خالد صالح بين الإبداع وتفرد الشخصية

13/10/2014 - 9:52:53

خالد صالح خالد صالح

كتبت - ماجدة موريس

حينما ظهر خالد صالح في الحياة الفنية المصرية بدا أنه جاء ليملأ مكاناً ينتظره أو موقعاَ خالياً يبحث عن ممثل ذى مواصفات خاصة من هذه النوعية التي عرفتها السينما المصرية في الخسمينيات والستينيات من القرن الماضي مثل سراج منير وزكي رستم وبشارة واكيم وصولا إلي المراحل الأخري لنفس السينما والتي عرفت نجوما حققوا الاجادة والتفوق وإن لم يصعدوا إلي أفاق أكبر يستحقونها مثل: رياض الخولي ومجدي كامل وغيرهما وكانت الرحلة بين الدور الأول والدور الثاني في السينما المصرية صعبة ومعقدة بقدر ما هي سهلة علي آخرين امتلكوا مواصفات الفتي الأول في أوقات عديدة واستطاعوا الحفاظ عليها في إطار سينما تقليدية ونماذج نمطية لشكل وصورة البطل في السينما المصرية.


خالد صالح سلك طريقاً مختلفاً أو ربما كان محظوظا في الانتقال من المسرح الجامعي ومسرح الهناجر إلي السينما ثم التليفزيون في مرحلة انتقالية للاثنين فالسينما كانت تغير جلدها وتنفض عن نفسها آثار الموضوعات التقليدية وتمحو الرومانسية القديمة وتؤكد للمشاهد أن الحياة أكثر صعوبة من تلك التي قدمتها من قبل وأيضا التليفزيون سار وراء الشقيقة الأكبر خاصة بعد أن توافد عليه نجوم السينما والمسرح الذين هزمتهم أزمات هزمت السينما والمسرح المصريين.


في بداياته علي الشاشة الكبيرة قام خالد صالح بدور مهم في فيلم «جمال عبدالناصر» للمخرج أنور قوادري وهو دور صلاح نصر رجل مخابرات الرئيس وقام بدور عبدالناصر خالد الصاوي وفيما بعد تنافس الخالدان صالح والصاوي في تقديم شخصيات مختلفة ومتفردة فى ساحة الفن المصري طوال العقد الماضي وحتي 2013 الذي قدم فيه خالد صالح دورا مهما عن أحد أصحاب المال والنفوذ في زمن مبارك من خلال مسلسل «فرعون» بينما كان خالد الصاوي يقوم بدور أحد رجال مخابرات نفس النظام في مسلسل آخر.


ومن اللافت للنظر في مسيرة خالد صالح أمور متعددة أولها هو التنوع الكبير في أدواره وكأنه في رهان مع نفسه للعب كل الأدوار، أما الأمر الثاني فهو قدرته الفائقة علي تغطية الشخصية التي يؤديها برداء مشبع من التفاصيل في الحركة والقدرات التعبيرية والوصول إلي أعماقها في أسلوب يدهش المشاهد ويبهره قبل أن ينساق معه كممثل في تتبع العمل فصالح هو أحد « سحرة» البدايات أو المشاهد الافتتاحية التي تمسك بتلابيب مشاهده لتجعله يستمر في الاهتمام بالعمل وبالممثل حتي النهاية ولنتذكر بداية مشاهده في فيلم أحلي الأوقات للمخرجة هالة خليل في دور الزوج الديكتاتوري الغضوب الذي لا يمكن إلا أن تصدقه وترجف مما يمثله من طبائع القسوة والإحساس بالذكورة لدي الزوج المصري عامة وبرغم قلة مشاهده في هذا الفيلم إلا أنه يصبح نقطة محورية في تتبعه أما الفيلم الثاني «تيتو» للمخرج طارق العريان فهو يفاجئك بالدور والأداء حين تكتشف وجوده وتكتشف أنه موجود لسبب آخر غير الحفاظ علي الأمن وهو أحد ضباطه من خلال اللقاء الأول مع البطل خريج السجون «أحمد السقا» وتفاجأ أنت مثل البطل تماما بأن هذا الضابط هو زعيم العصابة وقد حضر ليأخذ الغنيمة وحين يسأله السجين عن اسمه يخبره بتعبير متميز وحاسم وفذ «أنا بابا يالا» فهو أقرب عضو المافيا والأب الفاسد والزوج الشرس، وبعدها سوف تتطور تلك المعانى لتعبر عن نماذج اكثر فساداً للأبوية في العقد الماضي نماذج مركبة تجمع بين ملامح ونقائض عديدة في داخل الشخص نفسه وتحتاج لمؤد ماهر وعقل مثقف واع لما يحدث حوله من تغييرات مؤثرة علي المجتمع كله وقد كان صالح يمتلك هذه الصفات التي أهلته لأدوار أخري أكثر أهمية مثل «كمال الفولي» في عمارة يعقوبيان للمخرج مروان حامد والتي قدم فيها أحد وجوه الفساد اللامعة اجتماعيا قبل أن ينتقل إلي أهم أدواره علي الشاشة وهو دوره في «هي فوضي».


صاحب أدواره


في ذلك الزمن القريب 2007 لم يجد يوسف شاهين في آخر أعماله قبل الرحيل ممثلا آخر لديه مقومات التعبير عن شخصية «حاتم» أمين الشرطة بأحد أقسام البوليس والذي هو الحاكم الفعلي لهذا القسم برغم كل الرتب التي تسبقه فحاتم هو من يضع قانون «الحجز» في القسم ومن تتعلق به مصائر هؤلاء الذين تم حبسهم لحين التحقيقات ومن ثم فإن حياتهم رهينة سلوكيات المسئول وتطبيقه للقانون أو إعمال قانونه الخاص «حاتم» بأداء خالد صالح جاء نموذجاً للتوحش في صورة رجل القانون صورة للرغبة الدائمة في الخروج عن القانون لدي ممارسه وخلال سلوكيات صغيرة وكلمات ذات دلالات وقدرة علي تلخيص الخصام بين الشخصية والقانون رغم الزمن والمكان والفعل في نوع من الإبداع والاستيعاب الكبير للشخصية بعده ذهب خالد صالح إلي رحلة أخري مع المخرج خالد يوسف وفيلمه «الريس عمر حرب» في دور صاحب ناد للقمار قوي الشخصية مسيطر علي كل شئ وقادر علي مواجهة كل المفاجأت، ومنه انتقل إلي «كف القمر» لنفس المخرج ليقدم دور الأخ الأكبر للعائلة الصعيدية التي تفرق ابناؤها في كل مكان وأوشكوا علي الضياع الكامل، قبل أن يسعي هو لجمعهم من أجل رؤية الأم التي تحتضر. وفي هذا الدور يقدم خالد صالح أداء لافتا وسط عدد من أبناء جيله والأجيال الأحدث، وطارحاً من جديد نموذج الأخ الأكبر وما يعنيه علي المستويان الواقعي والرمزي في إطار دراما مؤسسة علي البعدين معا،غير أنه فاجأنا بدور أقرب إلي الفانتازيا من خلال فيلم «الحرامي والعبيط» الذي جمع بينه وبين خالد الصاوي عام 2012 فكان إحدى رحلاته الفنية للبحث عن الجديد بعد أن أصبح نجما، وتحرر من عبودية الدور الثاني والقوالب النمطية، وربما ساهمت الدراما التليفزيونية في هذا التحرر حين قدم من خلالها عدة شخصيات متفردة، مثل: سائق الشاحنات في «بعد الفراق» والدجال ساحر النساء في «تاجر السعادة» ثم «الريان» بإخراج شيرين عادل، وكان الممثل لدي خالد صالح هو أول من يستمتع بمحتوي الدور وملامح الشخصية ويسعد وهو يضيف إليها من خبراته الكثيرة وثقافته الفنية والإنسانية، وهو ما وصل إلي عموم المشاهدين للسينما وللتليفزيون في مصر، وفي العالم العربي، هؤلاء الذين وجودوا فيه شخصية فنية جديدة وفريدة وثرية فأعطوه من الاهتمام والمحبة ما يوازي اجتهاده ومحبته لفنه وبرغم فترة عمله القصيرة مقارنة بغيره إلا أن ما تركه صالح من أفلام ومسسلات أصبح ضمن أهم ما قدمته السينما والتليفزيون في مصر، بينما تربع هو علي راس قائمة أهم الممثلين في تاريخ الفن المصري.