الوظيفة والموظفون في عالم نجيب محفوظ

01/12/2016 - 9:38:19

أحمد شامخ

الوظيفة والموظفون في عالم نجيب محفوظ هذا هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في 5/12/ 2016للكاتب مصطفى بيومي الذي يقول عن الكتاب في المقدمة لا تخفى الأهمية التي يحظى بها الموظف في التاريخ الاجتماعي المصري، ومن ثم في عالم نجيب محفوظ، الذي يعبر عن هذا التاريخ الثري طوال الفترة الممتدة منذ ما قبل ثورة سنة 1919، إلى السنوات الأخيرة في القرن العشرين.
لن يجد القارئ صعوبة في اكتشاف أن الأغلب الأعم من أبطال روايات نجيب محفوظ موظفون: أحمد عاكف في "خان الخليلي"، محجوب عبدالدائم في "القاهرة الجديدة"، حسين كامل في "بداية ونهاية"، كامل رؤبة لاظ في "السراب"، ياسين وكمال ورضوان وعبدالمنعم في "الثلاثية"، عيسى الدباغ في "السمان والخريف"، أنيس زكي في "ثرثرة فوق النيل"، سرحان البحيري في "ميرامار"، حامد برهان في "الباقي من الزمن ساعة"، إسماعيل قدري في "قشتمر"، عثمان بيومي في "حضرة المحترم"؛ وهي الرواية التي تصل إلى الذروة في تجسيدها غير المسبوق لنفسية الموظف وملامح عالم الموظفين في الواقع المصري.
في روايته الذاتية "المرايا"، يقدم الكاتب الكبير خمسا وخمسين شخصية تعبر عن كافة أوجه الحياة المصرية، منذ العشرينيات وحتى أواخر الستينيات. رجالا ونساء، مسلمين ومسيحيين، أطفالا وكهولا، يساريين ويمينيين، أساتذة للراوي وزملاء له وممثلين لأجيال تالية. منهم من يلعب دورًا مهمًا مؤثرًا في حياته، وبعضهم هامشيون لا تأثير لهم. تمتد صلة الراوي بفريق منهم ما يقرب من نصف قرن، وتنقطع العلاقة مبكرًا مع فريق آخر. هذه الشخصيات العديدة المتنوعة المتناقضة، التي تقدم في مجموعها صورة حية نابضة عن المجتمع المصري، تنتمي إلى مهن شتى، فمنهم الأستاذ الجامعي والمعلم وضابط الشرطة أو الجيش والطبيب والصحفي والكاتب والفنان والموظف والمحامي والطالب والقواد وتاجر المخدرات والسمسار والعاطل. على الرغم من الصعوبة البالغة في تحديد نسبة واضحة لكل مهنة، لأن منهم من يمارس عدة مهن، أو ينتقل من مهنة إلى أخرى، فإن الموظفين يمثلون العدد الأكبر، بما يزيد على الربع، من الشخوص الذين تحفل بهم الرواية، والروائي- الراوي نفسه يتحدث ويعلق من منطلق أنه موظف، يعاصر أجيالاً من الموظفين.
لقد عاش نجيب حياته موظفًا ملتزمًا، واستطاع أن يعكس بصدق وموضوعية خصائص عالم الموظفين، الذي تضن معرفة خباياه على غير المنتمين إليه. المعاشرة الحميمة لهذا العالم، هي التي تمكن الروائي من رصد دقائقه والتجسيد الواقعي الأخاذ، موضوعيًا وفنيًا، لكل ما فيه من سمات.
لا يكتفي نجيب محفوظ بالعرض "الواقعي" للوظيفة في مصر المعاصرة، بل إنه يعود إلى مكانة الوظيفة في مصر القديمة، وأهميتها في العصر الفرعوني. في روايته "العائش في الحقيقة"، يقول الحكيم آي– أبو نفرتيتي- لإخناتون: "عندما يأمن الموظف من العقاب سيقع في الفساد ويسوم الفقراء سوء العذاب".
لا يأمن الموظف من العقاب إلا في ظل الفوضى العارمة وضعف النظام الحاكم، وفساد الموظف يعني تعرض الجماهير التي تتعامل معه إلى عذاب حقيقي، بسبب الأهمية الكبيرة للوظيفة الحكومية وتحكمها في المصائر والأقدار.
في "حضرة المحترم"، يرتفع عثمان بيومي، أبرز أبطال نجيب محفوظ من الموظفين، بالوظيفة الحكومية إلى ذروة غير معهودة، فهو يضفي عليها قداسة خاصة، ويحولها إلى مثل أعلى وطقس ديني.
تكشف كلمات عثمان عن وعيه، ووعي الروائي، بأهمية الوظيفة والدور الخطير الذي تلعبه في الحياة المصرية: "إن الموظف مضمون غامض لم يُفهم على وجهه الصحيح بعد. الوظيفة في تاريخ مصر مؤسسة مقدسة كالمعبد، والموظف المصري أقدم موظف في تاريخ الحضارة. إن يكن المثل الأعلى في البلدان الأخرى محاربًا أو سياسيًا أو تاجرًا أو رجل صناعة أو بحارًا، فهو في مصر الموظف. وإن أول تعاليم أخلاقية حفظها التاريخ كانت وصايا من أب موظف متقاعد إلى ابن موظف ناشئ. وفرعون نفسه لم يكن إلا موظفًا معينًا من قبل الآلهة في السماء ليحكم الوادي من خلال طقوس دينية وتعاليم إدارية ومالية وتنظيمية. ووادينا وادي فلاحين طيبين يحنون الهامات نحو أرض طيبة، ولكن رءوسهم ترتفع لدى انتظامهم في سلك الوظائف، حينذاك يتطلعون إلى فوق، إلى سلم الدرجات المتصاعد حتى أعتاب الآلهة في السماء. الوظيفة خدمة وحق للكفاءة وواجب للضمير الحي وكبرياء للذات البشرية وعبادة لله خالق الكفاءة والضمير والكبرياء".
الموظف المصري هو الأقدم في تاريخ الحضارة الإنسانية، وتكتسب المؤسسة الوظيفية قداسة تضفي على المنتسبين إليها مكانة متفردة. الشخصية المصرية تعكس الطبيعة الجغرافية للمكان، والسمات التاريخية المميزة له، وفي هذا السياق لا يحفل المصريون بنموذج المحارب أو السياسي أو التاجر أو المغامر، فالبطولة كلها من نصيب الموظف، الذي يقترن عمله النمطي الروتيني بمفردات الاستقرار والأمان، وتجنب الانقلابات والقلاقل. عثمان بيومي نفسه يخلط بين الدين والوظيفة، ورحلته مع الوظيفة معادل موضوعي للتطلعات الدينية نحو السماء والفردوس والرفعة، حيث تقبع درجة المدير العام!.
تتراوح مكانة الموظف في التاريخ الاجتماعي المصري، بين التربع على القمة والسقوط في هاوية القاع. وقد تراجع سحر الوظيفة مع تغير إيقاع الحياة وتبدل القيم والمفاهيم، فبعد أن كانت الوظيفة الحكومية أشبه بالفاكهة المحرمة في عالم الفقراء، وبعد أن كانت كلمة الموظف حلم كل أم لابنها، وطموح كل فتاة في زواجها، لم يعد للوظيفة من شأن يُذكر، وتدهورت مكانة الموظف، لأسباب اقتصادية في المقام الأول.
نأمل في هذا الكتاب أن نقدم رؤية موضوعية، صادقة وافية، عن مكانة الموظف في الحياة المصرية خلال قرن كامل، وما هذه المكانة إلا التعبير عن تغيير لا يتوقف وحراك بلا ضفاف.