف وُضع في سياق يرجّح كفة الغرائبية وينزع إليها كما تعوّدنا من الفن، وبهذا حلّت على النظارة العادية بركات الحداثة. وهنا لا بد أن الشاب قد ابتسم نصف ابتسامة أو حتى قهقه من قاع بطنه ساخرا من تلك النخبة من الحمقى المدّعين بفهم ما تعذر فهمه على العامة، كاشفا بذلك عن خللٍ ما في حليمات التذوّق عند مريدي الفن. هذه المفارقة التي نستدلها من العلاقة بين النظارة والمتحف تفرض تساؤلا حول إدراكنا لمفهوم الحداثة وما بعدها، كما تطرح تساؤلا حول قسريات السياق وقدرته على صبغ كل ما ينطوي تحته بدلالاته، فالنظارة اكتسبت مركزيتها وماهيتها المستحدثة نظرا لوجودها على أرضية متحف لا لوجودها على زوجٍ من العيون الغزلاني.
على صعيدٍ أكبر وأكثر مدعاة للأسف منه إلى الضحك، بادر "جين ينجارتن" الكاتب في الواشنطن بوست بإجراء تجربة اجتماعية لاختبار مدى تمييز الجمهور لجودة فنان الشارع في سياق منطقة مكتظة بعامة الناس، محاولا من خلال ذلك معرفة درجة الإدراك الحسي والتذوق الفني عند البشر في بيئة عامة مزدحمة وفي وقت غير مناسب، وقد وقع اختياره على "جوشوا بيل" الشاب الوسيم، وفوق ذلك أحد ألمع عازفي الكمان في العالم، والذي قد يصل سعر التذكرة في حفلاته إلى مائتي دولار، فأقنعه بالوقوف في محطة مترو بلازا لينفين في واشنطن والانطلاق بالعزف ثم رصد ردود فعل العابرين. وفي 12 يناير 2007، وقف جوشوا بشموخ مرتديا ملابس بسيطة وقبعة بيسبول، ومحتضنا كمانه الذي تبلغ قيمته 4 ملايين دولار لتنبعث ألحانه في المكان. وقف بيل عند باب المحطة والكاميرا المتوارية ترصده، وعزف لمدة 43 دقيقة على كمانه وبشكلٍ متواصل أعظم المقطوعات الموسيقية ليوهان سبستيان باخ.
وكانت النتيجة: 1,100 شخص مرّوا من أمام جوشوا بيل دون حتى الالتفات إليه. 27 شخصا رموا له - وهم على عجلة من أمرهم- بعض النقود في طبق فضي ارتكز أمامه والتي بلغت محصلتها 32.17 دولار، وسبعة منهم وقفوا للاستماع إليه لمدة دقيقة أو اثنتين، وواحد فقط، وفي النهاية فقط، ميّز جوشوا بيل!
هكذا إذن تحتكم الدلالات للسياق وتختل قدرتنا على التمييز، ففي المثال الأول اكتسب العادي قيمة استثنائية، وفي الثاني اكتسب الاستثنائي قيمة عادية، وفي ردود الفعل لا نجد فرقا بين رد فعل النخبة حين انطلت عليهم الخدعة ورد فعل العامة حين استُغفلوا في التجربة، وهنا يتساوى الوعي الزائد بالجهل الزائد، والنخبة بالعامة، وتكون المحصلة واحدة: مفاهيمنا حول الفن مدعاة للسخرية، فحين يفرض السياق إملاءاته نُصاب بما يشبه الزوغان ونحيد عن المعنى الحقيقي الكامن في ذوات الأشياء لا سياقاتها، إنه وهمٌ ما يسيطر على وعينا؛ وهم المعرفة في حضرة السياق.
أما في الأدب فيفرض السياق سطوته خارج النص وداخله، وهنا نخصّ السياق الثقافي على غيره من السياقات. من الخارج حيث يتحرك العمل الأدبي في "المشهد الثقافي الراهن" وحيث يتحرك صاحبه في أعقابه، وعليه نتساءل: كم عملا أدبيا لا يساوي شيئا بحد ذاته وتم التعامل معه باعتباره قطعة فنية! وكم فنانا حقيقيا لم يستوقف قارئا أو حتى ناقدا! وقد سمّيت السياق هنا بـ "المشهد الثقافي الراهن" لأن الراهن منسلخ عن السياق التاريخي، فما يظلمه الزمن حاليا يفيه حقه بعد حين، ربما بعد موت كاتب النص وبقاء عمله شاهدا على مبدع حقيقي سابق لعصره ولذلك ربما لم يقدّره أهل عصره، وهذا لسان حال عدد لا يحصى من الفنانين على امتداد التاريخ ممن كان إكرامهم الوحيد في دفنهم.
أما في حديثنا عن السياق الثقافي الخارجي لا بدّ أن نُحال إلى نجيب محفوظ في قصته "بيت سيء السمعة" الصادرة في مجموعة قصصية تحمل اسمها عام 1965 لتبيان المعنى في مثال من الأدب ذاته، ففي القصة يدور الحديث عن سياق "الحارة" وتحديدا منشية البكري القديمة في صحراء البنديرة التي شهدت بيتا خرج عن عرفها ومألوفها فرُمي بسوء السمعة: "غير أن بيت آل حلاوة خرق العقل والمعقول وقام وحده ككلمة متحدية. عُرف بالبيت السيء السمعة وأحيط بسياج من الرهبة. ومجرد جريانه على لسان صبي أو بنت كان جريرة يستحق من أجلها الزجر، وضربت حوله المقاطعة كأنه وباء، وحتى اليوم لا يُذكر إلا مصحوبا بسوء الظن وبذلك تحدد في التاريخ". والقصة تحكي عن لقاء الأستاذ أحمد مراقب عام المستخدمين بميمي، إحدى بنات البيت سيء السمعة التي هام بها عام 1925 وعزف عن التقدم لها والارتباط بها بسبب سوء السمعة التي شاعت عن أهلها، فأمها "كانت ربة بيت- وهي زوج لموظف كبير- تتبدى في الطريق في كامل زينتها عارضة حسنا رائقا رغم بلوغها الخمسين {...} وكانت أول امرأة في الحي تُرى سافرة، فلا برقع أبيض ولا أسود، وقد تصطحب معها بناتها الأربع فتمضي بهن سافرات كذلك، آخذات زينتهن وهو ما لا يُسمح به لبنت قبل خطبتها. وكن يذهبن مرة في الأسبوع – مع الزوج أو دونه- إلى سينما كوزموجراف، وقد يسهرن في مسرح من المسارح فلا يرجعن قبل الواحدة صباحا {...} والأدهى من ذلك كله أنه كان للأسرة يوم زيارة تستقبل فيه بعض الأسر بكامل هيئتها فيختلط الجنسان بلا حرج. وكان شبان الحي يسيرون جماعات تحت حجرة الاستقبال المتلألئة بالأنوار، يصغون إلى الضحكات المتصاعدة، وعزف البيان والغناء، وكلما ظهر في النافذة طربوش تبادلوا الغمزات والنكات وذهبوا في التأويل كل مذهب وتخيلوا أعجب المواقف. لذلك كله لم يكن غريبا أن يُذكر بيت حلاوة مقرونا بلفظة "دعارة" دون مناقشة. وكانت الأسرة على علم بآراء الجيران ومشاعرهم ولكنها لم تكترث لذلك أدنى اكتراث، وترفعت الهانم عن الجميع وسارت في طريقها شامخة الأنف كأنها من سلالة غير سلالة الحي جميعه".
هنا، نرى أن محفوظ نجح في إظهار خروج البيت عن سياقه المتمثل في الشارع أو الحارة التي تتسم بعقلية تقليدية محافظة تستهجن الطباع المستحدثة وغير المستكشفة التي تبناها أهل هذا البيت، ليصل الأمر إلى اتهامهم بالدعارة فقط لكونهم أول من استوعب الحداثة وكانوا منفتحين إلى درجة الإقدام على ممارسة قناعاتهم على الملأ غير راضخين لسياق منغلق ومتقوقع على مفاهيم يُعتبر تخطيها انتهاكا لمعايير "الشرف". أما المفارقة فكان السياق التاريخي أو الزمني كفيلا بإحداثها، ففي نهاية القصة تنقلب المعادلة وترتسم أمامنا حياة الأستاذ أحمد بعد ما يقارب خمسة وثلاثين عاما منذ آخر لقاء جمعه بميمي، فها هو قد تجاوز الخمسين "ومضى إلى بيته بعد ميعاد انتهاء العمل الرسمي فتغدى ونام ليستعد لسهرة في الأوبرا دُعي إليها هو وزوجته وبناته الثلاث. وكان الداعي زميلا لكبرى بناته الموظفة في إدارة الترجمة بالوزارة، وقد قبل الدعوة رغم أن الداعي لم يرتبط بكريمته بأي ارتباط بعد! وعند المساء خلا إلى نفسه في حجرة مكتبته على حين نشطت الزوجة والبنات للاستعداد لسهرة الباليه المنتظرة. عما قليل يتبدين في صورة كاملة من الزينة والأناقة ثم يتقدمنه تحت الأضواء ترمقهن الأنظار بإعجاب!".
هذا المثال مأخوذ من أدب محفوظ، ورؤية محفوظ رؤية بانورامية شمولية تُعنى بامتداد الزمن وتعاقب الأجيال والإحلال التاريخي في سياقه العام ومدى تأثيره على تكوين الشخصية الروائية بشكلٍ متسلسل، ولذلك كان انحياز محفوظ للقدرية الخارجية، على عكس إدريس مثلا الذي شغلته اللحظة فاشتغل بها على مستوى العمق الإنساني، وكان السيد في قصصه هو الموقف، وكان انحيازه للفطرة الكامنة في الداخل، داخل النفس البشرية. الأوّل تطوّري دارويني تدرّجي، والثاني لحظي فرويدي حاد. أما في المثال الذي أوردناه أعلاه فلنا أن نتساءل: ما الذي حدث في هذه السيرورة الزمنية التي استحالت صيرورة؟ وكيف تطوّر السياق حدّ وصوله إلى النقيض ليصبح من رمى "البيت التجريبي" بسوء السمعة هو نفسه "سيء السمعة" بناء على مفاهيمه الشخصية السابقة، والتي كان الزمن كفيلا بقلبها كما ينقلب السحر على الساحر؟! وهذا هو الحال في الثقافة الراهنة الموهومة بقوالب أدبية تصدّرها وتمركزها على حساب تهميش المختلف والحقيقي في سياق الحاضر المُجتزأ، ووحده السياق التاريخي الذي يبين الصورة كاملة كفيل بالانحياز لطفراته.
أما السياق الثقافي الداخلي للنص، والذي نلجأ في تصنيفه إلى عالم الأنثروبولوجيا "إدوارد تي هال" في كتابه ما وراء الثقافة (Beyond Culture) الذي صدر عام 1976 ومن هناك نسقطه على الأدب، فيمكن تقسيمه إلى قسمين: سياق عالٍ وسياق منخفض. في نظرية هال نرى أن السياق العالي يتميّز برمزية عالية في رسائل التواصل بين الأفراد، وهي خاصية يتحلّى بها المجتمع المعقود بروابط ثقافية وثيقة، فكلما كان المجتمع أكثر تواشجا كان المشترك أكبر، فأفراده يتشاركون مجموعة من الخبرات والتوقعات والتعابير والمصطلحات والعادات والتقاليد والأمثال والفكاهة المتفق عليها، لذلك يحتمل السياق العالي رسائل أكثر تعقيدا وإيجازا لأن "الشيفرة" معروفة ومتداولة. أما السياق المنخفض فيفتقد هذه اللغة المشتركة، وفيه تنبع الحاجة إلى توضيح المعنى والإسهاب في شرح مفردات صريحة وواضحة لإيصال هذا المعنى وتبيانه. ولذلك نرى أن وزن المفردات في السياق العالي أكبر والقيمة الاصطلاحية لها ثقلها والمعاني الضمنية أكثر تورية، وكأن الفرق بين السياقين هو ذاته الفرق بين المتن والهامش، المتن الموجز المركّب والهامش المفصّل المبسّط. مثال على ذلك هو الفرق بين الإعلانات التجارية التي نتوجّه بها لجمهور متشابك ثقافيا وآخر مهجّن وواهن الأواصر الثقافية، عند الجمهور الأول نجد الإعلان أقصر ومعدود الكلمات ومحمّلا بالدلالات، أما في أوساط الجمهور الثاني فالإعلان الموجّه أطول، أوضح، وأشد صراحة ومباشرة ورسمية.
كيف يُمكن إسقاط هذا التشريح الاجتماعي في الأنثروبولوجيا على الأدب؟ ببساطة شديدة، كلما انتسب النص الأدبي للسياق العالي، بمعنى تحميله بالدلالات التي تتقنع بكلمات موجزة وأسلوب مثقل بالرمزية الثقافية ارتفع القارئ إلى مستوى الكاتب، وارتقى هو إلى النص، لأن الكاتب في هذه الحالة يضع الافتراض التالي نصب عينيه: أتوجّه بهذا النص إلى ثقافة أنا جزء منها، أنا فيها جزء من المعادلة لا المعادلة كلها، فالقارئ يفهمني ولست وحدي من يحتكر فهمه، التواصل ليس أحادي الاتجاه فهو دون شك غير عاجز عن الوصول إليّ، ولا بدّ أنه سيدرك المُراد دون إتلافه بالشرح والتفصيل، فمنظومتنا واحدة وثقافته لا تقل عن ثقافتي، وخطابي مركّب لأن المتلقّي يعيش في ذات التركيب الثقافي. وهكذا يتجلى السياق العالي في النص الأدبي في الأسلوب واللغة اللذين يفترض بهما الكاتب الوعي الكافي عند القارئ للإلمام بمقاصده، فهو يتكئ على الثقافة المشتركة في رسالته لقارئ مُلمّ بشيفراتها، كما يعتمد على الوعي الجمعي ويراهن عليه، والحالة "المتطرفة" من هذه الفرضية نجدها في الشعر الذي يعتمد التكثيف والإيجاز. أما السياق المنخفض في النص الأدبي فمرهون بتعامل الكاتب مع القارئ بلغة وأسلوب فيهما الكثير من الاسترسال والسهولة والاستفاضة والمباشرة والسطحية منطلقا بذلك من مبدأين: الأول: محدودية موهبته وفقر حظه من الوعي بالكتابة، فالنص الضعيف للكاتب الضعيف. والثاني: نزوله إلى القارئ بالرغم من تمكّنه، وكأنّ هناك فجوة في مساحة الثقافة المشتركة أو خللا في التواصل، لينحط بالعمل الأدبي لمستوى ثقافي متدنٍ يفترضه بجمهوره، فيخرج النص ضعيفا؛ لأن الكاتب اعتبر متلقّيه ضعافا.
على امتداد التاريخ اتُهم العديد من الأدباء بعيشهم في برج عاجي، لأن كتابتهم تشي بالتعالي المعرفي على الثقافة المتوسطة للعقل الجمعي، فلم يصلوا لقارئ "عصرهم" مُتهمين بهوسهم بالفردانية وشغفهم بأناهم المتضخمة لما اكتسبوه من كمٍ معرفي لا يدركه أصحاب الثقافة المتوسطة أو دونها، بينما وُسم آخرون بالنزول بالأدب إلى الشارع، متكاتفين بذلك مع العامة ومتواصلين معهم بخطاب أدبي أشد بساطة ومباشرة وأقل تعقيدا ورمزية، فانحاز الشارع لهم ونجحوا ليصبحوا نجوم شباك وأصحاب الأعمال الأدبية الأكثر مبيعا، ثم لم يتوانوا عن التواطؤ مع الصفقة الضمنية المبرمة مع جمهورهم وليحوّلوا الأدب إلى مجموعة من المواعظ والحكم والدروس الدينية والدعوات الأخلاقية التي تخاطب العقلية الجمعية بما يحابي المؤسسة الدينية والسياسية، معتمدين الثيمة ذاتها في تأسيس النص على قصة حب ساذجة كيتشية المفردات تدغدغ المشاعر نعم، ولكنها لا تخاطب المنطق أو العقل أو تكشف بعدا نفسيا أو تعرض تشريحا اجتماعيا أو صراعا وجوديا، لأنّ همّها هو تجنب المساس بالمنظومة الاجتماعية والثقافية كما يرتضي عامة الناس غير المتمرّدين في معظمهم. أو حتى على الطرف النقيض، بتوجههم لأعمال بورنوجرافية خالصة تخاطب الغرائز دون التوغّل في عمق هذه الغرائز سيكولوجيا أو تاريخيا أو حتى جماليا، وهكذا يستجيب الكاتب لاحتياجات القارئ الأوليّة، ويتوقف عندها فحسب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحديث عن السياق الثقافي العالي والمنخفض يقتصر على اللغة والأسلوب بعيدا عن الموضوع أو الثيمة التي يمكن للكاتب - بتصنيفَيه النخبوي والشوارعي- أن يتناول من خلالها الطبقية الاجتماعية من أسفل الهرم إلى أعلاه، فخلق شخصيات برجوازية أو حتى بيكارسكية وطرح هموم حياتية للإنسان العادي والمهمّش والمنتمي للقاع أو خلق شخصيات منتمية لجيتو اجتماعي رفيع المستوى لا تقتصر على أحد الصنفين، فالمتّهمون بالأدب النخبوي اتُهموا للغتهم المرتفعة والرمزية وأسلوبهم الفلسفي في الطرح لا لموضوعاتهم. أما أولئك الذين انشغلوا من حيث الموضوع بهموم النخبة وأزمتها المتمثّلة باختيار شرب عصير البرتقال أم عصير الفراولة فيظلون خارج دائرة الاتهام بالنخبوية، على شاكلة يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وعبد الحميد جودة السحار وما قدموه من موضوعات تخص طبقة اجتماعية منعّمة، وفي الوقت نفسه موجّهة في بساطة لغتها وأسلوبها للعامة، هذا الأدب الذي يشبه البسكويت الذي اقترحته ماري أنطوانيت على شعبها بدلا من الخبز. مع التشديد طبعا على أهمية هذه الأسماء ومحوريتها ودورها الكبير والإيجابي في نشر فكرة القراءة في تلك المرحلة الزمنية التي تشكلت فيها أولى درجات السلّم الذي ارتقته الرواية العربية.
السؤال الذي يُطرح هنا: أيّ النموذجين من الأدباء يحترم عقلية القارئ ويجلّه بشكلٍ أكبر؟ الأديب الذي يُخضع أدبه لسياقٍ عالٍ أم لسياقٍ منخفض؟ الأديب الذي يتوقع من القارئ أن يبلغ مرامي نصه ويدرك مقاصده مهما بلغت رمزيتها، أم الآخر الذي يتعامل مع القارئ على أنه جاهل فيبسّط النص ويشرحه ممعنا في الإيضاح والتسطيح كي يصل إلى القارئ؟ لغرابة الأمر، يبدو أن الكفة هنا ترجح لصالح الأديب صاحب البرج العاجي والسياق العالي! إذن، يبدو أن هناك خللا في تصوّرنا للمسألة وأن المعادلة فعليا مقلوبة، وأننا ارتكبنا ظلما تاريخيا أحاق بالأدباء الذين يكتبون نصوصا مركّبة ظاهريا ولكن في جوهرها احترام للثقافة ولقارئ يُعوّل عليه، على عكس الكاتب الذي يخفف المادة للمتلقي ويبسّطها مشككا في سعة مداركه. كما أننا ارتكبنا ظلما تاريخيا بحق أنفسنا كقرّاء يحتفون بمن ينزل بأدبه إليهم على أساس كونهم أقلّ شأنا ثقافيا وأعلى شأنا تجاريا.
وعليه، يجدر بنا أن نعيد صياغة مفاهيمنا حول ماهية الأدب، ونكسر قوالب تصوراتنا المسبقة لأدب النخبة وأدب العامة من خلال الرؤية بمنظورٍ جديد يستعيد فيه القارئ موقعه والكاتب مكانته، والحذر من التباس المفهوم القيمي للحداثة في عصر الرأسمالية التي رفعت من أسهم السلعية على حساب القيمة. فالصحيح أن مفهوم ما بعد الحداثة ينطوي على الرمزية والتركيب حيث يتعامل الكاتب مع القارئ بتكافؤ ونديّة، وفي ذلك دعوة لمشاركة القارئ في العملية الأدبية والمساهمة في تشكيل النص من وجهة نظره هو وبناء على مخزونه الثقافي وانطباعاته الشعورية وذائقته الفنية والجمالية، على عكس النصوص ذات السياق المنخفض والتي تُقدّم كلقمة سائغة أو معلبات جاهزة سريعة التحضير وسهلة الالتهام، وهو في ذلك يطابق المفهوم المعاصر للعملية الجنسية التي يتفاعل فيها الشريكان بنفس القدر ليحظى كل منهما بنفس الأهمية، مقارنة بمفهومها الكلاسيكي حيث الإيجاب والسلب وحيث الطرف الفاعل والطرف مسلوب الإرادة. لهذا نجد مجمل المدارس الفنية الحديثة من الانطباعية والتكعيبية والدادائية والسوريالية والوحشية أكثر تركيبا ورمزية مما يدعو المتلقّي لإقحام نفسه وثقافته وشعوره للإحاطة بأبعاد المادة الفنية، مقارنة بالمدارس الكلاسيكية والواقعية التمثيلية والرومانسية التي تُعنى بنقل الواقع مفصلا وسهلا وواضحا مُنحيّة بذلك دور المتلقّي. ولا حاجة لتأكيد فكرة انفتاح الفن الحديث عموما والنص ما بعد الحداثي ليشمل المتلقّي، مقابل انغلاق إمكانية التأويل والتحليل في نظيرها الكلاسيكي، وذلك لأن الأولى حمّالة للدلالات، متعددتها، غائرة في النفس البشرية، لا يقينية، ومنطوية على خلاصة حياة وصراع وجودي وأزمات زمانية ومكانية ومساءلات اجتماعية ودينية وفلسفة إنسانية.
البطل في هذا المقال هو السياق الذي ضلّلنا ونحن أصلا هائمون في التيه الذي فرضه علينا مفهوم الحداثة بحكم اختلاف الزمن وآلياته، فحدنا عن التمييز بين الفن الحقيقي الباقي والفن الزائف الآني، والأديب الذي يرتقي بأدبه ويرفع من قارئه مقابل الأديب الذي يطيح بالأدب ويصغّر من قارئه، ولذلك لا غرابة في سماحنا للطبل بأن يغطي على النايات! علينا أن نكون كقرّاء أو متلقّين أكثر وعيا للسياق الذي رفع من النظارة في المتحف وحطّ من جوشوا بيل في المحطة، وأن نتخلى عن النظارة السوداء التي توارثناها على أساس أننا عميان لنقبل الاستخفاف بنا ونحن نستمرئ الأدب الخفيف. نتخلى عنها، ونعيد النظر في تصوّرنا عن الكتّاب الذين يُعلون من شأننا دون النزول إلينا كأننا قابعون في القاع، فالأدب سيظل مثل جولييت التي تقف على الشرفة والقارئ مثل روميو الذي يغني تحت شرفتها ساعيا لنيل رضاها وحالما بالصعود إليها ومشاركتها فراشها. أما الكتّاب الذين يبيعون الماء فعليهم التعامل مع قرائهم باعتبارهم سقائين لا مجموعة من العطشى، فالماء لا يُباع في حارة السقائين ولا البفرة تُباع في حارة الحشاشين.