أكتوبر وحكايات أغرب من الخيال

13/10/2014 - 9:38:47

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

كتب - يحيي تادرس

مقدمة لابد منها «1971 يتم تكليفي ضابطا بالقوات المسلحة وهو نظام يبيح للجيش أن يستعين بخبرات أو كفاءات معينة في عدة مجالات يختارها ويختار «أفرادها» بعد تحريات دقيقة عنهم..


وهذا ما حدث


بالطبع شعرت بالفخر أن القوات المسلحة ترشحني مجرد ترشيح للمساهمة في الحرب الوشيكة ..


وتم تدريبنا بمدرسة المشاه تهيئة لما سيحدث وكم كنت فخوراً ومتباهيا بارتدائي زي الضابط مما كان يتيح لي نوعا من الفخر حين ألتقي بأحد زملائي «الموظفين» وأحيط نفسي بقدر من الغموض والأهمية واقرأ «بالمرة» نظرات الإعجاب من البعض والحسد من البعض الآخر.


وكان الحلم والهاجس والغموض نوعاً من الاحساس بالخوف والقلق حين تتردد علي ألسن القادة كلمة الحرب.


الحرب؟


كان لفظا براقا وحلما وأملا طال انتظارهما وسببا في قيام العديد من مظاهر الاحتجاج والغضب مع تساؤل:


ومتي تحدث تلك الحرب المزعومة؟


- سؤال لم يكن أحد منا يملك الإجابة عليه


ومن شهور كنا نشعر بالفخر لارتدائنا ملابس الضباط حلم الآلاف أحلنا إلي الاستيداع بعدما أعلن الرئيس السادات أن هذا العام 1971 هو عام الضباب.


عدنا للحياة المدنية علي وعد سيتم استدعاؤكم حين يتقرر موعد الحرب «الوشيكة» مع تعليمات مشددة بالسرية المطلقة.


4 أكتوبر 1973 تم استدعائي مع زملائي لمدرسة «المشاة» وكانت مهمتي «قيادة» مجموعة لتصوير ما يعهد إلي بتغطية مهمة غامضة أين ومتي وكيف..


لا إجابة


السادس من أكتوبر لم أكن أعرف إنه يوم «الواقعة» ما شهدت كان أكثر من كل خيالاتي.. لم أكن يوما خبيراً عسكريا وبالطبع لن أكون ولكن من حقي أن أصف مشاعري.. الصدمة .. الذهول .. الإحساس بالروعة إلي حد البكاء نعم وأعترف أنني قد بكيت تحدثت إلي نفسي إذا لم يكن هناك أحد يصغي إلي أحد وأن وجد فلن يسمع إذ كان هدير المدافع يطغي علي كل الأصوات.


آلاف المقاتلين يتحركون في تناغم «مرعب» الوجوه مليئة بالغضب والإصرار ..كان هناك هدف واحد يتحركون تجاهه ..


خط بارليف والجنود يحتمون به ..ما هذا الذي أري وأشهد إنه بالقطع ليس حلما فليس هناك من الأحلام ما يبلغ هذا الذي يحدث..


كان الخط يتهاوي.. الرمال تندفع تحت «بطش» خراطيم المياه إلي القنال.. عشرات .. مئات القوارب والآليات تتحرك في طوابير ممتدة فوق كباري أقيمت بدقة مذهلة».


العبور؟


.. أحسست وأنا أشهده أنني قد ولدت من جديد وأن كرامتي بل رجولتي - إن جاز التعبير - قد عادت ليس لي وحدي بل إلي مصر.. كانت النكسة جرحا عميقا ومؤلما وصادما بالغ القسوة وكنا نحلم.


المقاهي قبل الحرب امتلأت «بالجنرالات موائدها امتلأت بخرائط وخطط واختلطت الأصوات فالكل كان يدعي المعرفة والخبرة والقدرة علي وضع استراتيجية للحرب التي لابد أن تحدث..


وها قد حدثت..


والآن اسمحوا لي أن أحكي ما اعتبره ذكريات خاصة ومثيرة لضابط «مكلف» - نقيب من فضلك بداخله بدلاً من الضبط والربط


عيونا تسمع وأذانا تشهد:


الإرادة :


تم تكليفي مع زميلي كاتب السيناريو الراحل محسن زايد بتغطية المعارك وكانت نتيجة تلك التغطيات أول فيلم تنتجه القوات المسلحة / الشئون المعنوية عن الحرب بعنوان «الإرادة»..


الأشباح:


كانت إقامتي خلال الحرب في لوكاندة «بلير» في السويس وهي قريبة من القنال أما لماذا لم تصب ولم تنهر بفعل القذائف فتلك وحدها معجزة.


وذات يوم وبعد رجوعي من سيناء احسست بضيق هائل يجثم علي صدري إذ كانت المدينة تبدو كمدينة للاشباح عمائرها التي تتعرض للتدمير كل لحظة .. كأنها مخلوقات عملاقة تتهاوي في كبرياء جريحة إلي الأرض.


دافع خفي جعلني انطلق إلي شارع المحطة بحثا عن لحظات انفرد فيها بنفسي.. لحظات وحلت الظلمة .. كان ليلا بالغ «العتمة» إلا من أشعة باهتة «للقمر» وفجأة وتلك لحظة لا يمكنني نسيانها فوجئت بثلاثة جنود يتحدثون بل ويا لدهشتي يضحكون ثم بعد خطوات لاحظت أنهم بدأوا في التلاشي.. إذ بدأت قاماتهم تختفي ببطء حتي اختفوا تماما في باطن الأرض.


بالطبع لم أصدق عيناي لولا إن المهشد قد تكرر باختفاء وتلاشي جنديين آخرين.


ما هذا الذي يحدث؟ هل هم اشباح جنود «صرعي» ؟ الخوف؟ لم يكن قط إحساسا بالخوف العادي والطبيعي - لكنه كان نوعاً من الانفصال عن الواقع واستدعاء لمشاعر غامضة عن الجن والعفاريت.


وتاه مني الاتجاه لكنني بفعل الغريزة وحدها تقدمت حيث كان الجنود.. يتلاشون وهنا تكمن المفاجأة.


إذ كان هناك «ملجأ» تحت الأرض.. هذا الملجأ كان اشبه بالمقهي حيث كان الجنود يجددون فيه نوعا من استراحة المحارب هبطت حيث كانوا يهبطون وتناولت عدة اكواب من أشهي ما شربت من «شاي صعيدي»..


الفنانون


تم تكليفي باصطحاب من يرغب من مخرجين أو مديري تصوير بالذهاب إلي الجبهة.. وكان أول من اتصلت به يوسف شاهين ..


في البداية كان شديد الحماس ولكن وقبل أن نغادر مصر الجديدة صاح متألماً من «مغص» شديد انتابه وكان لابد من العودة إلي بيته بالزمالك.


علي بدرخان - محسن نصر - جمال إسماعيل - عبدالفتاح حسين ..


كان علي شديد الحماس لخوض تلك التجربة ولكن سأبدأ بالراحل العظيم


شادي عبدالسلام...


«اتذكر كأنما بالأمس وقوفه فوق «تل رملي» في سيناء مرتديا معطفا أسود وقميصا أحمر وكان يتأمل!


يااااه إيقاع الحرب بطئ جداً


ثم هبط واتجهنا معاً إلي بقايا خط بارليف وهنا اعترف بارتكابي خطأ فادحا كاد يؤدي بحياتي»...


كانت الشائعات تتناثر أن الجنود الإسرائيلين بداخله ينعمون بحياة «مستقرة» رائعة وأن معظم طعامهم الجاف يوضع داخل «أنابيب» تشبه تلك التي تستخدم في معجون حفظ الأسنان.


كنت جائعاً واكتشفت إحدي تلك الأنابيب كما اكتشفت قطعا من «التوست» وبسرعة ملأت التوست بالمعجون ... دقيقة أو أقل ثم صرخت «كان المعجون سما للفئران وهنا تعرف شادي بسرعة كان يحمل علي الدوام حقيبة صغيرة بها العديد من الأدوية.


«بلير»


لوكاندة - السويس


كانت ليلة هائلة - الفاصل بين الحياة والموت - بأبشع وسيلة ... ونجوت بفضل الله وحقيبة الأستاذ شادي..


علي بدرخان...


كان من أكثر من عرفتهم صادقتهم زاملتهم احساسا بالمسئولية وقدرة علي تحمل المصاعب مهما كانت ومعه ومع مجموعة مديري التصوير عشنا معا لحظات خطر - كان الموت فيها كما يقولون أقرب من حبل الوريد - لكننا كنا ننظر للأمور بنظرة فلسفية فأمام شهداء المعارك كنا نشعر بأن لحظتنا لم تكن قد حانت بعد وإن حانت - فنحن لسنا بأفضل منهم.


سعاد حسني:


كانت زوجته وفي كل مأمورية لي بالقاهرة - لتسليم «نيجاتيف» ما صورناه ترسل لي معه خطاباً «أصغر خطاب شهدته في حياتي» كانت تطبق الورقة حوالي 16 مرة وليس بها سوي كلمة واحدة «الطبع عرفتموها».


علي الربابة باغني


في راديو ترانزستور كان يحمله أحد الجنود الذين خاضوا حرب اليمن وعلي رمال سيناء سمعنا هذا اللحن..


لم نبك لكننا فوجئنا بفيضان دموع ليغسل كل مخاوفنا وقلقنا وأن ما فعله الجيش بكل مقاتليه كان أروع بكثير من أي أغنية أو لحن أو مقال أو ......


كانت نشوة لا ولم ولن تعادلها نشوة


...


جروبي


بعد إحدي المأموريات وقبل عودتي فكرت في شراء كام دستة جاتوه.. «لهم»


وبعد الشراء فوجئت حين هممت بدفع «ثمنها» بالكاشير تخبرني بأن الهانم قد دفعت .. وتلفت حولي بحثا عن تلك الهانم كانت سيدة بالغة الارستقراطية - هانم حقيقية وليست كهوانم السينما- تحاول الانصراف بسرعة قبل أن أراها.. ولم تقل سوي كلمة واحدة - دي أبسط هدية أقدمها لكم..


«وكانت بالمناسبة قد أمرت» بمضاعفة كمية الجاتوه..


هذا الموقف تكرر معي كثيراً


مطاعم كنت اقصدها مع الأسرة مرتديا ردائي «الميري» ترفض تقاضي أي مقابل..


عربات تاكسي .. وحتي المواصلات العامة ... وكم كنت أشعر بالفخر..


موقف غاية في البساطة لا يمكن نسيانه ..


خلال إحدي «مأمورياتي» تعطلت العربية «الجيب» التي كانت تقلني وركبت إحدي عربات المترو - وكانت مزدحمة بطالبات إحدي المدارس الثانوية - وفوجئت بأن عدداً كبيرا منهن قد تخلي عن مقاعدهن لأجلي - وكم شعرت بالحرج - ولكن .. بالاعتزاز.


الأسري


واقعة تصلح بداية لفيلم كوميدي


كان الإسرائيليون قد جففوا ترعة الإسماعيلية بعد حصارهم «الثغرة» للسويس...


وكان موقعي فوق «تبة» تطل علي الترعة الجافة - ووقفت ذات صباح وأخذت «اتأمل» المشهد عبر «منظار مكبر» وفوجئت بأحد جنود «العدو» الذي كان معسكره يقع فوق تبة بالضفة الأخري يشير لي أن «أذهب» إليه لكنني بالمقابل أشرت له أن يأتي إلينا وبالفعل جاءوا كانوا أكثر من «11» مقاتلاً اسرائيليا أحدهم يحمل «جيتارا» ورغم التحذيرات هبطت إليهم بعد أن نزعت علامة الرتبة من علي كتفي.. وفوجئت بأن الجميع يريدون تسليم أنفسهم..


سئمنا الحرب.. نشعر نحن الأجيال الجديدة بأننا اغتصبنا أرضا ليست من حقنا إننا نرغب في هجرة مضادة من إسرائيل لماذا تخوض حربا لا أخلاقية ونحتل أرض «سيناء» لا حق لنا فيها كم نكره سياسيينا الذين ورطونا في تلك الحرب التي تزهق فيها أرواحنا بلا هدف.


وأمسك صاحب الجيتار - بجيتار- وأخذ يعزف ويغني بالعبرية أغنية ترجمها لي زملاؤه ضد الحرب وتجار السياسة والأحلام الضائعة للأجيال الجديدة.


وانصرفوا وأبلغت رؤسائي بعد إحساسي بأن هناك شيئا ما غامضا ومثيرا وبالغ الخطورة بما فعلت..


اليوم الثاني


وبتعليمات محددة من «قادتي» أشرت لهم من جديد أن يهبطوا وكان معي هذه المرة عدد من أفراد «المخابرات الحربية» وهبطوا.. لم يهبطوا جميعا ولكن بعضهم الذين يظهرون في تلك الصورة التي قام بتصويرها أحد مديري التصوير الذي كان برفقتي للأسف لا أذكر اسمه كانوا سعداء بل متلهفين لتسليم أنفسهم والفرار من جحيم الحرب..


24 كم


فوجئت ذات صباح - بأوامر صارمة أن نمضي فوراً إلي أحد المواقع بسيناء..


وكانت المفاجأة «دبابة امريكية» تم أسرها وكان مؤشر عدادها يسجل 24 كم المسافة من مطار العريش حتي الموقع الذي تم فيه اصيطادها كان جسرا هائلاً من السلاح يتدفق بعد نجاحنا في اجتياز دفاعاتهم «الخائبة» في خط بارليف وبكاء جولدا مائير بأن إسرائيل ذاتها قد أصبحت في خطر الاجتياح،...


الاسماعيلية - معسكر الجلاء


حادثة تثير الضحك الهستيري


أقمنا لأيام - في معسكر الجلاء - وكانت المشكلة الأساسية هي الفئران..


كانت تلتهم كل شئ وتحايلنا عليها برفع «أرغفة الخبز» إلي سقف العنبر - لكننا فوجئنا بها تتسلق «الأحبال» المعلقة بالسقف وتلتهم الخبز ولكن ما حدث بعد هذا كان الأكثر غرابة..


كنا نجلس «علي بدرخان وأنا» تحت إحدي الأشجار في انتظار التحرك وفجأة شهدنا ما لم نصدقه..


قط يشهد فأرا وكان القط يظن بميراثه القططي أن الفأر سيخاف ويجري فزعاً لكن الفأر «بحجمه المهول» لم يتقهقر أو يجري لكن تقدم بخطوات واثقة نحو القط الذي بدت عليه علامات عدم التصديق وأخذ القط يتقهقر مجروح الكرامة خاصة وهناك شهود «نحن» لما يحدث..


ويقفز الفأر تجاه القط .. ربما ليمحو عار آلاف الفئران الذين كانوا يشعرون بالرعب أمام القطط.. وبحركة بالغة الرشاقة يندفع القط خائفا مذعوراً جريح الكرامة منهارا «التفوق الحيواني» إلي الشجرة وعيناه تلتمسان منا إنقاذه..


كان الفأر - لولا تدخلنا - علي وشك مطاردة القط .. ضحكنا وأحسسنا بمأزق القط أمام الفأر الذي تضخم حجمه بسبب التهامه - عفوا - للجثث ودعوة لعلماء نفس الحيوان لتلك الظاهرة بالغة الغرابة..


إفطار تحت الأنقاض


كنا في شهر رمضان


وبشهامة وأرايحية .. يدعونا علي بدرخان لتناول إفطار شهي «علي حسابه» وبالفعل دفع لأحد أصحاب المسامط وكانت المطاعم ومحال الأكل والمخابز محدودة إلي حد الندرة وبعد يوم شاق - بلغ منا الجوع منتهاه عدنا ولكن فوجئنا بما أذهلنا..


كان المسمط - بل «العمارة» بأكملها قد تحولت إلي أنقاض .. وابتلعنا جوعنا أمام المأساة...


ملحوظة رغم قسوة الحر وظروف القتال - والفتاوي التي كانت تحلل الإفطار فقد كان الجميع يلتزمون الصيام - ومنهم أنا بالطبع!


سماء بالألوان الطبيعية....


كانت ليلة رهيبة - إذ تحولت السماء إلي غابة من ألوان الصواريخ والمدفعية والاضواء الكاشفة إلي مهرجان مرعب من الألوان والأصوات لم ننم بالطبع حتي فوجئت بأحد قادة «المخابرات» يأمرني بمغادرة السويس فوراً ومعي معدات التصوير وبلا نقاش .. وبدأنا في ترك السويس التي كانت علي وشك إغلاق كل منافذها بسبب الحصار الوشيك..


وفي الطريق روعنا بمشاهد الدمار والحريق والفلاحين الهاربين من القري والعزب المحيطة بالسويس بمواشيهم وبأمتعتهم «البائسة» وحين كنت أسأل أحدهم إلي أين كانت الإجابة:


علي باب الله - إذ كانوا لا يملكون مكانا سوي أي بقعة من الأرض بعيدة عن «حمي المعارك»..


24 أكتوبر


انتهت الحرب وتم تكليفي بتغطية احتفالات الجيش الثالث في السويس.. وهناك حادثان مأساويان لايزالان عالقين بذاكرتي .. إلي الجنوب أم إلي الشمال:


كنا في بداية ليل 23 أكتوبر حين انطلقنا إلي السويس


و«المستشفي العسكري»...


كنت أعرف طريقي جيداً - ولكني نسيته


سأنحرف يسارا ثم .. إلي المستشفي ولكن هاجسا أو قل نوعا غريبا من «الحدس» أن أمضي يمينا ورغم احتجاج زملائي فقد تملكني العناد ومضينا في الطريق الخطأ ومن لحظات سمعنا انفجار أحد الألغام الذي أطاح بركاب إحدي عربات الجيب بما فيه من جنود.. وكان رد الفعل غير المتوقع أن صاح سائق العربة:


طب ما جنابك عارف أن فيه ألغام موش كنت تحذرهم؟


وضحكت بهستيريا رغم المأساة


الحادث الثاني


ملوخية «ودكر بط»


صباح يوم 24 أكتوبر


مستشفي السويس العسكري


أقام «سلاح الإشارة» خط تليفون مباشرا لكافة مناطق «مصر»..


اثنان من الضباط يتصلان بأهليهما


وسمعت أحدهما يقول في مرح:


أهم حاجة أجي ألاقي ملوخية ودكر بط متزغط وبسبوسة ... كانا مرحين... يمتلئان تفاؤلا وحيوية وإحساساً طاغيا بالحياة..


كان الأتوبيس المخصص لنقلهما - علي مسافة قصيرة من المستشفي لكنهما أثرا اختصار المسافة - باجتياز إحدي الخرابات..


وبعد لحظات - ينفجر لغم يودي بهما .. ولم نسمع سوي الصراخ .. وكم بكينا إذ ينجوان من كل أهوال المعارك - ليموتا بهذا المشهد العبثي...


وقمنا بعدها بتغطية احتفالات السويس «كما هو واضح بالصورة» ... وبعد المعارك - يتم «تسريحنا» مع كلمات شكر - شعرت بأنني لا استحقها - فلم أفعل سوي ابسط ما كان يفعل أي مواطن في حرب استرداد كرامة الوطن التي ضاعت لسنوات ..


الرصاصة لا تزال في جيبي


ويتم تكليفي بأن أكون ضابط اتصال بالمنتج «رمسيس نجيب » في فيلمه «الرصاصة لا تزال في جيبي» وكانت المشكلة التي تواجهه لحظات ومشاهد العبور وعلمت بالصدفة أن أحد الفرق العسكرية المدرعة ستقوم بما يماثل العبور الأصلي في فجر الغد.


وأبلغت «رمسيس نجيب» فخر الإنتاج السينمائي المصري بالخبر وكانت الساعة تقترب من منتصف الليل..


وفي اجتماع ضم حسام الدين مصطفي وأحد المخرجين الإيطاليين المتخصصين في إخراج المعارك الحربية تم تكليف ثلاثة من مديري التصوير وسألني رمسيس :


هل ترشح لنا مديرا رابعا للتصوير حيث أن تلاحق الأحداث قد أحدث نوعا من الشلل في تفكيرهم..


واقترحت اسم صديقي «سعيد شيمي»


ويوافق رمسيس لكن يصيح في مرح


أنا ما أعرفهوش .. لكن بلغه إنه موش هياخد ولا مليم كفاية إنه هايشتغل مع رمسيس نجيب!!


وهذا ما حدث ويتمكن سعيد «من تحقيق نفسه كمصور سينمائي بالغ الإحساس والتمكن..


وبعد تصوير «العبور» يشكرني رمسيس نجيب علي ترشيحي له..


حدث - لا أدري هل أذكره - أم اتناساه:


كان لي شقيقان شاركا في الحرب


اللواء الراحل مجدي - الدفاع الجوي


وفيكتور ضابط الاحتياط بإحدي الكتائب بالبحر الأحمر ..


وتقودنا الصدفة للقاء غير مدبر


وبعدها تساءلت - من منا ستقدر له الحياة .. ومن منا سيرحل..


والحمد لله - أننا - اجتزنا الحرب بلا خسائر في الأرواح!


عزيزي القارئ


هل أطلت عليك؟


- إن كنت فعذراً .. وإن لم يكن فشكرا لأنك قرأت بعض نبضات قلبي ومشاهد ذاكرة يمتلكها حنين طاغ كل اكتوبر..


وتحية واجبة لكل من ساهم في تلك الحرب التي شهدت فيها من البطولات ما يحتاج إلي مئات الكتب والأفلام.