صفحة من تاريخنا الفني .. حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين الأجانب في فرقة فاطمة رشدي

13/10/2014 - 10:12:26

فاطمه رشدى فاطمه رشدى

كتب - نبيل فرج

كان مسرح برنتانيا بالقاهرة في مدخل شارع عماد الدين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي يتألق كل ليلة مع عشرة مسارح أخري بعروض مسرحية مؤلفة ومترجمة ومقتبسة يقبل عليها الجمهور من كل أنحاء القطر المصري ومن كل الطبقات والأعمار.


علي خشبة هذه المسارح مثلت مسرحيات وأوبريتات لا ينساها كل من شاهدها وشاهد فنانيها الرواد: يوسف وهبي ونجيب الريحاني ومنيرة المهدية وبديعة مصابني وعشرات غيرهم.


وبين هذه الكوكبة من الممثلين كانت الفنانة فاطمة رشدي في مسرح برنتانيا تمثل وتخرج مع زوجها عزيزعيد المسرحيات المتنوعة دون مراعاة لحقوق التأليف وليس لهذه الأعمال المسرحية والموسيقية فهرس يمكن الرجوع إليه لمن يريد أن يؤرخ للحياة الفنية كما أن الجزء الأكبر من نصوصها ومخطوطاتها التي تشكل تراثنا الفني ضاع عبر السنين ومن الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل اليوم العثور عليها وتحقيقها ونشرها.


ومن الأعمال التي قدمتها فرقة فاطمة رشدي في سنواتها الأولي بعد تأسيسها في 1927 مسرحية من أصل اجنبي لمؤلف يدعي هنري برنستيان وهي غير مدركة أن لهذا المؤلف حقوقا أدبية ومادية يجب أن تراعي وأنه من مكانه البعيد سيطالب بها كما هو الشأن في بلاده.


لم تكن فاطمة رشدي تدرك أن الأعمال الفنية ليست كلأً مباحا لمن يشاء لا يحتاج الانتفاع بها إلي تعاقد مع المؤلف سواء كان مصريا أو أجنبياًَ ينتمي إلي وطننا أو ينتمي إلي العالم الخارجي وربما ظنت أن إطلاق اسم سارة برنار الشرق عليها يبيح لها أخذ هذه النصوص بلا مقابل.


ولفاطمة رشدي كتاب صغير الحجم صدر عن المكتبة الثقافية في 1984 تروي فيه ذكرياتها الفنية في الفرقة مع استاذها وزوجها الفنان عزيز عيد الذي يرجع إليه الفضل في ظهورها وشهرتها.


ولنعد إلي موضوعنا:


في 20 يناير 1930 فوجئت الفنانة بعريضة دعوي قضائية من محكمة القاهرة المدنية تصلها علي يد محضر يطالب فيها المؤلف هنري برنستيان فاطمة رشدي ومدير فرقتها ومالك مسرح برنتانيا بمبلغ 750 جنيها تعويضا عن مسرحيته التي قدمتها علي المسرح سبع مرات دون إذن كتابي منه ورغم أنه لم تكن في مصر في هذا التاريخ قوانين للملكية الفكرية تحمي حقوق المؤلفين داخل مصر وخارجها ومع أن النص الذي قدمته الفرقة كان عن ترجمة عربية للشاعر أحمد رامي فلم تأخذ المحكمة بأي دفاع وحكمت للمؤلف الأجنبي بحقه المزدوج في التظلم وفي طلب حقوقه المادية من الفرقة ومن المترجم أحمد رامي متضامنين.


وقدرت المحكمة حقوق المؤلف بهذا المبلغ الضخم الذي تتجاوز قيمته بعملة هذه الأيام عشرات الآلاف من الجنيهات رغم أن الفرقة كانت فرقة متواضعة تتعرض بين الحين والحين للإفلاس بسبب إصرارها علي تقديم الفن الراقي بل وتقديم بعض عروضها للطلبة بالمجان لخلق الوعي الفني وتنمية الذوق العام في ظل ظروف اجتماعية سيئة وكساد عالمي عانت منه مصر كما عاني منه العالم وذكرت المحكمة في حيثيات حكمها أن قواعد العدالة هي التي تفرض هذا الحكم.


وهكذا حفظت مصر في هذا الوقت المبكر حقوق الملكية الفكرية من أي محاولة لانتهاك هذه الحقوق.


وقواعد العدالة التي ذكرتها المحكمة في 1930 هي التي مهدت لصدور قانون الملكية الفكرية في بلادنا في 1954 ودفعت بها أيضا بعد أقل من ربع قرن آخر للتوقيع في 1976 علي اتفاقية برن بجنيف التي تحفظ حقوقنا في الخارج وحقوق الأجانب في مصر وليست هذه المطالبة الوحيدة للمؤلفين الأجانب لحقوقهم الأدبية والمادية عن أعمالهم التي تقدم علي المسرح المصري.


ذلك أنه في الستينيات من القرن نفسه أي بعد أكثر من ثلاثين سنة تلقي مدير المسرح القومي الذي يعد الواجهة الرسمية للفن المصري خطابا من أحد كتاب المسرح الغربي يطلب فيه حقوقه عن مسرحيته التي يقدمها هذا المسرح ورغم السخرية اللاذعة التي قوبل بها هذا الخطاب وما أثاره من استنكار البعض في وزارة الثقافة فقد وجد وقتها بين أهل المسرح عندنا من أيد المؤلف الأجنبي ورأي في الاستجابة إلي طلبه سمة من سمات الدولة العصرية المتحضرة التي تحترم الفكر والإبداع.