أبو عــمار الرمـز والأســطورة

30/11/2016 - 3:22:39

بقلم : محمد بغدادى

ماذا تريد!!


سيادة فوق الرماد!!


وأنت سيد روحنا.. يا سيد الكينونة المتحولة


فاذهب...فليس لك المكان ولا العروش المزبلة


حرية التكوين أنت.. وأنت عكس المرحلة..


فاذهب فقيراً كالصلاة


وحافياً كالنهر فى درب الحصى..


ومؤجلاً كقرنفلة..


بهذه الأبيات اختتم محمود درويش رائعته «مديح الظل العالي»، مشيعاً «أبو عمار « وهو يرتقي درجات سفينة الخروج الأول من بيروت ١٩٨٢، ومعه ما تبقى من رجال المقاومة، وما تبقى من رفاق الثورة الفلسطينية الأوائل بعد اجتياح لبنان وحصار بيروت الذي دام ٨٨ يوما، انهارت فيها كل بنايات بيروت دون أن تنهار إرادة الحياة والمقاومة عند «أبو عمار « ورفاقه، ودون أن ينال أرييل شارون، سفاح الاجتياح مآربه من غريمه التاريخي «أبو عمار «، خرج عرفات سالماً بينما وقف شارون يبتسم لمئات المراسلين والصحفيين في ميناء بيروت، والباخرة التي تحمل عرفات تبتعد في البحر، ليعلن أمام عدسات المصورين بأنه «تم القضاء نهائياً على البنية التحتية لمنظمة التحرير.. وأن عرفات يركب البحر إلى قبره «.


وعلى سطح السفينة المبحرة إلى المجهول ابتسم «أبو عمار» لرفاقه وقال من دون أن يفارقه تفاؤله ويقينه بالنصر: «الضربة التي لا تصيب الرأس.. تقوي الجسد.. إنني ذاهب إلى فلسطين «.


وبعد اثنين وعشرين عاما يخرج «أبو عمار « مرة أخرى من تحت حصار أرييل شارون من مقره الرئاسي للسلطة الفلسطينية برام الله متجهاً إلى باريس في رحلة للعلاج، ترافقه الدعوات بالشفاء وفي صحبته عدة ضمانات دولية بعودته لمقره الرئاسي بعد تماثله للشفاء..


وما بين الخروج من بيروت، والخروج من رام الله، رحلة طويلة من الأحداث والكفاح والنضال قطعها «أبو عمار « ، واصل فيها العمل الدائم ليلاً ونهاراً، متنقلاً بين عواصم العالم وبلدانها، ملتقياً بكل ملوك ورؤساء الدول من أجل قضية الشعب الفلسطيني الواضحة وضوح الشمس، منتظراً عدالة السماء وعدالة الأرض معاً، إنها رحلة طويلة قطعها الزعيم الفلسطيني الذي تحول إلى رمز وأسطورة، رحلة شاقة ومضنية، زاخرة بالأسرار والغموض والهزيمة والانتصار، والصعود والانكسار، والإثارة حتى الموت، ولكن هذه الرحلة لم تبدأ بالخروج من بيروت، ولكنها انتهت بالخروج من رام الله.


وفي رحلة الأيام الأخيرة كانت عيون الفلسطينيين ترى النهاية، ولكنها لا تريد أن تصدق أن ياسر عرفات، الزعيم والقائد والأب والمناضل الصلب والثائر التاريخي يمكن أن يبدو بهذا الوهن، بل ولا يريدون أن يصدقوا أن أبو عمار يمكن أن يمرض، فقد اعتادوا عليه ان يكون «سيد النجاة» كما أطلق عليه الشاعر محمود درويش، فقد نجا من عشرات المحاولات لاغتياله، ونجا من القصف، في حي الفكهاني ببيروت حين كان بحسه الأمني العجيب، يتنقل بين المقاتلين بخفة شاب في العشرين، حاملا سلاحه الشخصي، يقاتل معهم من خندق إلى خندق بشجاعة فدائي مؤمن بعدالة قضيته، وقلب جسور لا يعرف الخوف، ومن حوادث سقوط الطائرة لانقلاب السيارات... ولم يضعف يوما أمام أي ضغط أو حصار أو استهداف.


لكنه أقعده المرض الغامض، حيث تحوم الشكوك حول تسميمه، وتتباين التقارير التي يسمعها الناس، في انتظار النتيجة النهائية للجنة تقصي الحقائق حول مرضه ثم وفاته بباريس.


مرارة الخروج.. وبدايات التكوين


في الأول من أغسطس عام ١٩٢٩ انعقد المؤتمر الصهيوني السادس عشر في مدينة زيورخ بسويسرا، وفي أولى جلساته دعا اليهودي الروسي المولد فلاديمير زئيف جابوتنسكي إلى ضرورة إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن، وكان جابوتنسكي صهيونياً متطرفاً، فقد بادر قبل المؤتمر بفترة بتشكيل مجموعة عمل صهيونية سرية مسلحة تسمى «الهاجاناه «. أشعلت هذه الدعوة نار الغضب في قلوب الشعوب العربية، فاندلعت الاضطرابات والمظاهرات مستنكرة بشدة دعوة جابوتنسكي لإقامة دولة يهودية في فلسطين.


وبعد ثلاثة أيام من هذه الاضطرابات وبالتحديد في الرابع من أغسطس ١٩٢٩ ولد الطفل ياسر عرفات، في وسط هذه الأحوال المضطربة بمدينة القدس القديمة في بيت أسرة والدته «زهوة « بجوار الجزء الشرقي من الحرم الشريف، وكانت أم زهوة جدة ياسر عرفات هي السيدة أميرة، ووالدها هو سليم أبو السعود، وقد ولدت زهوة في سنة ١٨٩٦ ميلادية، وينتمي والدها لعائلة فلسطينية شهيرة كانت تسكن القدس منذ مئات السنين، أما جد زهوة لأمها «موسى عرفات « فهو ينتمي إلى عائلة زوجها، وكانت عائلة موسى عرفات تمتلك أراضي وبيوتا ودكاكين في القدس وغزة ورام الله، ولزهوة شقيق واحد هو سليم، ولها من جهة الأم أخان وأختان هم محمد، وعبد الرحيم، وسلمى، وزكية يحيى الإمام، عاشت زهوة سنوات طفولتها وصباها في بيت الأسرة بالقدس الشريف وألحقها والدها بمدرسة في القدس، وتركت دراستها لتتزوج من عبد الرؤوف داود عرفات، وهو من مواليد القدس عام ١٨٩٠. وكان والده داود نقيباً للأشراف في غزة ويدير أملاكه في فلسطين ومصر، أما أعمام ياسر فكانوا ثلاثة إخوة لداود وهم حافظ، ومحيي الدين، وراغب. أما عمتاه فهما كوكب وصلوحة. وأما جدة ياسر عرفات أم أبيه فهي السيدة زليخة عرفات القدوة الحسيني. وكان عبد الرؤوف والد ياسر قد تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في غزة، ثم أكمل تعليمه بعد ذلك في اسطنبول، حيث التحق بالأكاديمية التركية للشرطة العسكرية، وعاد ليعمل في القدس عام ١٩١٢. وفي عام ١٩١٤ تزوج عبد الرؤوف عرفات من زهوة سليم أبو السعود. وأقاما في منازل أبو السعود بالقدس وأنجبا أربعة أولاد وثلاث بنات، هم على الترتيب إنعام وجمال ويسرا ومصطفى وخديجة وياسر وفتحي. وقد ولدت البنت البكرية عام ١٩١٦ وهي إنعام عرفات التي عرفت فيما بعد بالحاجة إنعام «أم المؤمنين».


وفي بدايات عام ١٩٢٠ بدأ والد ياسر عرفات في التردد على القاهرة لمتابعة ممتلكات العائلة، وعندما ازدادت مشكلات المتابعة تعقيداً، اضطر إلى قضاء وقت أطول في القاهرة إلى أن انتقل إليها بشكل شبه نهائي. ولأن عملية إنجاب الأولاد تتم في بيوت عائلة زهوة بالقدس وفقاً للعادات والتقاليد التي كانت سائدة آنذاك، فقد كانت زهوة تسافر للقدس لتضع أطفالها في بيوت آل أبو السعود لتلقى رعاية أمها ونساء الأسرة، ثم تعود بعد ذلك لتقيم في القاهرة. هذا ما حدث عند مولد ياسر عرفات، إذ إن زهوة حضرت من القاهرة لتضع مولودها السادس في منزل العائلة بالقدس وعادت بعد ذلك للقاهرة. وبعد ثلاث سنوات جاءت مرة أخرى لتضع مولودها السابع والأخير وهو فتحي عرفات، وبعد ولادته بثلاثة أشهر رحلت الأم زهوة وهي في السابعة والثلاثين من عمرها، بعد أن أصيبت بأحد الأمراض.


وعندما توفيت زهوة لم يكن ياسر عرفات قد بلغ الرابعة من عمره بعد، وعقب وفاتها طلب شقيقها سليم من زوجها أن يعيش ابناها ياسر وفتحي تحت رعايته في بيت عائلة أبو السعود في القدس، في محاولة لتخفيف العبء عن أسرة عبد الرؤوف عرفات من ناحية، ولأن سليم وزوجته لم يرزقا بأطفال من ناحية أخرى، ومن أجل رعاية باقي أشقائها توقفت الابنة الكبرى إنعام عن إتمام دراستها بالمرحلة الثانوية، وربما أسهمت هذه البداية المأساوية المبكرة في صقل الطفل ياسر عرفات، وأظهرت قدراته الخاصة على تحمل المسئولية برجولة مبكرة منذ اليوم الأول الذي بدأ بالاضطرابات والمظاهرات، حتى فقدانه لأمه في سنواته الأولى، وابتعاده عن أخته وأبيه. وقد اعتبر نفسه هو المسئول الأول عن شقيقه الأصغر فتحي عرفات، ولذا اعتبره فتحي أنه المعلم الأول والأخ الصديق والوالد، منذ أن عاشا معاً في بيت خالهما سليم أبو السعود بالقدس، وحتى بعد تخرجه من كلية طب الأسنان بالقاهرة، إلى أن صار عضواً مؤسساً في حركة «فتح «، ثم رئيساً لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.


من القدس.. إلى القاهرة بقى الأخوان ياسر وفتحي في بيت خالهما سليم أبوالسعود بمدينة القدس حتى عام ١٩٣٧، وكبر ياسر حتى صار عمره ثماني سنوات، وكبر فتحي وبلغ الرابعة من عمره، وخلال تلك السنوات شهدت مدينة القدس اضطرابات عظيمة بسبب تزايد هجرة اليهود إليها، إلى أن بلغ العنف مداه في عام ١٩٣٦، حيث شهد هذا العام الانتفاضة الأولى للشعب الفلسطيني، خلال تلك السنوات بدأ وعي الطفل ياسر عرفات يتشكل ويتبلور في اتجاه معرفة الحقائق الأولية، ذلك عندما اقتحم الجنود البريطانيون المدججون بالسلاح منازل قادة الانتفاضة الفلسطينية، وكان بيت سليم أبو السعود واحداً من هذه البيوت، وكان سليم واحداً من هؤلاء القادة، يومها رأى ياسر عرفات بأم عينيه جنود الاحتلال وهم ينتشرون في كل أرجاء المنزل، ويقبضون على خاله سليم. وقد أوسعوه ضرباً قبل أن يقيدوه بالسلاسل ويصطحبوه معهم إلى حيث لا يعلم. يومها عرف الطفل ياسر عرفات أنه يعيش في وطن محتل، اسمه فلسطين، يتآمر عليه الصهاينة والانجليز معاً، وبعدها بفترة عاد سليم إلى منزله، ولكنهم - أيضاً - عادوا بعد فترة يطلقون عليه الرصاص من نافذة البيت ليستشهد أمام عينيه.


العودة للقاهرة... السكاكيني


٥ شارع طور سيناء


لم يعد لبقاء ياسر وأخيه معنى بعد ذلك، فقد أحدقت بهما الأخطار وهما بعيدان عن أبيهما وأختيهما. وفي عام ١٩٣٧ بدأت تفاصيل الرحلة الأولى، والخروج الأول من القدس، كان خالهما الثاني راجي أبو السعود وزوجته ثريا قد اصطحبا الطفلين ياسر وفتحي في رحلة طويلة بدأت بركوب قطار الشرق السريع الذي كان يأتي مقبلا من إسطنبول ماراً بدمشق ثم القدس، ومن القدس ركب ياسر وأخوه فتحي مع خالهما راجي وزوجته متجهين إلى غزة، ومن غزة إلى خان يونس ورفح باتجاه صحراء سيناء حتى وصلا إلى قناة السويس، حيث توقف القطار في القنطرة وعبروا القناة في إحدى «المعديات «. ومن القنطرة إلى القاهرة رأساً حيث كان في انتظارهم الأب عبد الرؤوف عرفات وبصحبته باقي أشقاء ياسر. وكان فتحي يلتقي بوالده لأول مرة، وفي حي السكاكيني وفي العقار رقم «٥ « بشارع «طور سيناء « بدأت الفصول الأولى من رحلة ياسر عرفات. فقد التحق ياسر بالصف الأول الابتدائي بمدرسة «مصر «، وأكمل فيها دراسته حتى المرحلة الثانوية، إلى أن تخرج منها ودخل كلية الهندسة بجامعة القاهرة. وهناك سنبدأ من جديد تفاصيل رحلة أخرى تدفعه إلى الصفوف الأولى للنضال من أجل تحرير فلسطين.


أولى المعارك.. وبداية الكفاح المسلح


وعلى لسان «أبو عمار « نفسه يروي لنا أسرار بداياته فيقول «حين كنت في السابعة عشرة من عمري كتب القدر أن أكون ـ رغم صغر سني ـ أحد المناضلين الذين يقاتلون في الجيش الفلسطيني الذي تكون بإشراف الهيئة العربية الفلسطينية العليا تحت قيادة المناضل عبد القادر الحسيني، حيث عملت في هذا الجيش قبل أن يتحرك لميدان القتال في عدد من المهام الصعبة بما فيها جمع الأسلحة من الصحراء الغربية المصرية في عدة مواقع كالعلمين والحمام والسلوم، وفي نفس الوقت لم تكن هناك تسهيلات كافية من المسئولين في ذلك الحين، وكان والدي تاجراً في فلسطين وأتينا إلى مصر قبل النكبة وكنا نعيش في القاهرة. وتركت دراستي وانضممت إلى الجيش وذهبت إلى فلسطين. وعلى الرغم من أنني تركت فلسطين قبل النكبة الكبرى، إلا إنني عدت إليها كمقاتل ضمن هذا الجيش.


ويتابع «كان هذا الجيش الذي انضممت إليه يعرف في ذلك الوقت باسم «جيش الجهاد المقدس « وهو الذي شكلته الهيئة العربية الفلسطينية العليا، وكان بجانبه جيش جامعة الدول العربية اسمه «جيش الإنقاذ « وقائده فوزي القوقجي، وكان هذا قبل أن تدخل الجيوش العربية فلسطين.. أما جيش التحرير فتشكل عام ١٩٦٤ وتقرر تكوينه في جلسة الجامعة العربية التي انعقدت بالإسكندرية وصدر قرار بذلك يوم ٥/٩/١٩٦٤ بتشكيل جيش التحرير الوطني الفلسطيني وكانت بداياته ودعائمه الكتائب التي أنشأتها مصر باسم الكتائب الفلسطينية في الجيش المصري «.


كان أبو عمار في دمشق هو ومعظم قيادات «فتح « عشية الخامس من يونيه ١٩٦٧ في قاعدة عسكرية قدمتها السلطات السورية لأبو عمار ورفاقه تسمى «قاعدة الهامة «، وكان أبو عمار يشرف بنفسه على تدريب ما يقرب من ٤٠٠ فدائي، وما إن نشبت الحرب حتى تسرب معظمهم خلف خطوط العدو بقيادة ياسر عرفات نفسه حيث كان يحاول إعاقة القوات الإسرائيلية، وخلال يومين من بداية العمليات الحربية تكشفت للجميع الحقيقة المفجعة فقد انهزمت الجيوش العربية واحتلت القوات الإسرائيلية سيناء والجولان وغزة والضفة الغربية، وضاع آخر أمل كانت تنشده الأمة العربية لاستعادة الأرض الفلسطينية السليبة، بل ضاعت أيضاً الضفة الغربية وغزة. عاد ياسر عرفات ورفاقه مسرعين من جبهة القتال إلى دمشق والإحباط يخيم على الجميع، فإذا بعبد الناصر يعلن عبر شاشات التليفزيون عن تنحيه ومسئوليته عن الهزيمة، فلم تعد الهزيمة عسكرية فقط. بل وسياسية أيضاً. وكان سقوط عبد الناصر يعني بالنسبة لياسر عرفات وقيادات فتح نهاية كل أمل. فالفرح العارم الذي تلقى به الإسرائيليون استقالة عبد الناصر أقنع حركة فتح وقادتها بأن تأييد عبد الناصر في محنته سيعد رمزاً لرفض الأمر الواقع وتحدياً للهزيمة والإصرار على المقاومة. وقامت الجماهير العربية في مصر والعواصم العربية بإعادة عبد الناصر للحكم، وما إن سحب عبد الناصر استقالته حتى دعا ياسر عرفات إلى عقد مؤتمر عاجل لحركة فتح في دمشق في ١٢ يونيه لمناقشة «جدوى وملاءمة استئناف الكفاح المسلح الآن»، وانتهى الاجتماع بعدة قرارات كان أهمها الموافقة على أن يتسلل ياسر عرفات وعدد من «الكوادر « خلسة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة لتعديل وتوسيع جهاز حركة فتح السري داخل الأرض المحتلة بهدف استئناف الأعمال الفدائية، واتخذت كافة التدابير لإقامة قواعد فدائية على طول خطوط وقف إطلاق النار بطول نهر الأردن وفي جنوب لبنان. وتم الاتفاق على توجيه نداء لجميع المناضلين لجمع السلاح الذي تركته الجيوش العربية في ساحات القتال وإرسال وفود من قيادات فتح إلى أربعة بلدان عربية بهدف إجراء مشاورات حول استئناف الأعمال الفدائية وكانت هذه البلاد هي مصر وسورية والعراق والجزائر.


وعندما وصل فاروق قدومي وصلاح خلف «أبو إياد « للقاهرة استقبلهما محمود رياض وزير الخارجية المصري آنذاك ورئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل، ولم يتمكنا من مقابلة عبد الناصر. وأيد هيكل استئناف الأعمال الفدائية ولكنه أبدى بعض التحفظات إزاء حركة فتح بشكل عام قائلاً: «نحن لا نعرف عنكم إلا القليل. والملف الذي فتحته مخابراتنا حول قوات العاصفة مازال فارغاً. والقناع الذي تتقنعون به يحيرنا. ولكن على أي حال فإن قدرتكم على التكتم والتخفي حتى الآن هي مؤشر على جديتكم».


ظل أبو عمار داخل الأراضي المحتلة متخفياً، وأرسل خلال إقامته عدة تقارير لقيادة فتح، أكد فيها أنه لاحظ أن الهزيمة العربية لم تنَل من عزيمة أهالي الضفة الغربية وغزة. وأنهم يؤيدون متابعة النضال بكافة الوسائل. ولم يجد أي صعوبة هو ورفاقه في التنقل من مكان إلى مكان. بل إنه استطاع أن يدخل إلى مسقط رأسه في القدس وكذلك تل أبيب.


من معركة الكرامة.. إلى أيلول الأسود


ظلت فتح تواجه العدو بأسلحتها البسيطة خلال الأشهر الأولى التالية لحرب ١٩٦٧. أما «جبهة الرفض» من الفصائل الفلسطينية الأخرى فلم تقدم شيئا، وكان وضع أبو عمار وقيادات فتح يزداد رسوخاً وثقة. أما في الأردن فإن هزيمة ١٩٦٧ فتحت لأبي عمار والمقاومة آفاقاً جديدة لنمو وتطور التواجد الفلسطيني. ونجح أبو عمار في إقامة علاقات ودية مع النظام الأردني اكتسب خلالها تعاطف وتأييد الملك حسين فقام بالإفراج عن مئات الفلسطينيين المعتقلين في سجون الأردن. وتغاضى الملك حسين عن عمد عن القواعد التي أقامتها فتح على امتداد نهر الأردن لتكون نقاط معاونة وإسناد للفدائيين. وخلال هذا الجو الودي العام تنامت المؤازرة للمقاومة الفلسطينية من المواطنين الأردنيين من دون تدخل من القوات الأردنية.


وبلغ التعاون والتنسيق بين الأردنيين ورجال فتح ذروته في ١٨ مارس «آذار»، عندما أخبر رئيس أركان الجيش الأردني عامر خماش أبو عمار بأن إسرائيل تستعد لشن هجوم واسع النطاق على قواعد المقاومة بطول نهر الأردن. خلال ثلاثة أيام من الآن. وقال عامر خماش لأبو عمار ناصحاً «إن الحكمة تقضي بأن يتلافى الفدائيون أية مواجهة مع العدو الذي سيعبر نهر الأردن بقوات كبيرة. وعلى الفدائيين أن ينسحبوا إلى داخل الأراضي الأردنية. وأن قيادة فتح سترتكب خطأ جسيماً إذا ما عرضت نفسها لضربات العدو. وعلى فتح أن تحافظ على قدراتها البشرية المدربة».


وطرح أبو عمار الأمر على رفاقه في قيادة فتح، فاجتمعوا مع اللواء عامر خماش، ودار نقاش طويل حول البقاء لمواجهة العدو والانسحاب لداخل الأردن. وكان رأي خماش أن قانون حرب العصابات يحتم عليهم أن ينسحبوا وأن فاعليتهم مرهونة بقدرتهم على الحركة والكر والفر للحفاظ على أرواح المقاتلين، ومن المنطقي ألا يخوضوا معركة غير متكافئة مع جيش نظامي قوي مدعوم بأسلحة متقدمة ومتنوعة، ويروي أبو عمار: «أن المناقشات امتدت لساعات طويلة ولاعتبارات سياسية ومعنوية قررنا أن نعطي الأمثولة وأن نبرهن على أن العرب أهل للشجاعة مخالفين بذلك نصائح رئيس الأركان الأردني»


عاد أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد لقواعدهم في الكرامة واستدعوا جميع المسئولين العسكريين، وكان هناك إجماع على المواجهة وطلبوا من أعضاء القيادة أن يغادروا المكان فوراً كإجراء أمني لحماية القادة. ولكن أبو عمار رفض الاقتراح وقرر البقاء للمشاركة في المعركة جنباً إلى جنب مع المقاتلين وبقي معه أيضاً فاروق قدومي وصلاح خلف وأبو جهاد وقال أبو عمار يومها «نطعم لحومنا لجنازير الدبابات. ولا نهرب من معركة الكرامة «.


وبعد ثلاثة أيام من تحذير رئيس الأركان أي في ٢١ مارس «آذار « ١٩٦٨ يروي أبو عمار «أيقظنا أحد الفدائيين عند الفجر ليعلمني ببدء الهجوم الإسرائيلي. وكنت أنام بملابسي كاملة. ولكنني استطعت أن أميز صوت أرتال المصفحات وهي تجتاز نهر الأردن تتبعها تشكيلات المشاة. وبعدها بدأت المدفعية بالقصف المركز على مواقعنا، فيما كانت الطائرات المروحية تلقي بالمظليين خلف خطوطنا «.


قدرت القوات المهاجمة بألف وخمسمائة جندي إسرائيلي وكان على رجال فتح أن يدافعوا عن الكرامة العربية بأقل من ٤٠٠ مقاتل فقط. والحق يقال إن اللواء مشهور قائد المنطقة الأردني أصدر أوامره إلى المدفعية الأردنية بالرد على القصف الإسرائيلي. واستقبلت الدبابات الإسرائيلية بنيران غزيرة من بنادق «آر. بي. جي « والقنابل اليدوية وهبط الفدائيون من الجبال والتحموا بالقوات الإسرائيلية وجهاً لوجه وجسماً لجسم بالبنادق والأسلحة البيضاء. وقام بعضهم بعمليات انتحارية. وتواصلت المعارك حتى اقتربت الشمس من المغيب. وفي آخر ضوء بدأت القوات الإسرائيلية في الانسحاب وإخلاء جرحاهم وموتاهم. وكانت خسائرهم مرتفعة بالنسبة لما خاضوه من معارك سهلة قبل ذلك. فقد سقط منهم ثلاثون قتيلاً ومائة جريح حسب بياناتهم الرسمية. وأكد شهود العيان أن قتلاهم كانت أكثر من ذلك بكثير. واستشهد من رجال المقاومة البواسل ٩١ شهيداً دفن منهم ٦٧ في مقبرة جماعية للشهداء في الكرامة و٢٤ في مدافن الشهداء بعمان. وإذا بالعالم كله يحتفي بأبطال معركة الكرامة واعتبروها نصراً عظيماً. وتوافد عشرات الآلاف من كبار الشخصيات على الأردن مدنيين وعسكريين لتحية جنود المقاومة وتقديم واجب العزاء في أبطال الكرامة. وبدأ عشرات الآلاف من الشباب والشيوخ يسعون للانتساب لفتح. وفتحت مكاتب للمتطوعين من كل الدول العربية.


وبدأت العمليات الفدائية تزداد وارتفعت المعدلات من ١٢ عملية شهرياً عام ١٩٦٧ إلى معدل ٥٢ عملية شهرياً عام ١٩٦٨ ثم ١٩٩ عملية شهرياً في ١٩٦٩. ثم إلى ٢٧٩ عملية في الأشهر الأولى لعام ١٩٧٠ قبل أحداث أيلول الأسود. وانتزعت النساء إعجاب العالم كله لما أبدينه من شجاعة وانخراط في العمل الفدائي. وقمن بأعمال دقيقة ومهام صعبة لنقل الأسلحة وتم اعتقال عدد كبير من النساء وأظهرن شجاعة أدهشت الإسرائيليين، ولكن للأسف الشديد هذا الانتصار كان وبالاً على المقاومة بسبب رعونة بعض الكوادر وقيادات المنظمات والفصائل المغالين في رؤيتهم للواقع وعدم إدراكهم لطبيعة الظروف الذاتية والموضوعية التي تحيط بهم. وافتقادهم للرؤية السياسية الصحيحة وعدم القدرة على فهم طبيعة المرحلة الدقيقة التي كانت تمر بها المقاومة الفلسطينية.


أبو إياد يتنبأ بالكارثة


بعد معركة الكرامة التقى جمال عبد الناصر بأبو عمار وعدد من رفاقه في القاهرة وأخذ يسألهم على مدى أكثر من ساعتين عن تأسيس فتح وأيديولوجيتها ومصادر تمويلها، ونشاطها، ووعدهم بتقديم الأسلحة اللازمة وتأمين تدريب الفدائيين في مصر.


ولكن نتائج معركة الكرامة أزعجت السلطات في الأردن الذي يمثل الفلسطينيون نصف سكانه. وكذلك انزعجت الحكومة اللبنانية لأن ١٢٪ من سكانها فلسطينيون أيضاً، وعلى الرغم من أن فتح كانت تمر بعصرها الذهبي وسنوات الزهو والكرامة، إلا أن بعض فصائل المقاومة والتنظيمات اليسارية وبالتحديد الجبهة الشعبية التي يرأسها جورج حبش، والديمقراطية التي يرأسها نايف حواتمة لم يعتنقوا «أيديولوجية « فتح في عدم التدخل في شئون الأنظمة العربية وخاصة الدولة المضيفة. هذه التنظيمات التي كانت ترفض أن تخوض مع فتح معاركها مع العدو الصهيوني من خلال الكفاح المسلح كانت ترى ـ وقد أغرتها القوة ـ أن النظام القائم في الأردن ينتمي إلى الرجعية بما لا يتناسب مع وجود الثورة على هذه الأرض، بل كانت هذه التنظيمات تغالي باعتقادها أن المواجهة مع النظام الأردني ضرورة لتغييره «!! « ويلخص الكاتب الفرنسي «إريك رولو» رأي أبو إياد الذي تنبأ بالكارثة قبل وقوعها حين كتب يقول «كانت التصريحات الاستفزازية المتغطرسة للقادة الفلسطينيين تميل إلى التأكيد بأن السلطة الأردنية تعيش أيامها الأخيرة. وهذا معناه أن الفدائيين يسيرون نحو الكارثة. وأن الثورة الفلسطينية التي نفخت الصحافة قوتها لن تصمد أمام قوة الملك حسين، لذلك فنحن لا بد أننا نسير نحو الكارثة «.


وجاءت الكارثة بالفعل أسرع وأفظع مما يتصور الجميع وخارج كل التوقعات وتمت تصفية المقاومة. أما الملك حسين فقد كان مصراً على أن ينال بنفسه من عرفات، لولا لجوئه إلى السفارة المصرية وهروبه مرتدياً زياً كويتياً مع القادة الكويتيين الذين جاءوا بصحبة الرئيس السوداني جعفر نميري. وجاءوا جميعاً للقاهرة، وقام عبد الناصر بجهد رهيب لعقد معاهدة الصلح بين الملك حسين وأبو عمار. وفي آخر لحظات المؤتمر وعبد الناصر يودع أمير الكويت سقط عبد الناصر ميتاً، أنقذ المقاومة ومات هو. ودخلت بعد ذلك المقاومة في نفق معتم، ما بين الخروج من الأردن إلي لبنان، منها إلى تونس، وبين الخروج من تونس والدخول إلى فلسطين. ومن فلسطين إلى فرنسا. حيث يدخل عرفات في غيبوبته الطويلة، وفي أيام قليلة يغيبه الموت، وكل شيء غير محدد الملامح، وكأن عرفات الذي ظل طوال عمره يلعب لعبة التوازنات، قرر أن يرحل وكل شيء مختل في الميزان، خاصة على الساحة الفلسطينية. ورحل يكتنفه الغموض بعد أن نجا بأعجوبة من أكثر من ١٥ محاولة اغتيال دبرها له الموساد. رحل عرفات وترك الكثير من الأحزان. وسواء اتفقت أو اختلفت معه، إلا أنه آخر رجال الثورات الشعبية المقاتلين الذين من الصعب أن يتكرروا.