خالد صالح .. المسرحجى عاشق الصدق

13/10/2014 - 9:52:19

خالد صالح على المسرح خالد صالح على المسرح

كتب - د. حسن عطية

قبل أن يغادرنا لدار الخلد ، منح المهرجان القومى للمسرح مبلغا وقدره خمسة وستون ألف جنية ، وعندما قابلته فى حفل الافتتاح شكرته على تبرعه هذا لدعم جوائز الفائزين ، فقال لى بسرعة هذا ليس تبرعا بل هو حق المسرح علينا ، وحينها هنأته على دوره المتميز فى مسلسله الأخير «حلاوة الروح» مع المخرج التونسى "شوقى الماجرى" ، فعلت وجهه فرحة طفولية مندهشة بمتابعتى لهذا المسلسل المتميز ، والذى لم ينتبه إليه أحد فى زحمة مسلسلات رمضان ، وقال لى بروح عالية ، رغم ضمور الجسد وشحوب الوجه ، أنه كان يمثل دوره فى هذا المسلسل بصدق كامل .


الصدق هو مفتاح شخصية "خالد صالح" ، صدق التعبير ، وصدق الأداء ، وصدق المشاعر ، وهو المدخل المناسب للاقتراب من عالم هذا الإنسان المبدع ، ومحاولة فهم أسراره النفسية ، فالدور الذى أشار إليه فى حديثى معه فى افتتاح المهرجان القومى للمسرح ، كان يجسد من خلاله شخصية مذيع مصرى لامع ومدير قناة تليفزيونية قى الإمارات ، تتورط أبنته المتمردة فى سوريا ، حينما شاركت فى تصوير فيلم عن سرقة وتهريب الآثار السورية ، وتقع فى أسر جماعة إرهابية ، تستغلها لاستدعاء المذيع اللامع ليجرى مع أميرها حوارا مثيرا يبث على القناة ، مقابل الإفراج عن أبنته ، وهو ما يؤدى لإصابة قلبه ، مما يجبره على الدخول للمستشفى للعلاج ، مع مقاومة منه للخروج لإنقاذ أبنته مهما كان الثمن .


القلب الكبير


كانت متاعب القلب قد بدأت تتسلل إلى "خالد" وتدفعه دفعا نحو المستشفى ، فالتقت متاعب قلب الفنان بمتاعب قلب الشخصية التى يقدمها ، وكان هذا هو الملمح الخارجي لصدق التعبير والأداء ، بينما امتلك "خالد" سمة «الصدق» من شخصيته وحياته من جهة ومن عشقه للمسرح ، الذى بدأ نشاطه يتجلى منذ التحاقه بكلية الحقوق أوائل ثمانينيات القرن الماضى ، وكان المسرح الجامعى وقتها ملتهبا ، وكانت كلية الحقوق بمبنى مسرحها وتوجهها الجاد، تنافس كلية التجارة بمبنى مسرحها وتوجهها الجماهيرى ، ويشتركان معا وبقية كليات جامعة القاهرة والجامعات المصرية فى التصدى لجحافل الجماعات الإخوانية ، التى أطلقتها سلطة السادات ودعمتها سلطة مبارك للقضاء على نوادى الفكر التقدمى والناصرى ، وإضعاف الحركة الطلابية الثائرة فى المجتمع ، والتى انتمى إليها "خالد صالح" ونشط فى فعالياتها ، ومنها المسرح .


فى ذات الوقت كان المسرح الجامعي مازال متعلقا بمخرجى وكتاب الستينيات الكبار ، وكانت مدرسة حمدى غيث ونبيل الألفى الإخراجية ومدرسة الأخوين : حمدى وعبد الله غيث مع محمود مرسى الأدائية ، المؤسسة فى ستينيات القرن الماضى ، مازالتا تحققان وجودا جادا فى الحقل المسرحي الجامعى ، عبر إخراج "فهمى" الخولى" ود."حسين عبد القادر" ود. "حسين جمعة" وغيرهم ممن تعلموا أسس ونظريات الإخراج والتمثيل بالمعهد العالى للفنون المسرحية .


الواقعية النفسية


نما وعى "خالد صالح" بمجتمعه داخل الحرم الجامعي ، وتعلم جدية التشخيص فى المسرح الجامعي ، والتقت نزعته الذاتية لقول الصدق فى الحياة بسمة الصدق التى دعا إليها صاحب مدرسة «ستديو الممثل» المخرج الروسي والمعلم المسرحي الكبير "ستانسلافسكى" ، والذى ركز على القواعد النفسية لصياغة وتطور الشخصية الدرامية ، وطالب بالصدق الداخلى قبل الصدق الخارجى ، فأهتم "صالح" بمنهج الواقعية النفسية ، التى ترفض الأداء الخطابي الزاعق ، وتنأى بنفسها عن الوقوع فى أسر الكليشيهات ، فحرص على عدم تقليد الأخرين ، حتى ولو شبه بالعمالقة مثل "محمود مرسى" و"محمود المليجى" و"زكى رستم" ، فلكل منهم أسلوبه الخاص داخل إطار «المنهج» الذى وضعه "ستانسلافسكى" ، وهو كان حريصا على أن يصنع لنفسه أسلوبه الخاص.


دفعه الصدق الإنسانى لعدم الانخراط فى مهنة المحاماة التى أهله حصوله على ليسانس الحقوق لها ، كما دفعه بعد ذلك لترك عمله فى تجارة الحلوي مع أشقائه ، لينتقل لعالم التشخيص ، الذى يحقق فيه ذاته ، فألتقي مع المخرج "حسن الوزير" فى أروقة مسرح الهناجر ، ليشارك "نبيل الحلفاوى" و"وفاء الحكيم" فى عرض «طقوس الإشارات والتحولات» للكاتب السورى الكبير "سعد الله ونوس" ، قدم معه شخصية "عباس" معشوقه "العفصة" المثلى الجنسية (أدى الدور "خالد الصاوى" فى بروفة لشخصية الصحفى الشاذ الذى قدمه فيما بعد فى فيلم عمارة يعقوبيان) ، فيبدو ممزق النفس حينما يقف مع المجتمع ضد صديقه ، ويحزن عليه حين يقتل نفسه ، ورغم صغر حجم الدور ، ونزعة "خالد صالح" الأخلاقية الرافضة للمثلية الجنسية ، والتى أثرت على تقمصه الكامل لشخصية "عباس" إلا أنه أثار الانتباه لموهبته ووعيه بقيمة الفن ، وفعالية التحليل النفسى للشخصية التى يقدمها، وموقعها داخل المسرحية ، حيث يستهدف الكاتب من خلالها التنبيه إلى هذا التناقض الذى يعيشه المجتمع العربى بين المظهر والمخبر ، وكانت عين المخرجة الواعية "إنعام محمد على" المدربة على اختيار الممثلين ، واحدة ممن لفت انتباههم ، فاستدعته ليجسد معها شخصية "مأمون الشناوى" فى مسلسلها الشهير «أم كلثوم» 1999، كما جذب تجسيده لنفس الدور انتباه المخرج السورى "أنور القوادرى" ليجسد شخصية رجل المخابرات اللغز أوائل ستينيات القرن الماضى "صلاح نصر" فى فيلم «جمال عبد الناصر» فى نفس عام 1999 ، والذى قام ببطولته صديق الجامعة والمسرح والحياة "خالد الصاوى" .


السخرية الكاريكاتورية


من عالم "ستناسلافسكى" ومنهجه فى الواقعية النفسية ، جذبه صديق عمره "خالد الصاوى" لمنهج مغاير ، صاغه داخل فرقة الحركة المسرحية الحرة ، التى أسسها قبل ذلك بعشر أعوام ، مع "مجدى سعيد" و"غادة الريدى" و"محسن منصور" وضمت "عماد الراهب" و"معتزة عبد الصبور" و"سيد فؤاد" وغيرهم ، وكان "الصاوى" مؤلفها ومخرجها ، وصائغ رؤيتها التى تقدم العالم بعيون مهرجى السيرك ولاعبى الأكروبات فى أنساق موسيقية غنائية تستعيد أغانى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى ، ومنهجها القائم على السخرية الكاريكاتورية من المجتمع ، وما يعرف بالبارودي القائم على المحاكاة الكاريكاتورية الساخرة من أعمال فنية مقدسة أو جادة ، فشاركه العديد من العروض ، منها عرض «الميلاد» 1997 المكون من مجموعة من الإسكتشات الكوميدية ، فقدم شخصية «الناظر» الذى يدخل على تلاميذه المهرجين ، والمرتدين أرواب التخرج فى الجامعات المصرية الخاصة والأوروبية ، ليعلن لهم أنه سيفتح معهم صفحة جديدة ، تقوم على مقارعة الحجة بالحجة ، فى سخرية مزدوجة من مسرحية «مدرسة المشاغبين» السبعينية المؤثرة بالسلب فى جيل "الصاوى" و"صالح" معا ، وأيضا من الحياة السياسية فى مصر التسعينيات المتحدثة عن الديمقراطية ، دونما تحديد واضح لمفهوم هذه الديمقراطية المعلنة . ويشارك "صالح" فى بقية اسكتشات العرض الساخر والمقدم لتمرد طلاب الجامعة فى مواجهة السلطة التعليمية ، وأبناء الوطن فى مظاهرات يناير 1977 المعروفة ضد السلطة السياسية ، كما يقدم شخصية "فتحى بصلة" مشعل حرائق مصانع القطاع العام التى تسيدت المشهد الاقتصادى الداعي للخصخصة .


مجاراة الشباب


بعد ذلك "شارك "صالح" بتجسيد دور قيصر روما فى عرض آخر لصديقه "الصاوى" بعنوان «انطوريو وكيلوبطة» 1998 بارودية تسخر ظاهريا من مسرحية "ويليام شكسبير" المعروفة «أنطونى وكليوباترا» وتفتت شخصياتها بعد تحولها لنماذج تهريجية ، وأن خبئت بين مشاهدها سخرية من الأوضاع السياسية القائمة ، ومما يفرض على المجتمع المصرى والعربى من غزو عولمى بدأ التبشير به أواخر التسعينيات . ورغم ما بذله "صالح" فى هذا العرض من جهد سعى من خلاله لمجاراة الشباب المنطلق خارج حدود المنهج ، والعرض المنفلت من كل قيد أكاديمي ، وشخصياته النمطية ، غير أنه بجسده غير الشبابى ، وصوته الرخيم المشبع بالوقار ، وجدية مظهره فى المجمل ، مع تمسكه بمنهج الأداء النفسى لما تخبئه الشخصية الدرامية من مشاعر إنسانية ، جعله متأرجحا بين منهج يتمسك به وعرض يشارك فيه، حتى وجد نفسه فى الدراماتين السينمائية والتليفزيونية ، اللتين جذبتاه فى البداية فى أدوار صغيرة أوائل العقد الأول من القرن الحالى ، حتى اكتشفت موهبته بعد أن صقلتها الأيام والتجارب ، فصار واحدا من أنضج أبطالها ، وأفضل من يقدم شخصياتها المتنوعة بعمق كبير ، من شخصية "حاتم" أمين الشرطة المتأرجحة بين القسوة والعشق الحسي ، إلى القنصل الذكى الذى يقع بيد من هو أذكى منه ، وقدمه بصورة ساخرة راقية .


غادر المسرح دون أن يغادره المسرح، فظل مرتبطا به ، وأختطفه الموت منا ، وهو يؤسس له مقعدا متميزا على قمة الإبداع ، لن يزاح يوما من مكانه ، فهو ابن المسرح البار ، الذى نجح فى السينما والتليفزيون والإذاعة ، بعد أن امتلك موهبة صقلها بالدربة والممارسة والوعى بأن القلب المحب لفنه ومجتمعه، ستظل كل قلوب أصحاب الفن وأبناء المجتمع عاشقة له .