ياسر عرفات فى مرايا مصرية وذكريات شخصية

30/11/2016 - 3:19:13

بقلم : براء الخطيب

أيقظني من نومي صوت رنين هاتفي المحمول، التقطت نظارتي ونظرت لشاشة الهاتف كان رقما لا أعرفه، ولما كنت لا أرد على أي رقم مجهول بالنسبة لي لذلك فقد فكرت في عدم الرد ومددت يدي لأعيد الهاتف إلى مكانه لكن سببا خفيا جعلني أتراجع وأرد على المكالمة المجهولة، بين النوم واليقظة سمعت صوتا هادئا وعميقا يحييني ويخبرني بأن إدارة تحرير «مجلة المصور» اختارتني لأكتب مقالا عن الزعيم الفلسطيني الشهيد «ياسر عرفات» لتنشر في الملحق الخاص عنه الذي تزمع «مجلة المصور» إصداره عن الزعيم الفلسطيني الراحل، يا ألطاف الله، ما كل هذه الفرحة التي انتابتني، مجلة مصرية تنوي إصدار ملحقا خاصا عن زعيمي الذي رحل عن دنيانا وهو حزين لعدم تحقق أمله في دولته الفلسطينية، طبعا رحّبت بالكتابة بكل الاحترام وبكل التقدير اللازم بل والعرفان بالجميل لمجلة قررت عمل ملحق عن واحد من أهم زعماء وقادة ثورات العالم على مدار التاريخ الإنسانة كله، وعندما جلست إلى مكتبي لأبدأ التحضير لكتابة المقال حتى هاجمني هاجس أقلقني قليلا ملخصه أن كثيرين من كبار الكتاب سوف يكتبون عن «ياسر عرفات» وعن تاريخه ويحللون شخصيته ومواقفه من جميع الجوانب، ولذلك فقد قررت الكتابة عن الزعيم الفلسطيني الشهيد بما أعرفه أنا شخصيا عنه وبإحساسي الشخصي به، وبشكل غير مباشر، وذلك بالكتابة عن علاقة «ياسر عرفات» الشخصية بمن اقترب منه من المصريين، لتظهر شخصية الزعيم الفلسطيني منعكسة في شخصيات مصرية عاصرته واقتربت منه لتكون بمثابة مرايا خاصة تظهر منعكسة فيها صورة حقيقية عن «ياسر عرفات»، وقد لا نكتب كثيرا عن ياسر عرفات ولكنا سوف نكتب عن شخصيته منعكسة في المرايا وعن مرحلة من عمر الوطن حيث يكون الكلام عن هذه المرحلة كلاما عن ياسر عرفات - حتى ولو كان بشكل غير مباشر -


كما عرفته وأنا فتى فى مقتبل العمر أنا الكهل الآن الذى اقترب من تخطى السبعين عاما، وما هى إلا لحظات حتى بدأ الكهل ينسحب داخل كهف ذكرياته فيفتح العشق مغاليقه، واجتاحته ملامح الفتى»الذى كان قد خلّف وطنه «مصر المحروسة» خلف ظهره، وحملته السفينة إلى ميناء العقبة: كان الفتى – يومها - فى السابعة عشرة من العمر، واستطاع «الفتى» الفقير الحصول على «جواز سفر» مزور لا يحمل اسم «الفتى» الحقيقى بل اسم اختاره له المزور، واستطاع «الفتى» مغادرة مصر المحروسة على ظهر سفينة بحرية إلى ميناء «العقبة» بالأردن، ووصل»الفتى» إلى «العقبة» ومنها إلى «عمان» الرحيمة، حيث دلّه بعض الناس الطيبين على وسط المدينة ليجد لنفسه عملا يقتات منه، وإلى جوار جدار «المسجد الحسيني» تعرف على «كايد» بائع الجرائد، واصطحب «كايد» الأردنى صديقه «الفتى المصرى» إلى مقهى فى مواجهة المكان الذى كان يتخذه «كايد» مركزا لبيع جرائده فى ناصية شارع اسمه «بسمان»، وكان المقهى يحمل فوق مدخله لافتة كتب عليها «مقهى الجامعة العربية» ويذيع الأغانى المصرية بصوت عال للمطربين أمثال «محمد رشدي» و «عبدالحليم حافظ» و «فريد الأطرش» من جهاز التسجيل، لكن «عم أبو محمد الهنداوي» المشرف على المقهى دائما ما يخفض صوت «فهد بلان» وهو يزعق بصوته الجهورى مغنيا «واشرح لها» أو «ركبنا على الحصان» أو «يا سالمة» وبالذات فى أوقات الأذان الذى كان يأتى من المسجد الحسيني، قضى «الفتى» أيامه يعمل فى نظافة المقهى ويعاون النادل فى تقديم الأرجيلة والطلبات للزبائن نظير ثمانية دنانير شهريا، حيث كان ينام فى المقهى فوق كنبة خشبية فرش فوقها سجادة سميكة، وفى النهار كان «الفتى» يقوم بتوصيل «المشروبات» إلى محلات الإلكترونيات التى تبيع أجهزة الراديو والكاسيت أو إلى مشاغل الأحذية و «الكندرجية» مثل المعلمين «عاشورى» و «بوغوص» أو «المحمصة» التى كانت فى مدخل «طلعة قبرطاى»، وفى مساء بعض الليالى كان يدخل سينما «رغدان»القريبة من المقهى والتى كان يفضلها عن سينما «بسمان»، لأنها كانت تعرض الأفلام الهندية المليئة بالرقص والراقصات والأغانى بالألحان ذات الإيقاعات التى كانت ترّقص الحجر، وربما كان «الفتى» بعد خروجه من سينما «رغدان» يدخل من باب «الكيت كات» ليخطف له مشروبه الساقع الذى كان يكلفه سبعة قروش مع طبق من الترمس قبل أن يذهب إلى النوم فوق الدكة الخشبية فى مقهى «جامعة الدول العربية»، وفى لحظة مفصلية فى حياة «الفتى» أشبه بلحظات القدر فى التراجيديات اليونانية طلب «عم أبو محمد هنداوي» من «الفتى» أن يحمل صينية كبيرة من النحاس الأصفر عليها كمية كبيرة من «المنسف» بقطع اللحم الشهية، وأن يذهب بها إلى المطبعة الموجودة على الدرج فى طلعة «قبرطاى»، التى كانت تطبع بعض الجرائد، وطلب «عم أبو محمد» من «الفتى» تسليم صينية المنسف للقائد الفلسطينى «وليد» الذى حضر للمطبعة تحية له، وحمل «الفتى» صينية المنسف وتقابل مع القائد الفلسطينى «وليد “وعرف «الفتى» أن القائد الفلسطينى قد حضر اليوم للمطبعة لتسلم الأعداد التى تم طبعها من جريدة «فتح» التى تصدرها «حركة التحرير الوطنى الفلسطيني»، ومن هذا اليوم وبعد عدة لقاءات مع القائد «وليد» وحوارات مطولة وحكايات عن «فلسطين» و»مصر» واعتراف من»الفتى» للقائد الفلسطينى بحقيقة اسمه وجواز سفره المزور، من هذا اليوم لم يفارق «الفتى» الأخ «وليد نمر» الذى اكتشف «الفتى» بعد مدة قصيرة أنه القائد الفلسطينى»أبو على إياد»، ولم يعد بعد ذلك إلى»مقهى جامعة الدول العربية» وحمل «الكلاشينكوف “وسكن فى»مخيم الوحدات» فى بيت «أم رزق» مع مجموعة من الشباب فى مثل سنه كان أقربهم إليه «أنسى اليمنى» الذى لم يكن هذا اسمه الحقيقى فقد كان اسمه «عائض» لكن «أبو على إياد» هو من منحه هذا الاسم، أخذ منه الأخ «أبو على» جواز سفره المصرى المزور وأعطاه بطاقة هوية صادرة من «الكفاح المسلح الفلسطينى» عليها صورته تحمل تصريحا دائما، وكان أقوى من كل بطاقات الهوية «حتى الأردنية» وكان «هشام المصرى» اسما منحه له «أبو على إياد»، كما منحه خمسة وثلاثين دينارا راتبا فى الشهر وتعاهدا - على كتاب الله ورغيف خبز وكلاشينكوف -ألا يتحدث مع أى مخلوق أو كائن من كان عما يراه أو يسمعه منذ هذه اللحظة وإلى أن يموت، وبعد شهرين نقله «أبو على إياد» ومعه صديقه «أنسى اليمنى» فى سيارته إلى «عجلون» فلم يعد إلى»عمان» بعدها أبدا، حيث وضع قدميه على أول «الطريق الطويل إلى فلسطين»، كما أكد له قائده «وليد نمر» المعروف باسم «أبو على إياد»، واندلعت المعارك الضارية بين القوات الفلسطينية فى «عجلون» وقوات كبيرة ومن جهات متعددة من الفرقة الثانية للجيش الأردنى التى كانت تمشط كل شبر فى الجبال والمرتفعات والمنخفضات والقرى حول»عجلون» فانتقلت القوات إلى قرية اسمها «الحصن» ومنها إلى بلدة «إربد» وعرف»الفتى» أن «أبو على» يقود القوات باتجاه حدود سوريا التى قد يدخلونها، لكن «الفتى» اكتشف أن بعض القوات السورية قد أتت لتنقذهم من جحيم الفرقة الثانية الأردنية ولكن صديقه الحبيب «أنسى اليمنى» كان قد أصيب فى بطنه إصابة بالغة، واستوقف «أبو على» سيارة نقل جنود سورية وأمرنا بوضع «أنسى اليمنى» فيها وطلب من «الفتى» أن يركب معه ويصاحبه لتوصيله إلى المستشفى، إلا أنه وصل إلى الشام «دمشق»، وكان «أنسى اليمنى» قد مات فى الطريق، واشترك فى دفنه وبعد حوارات معه مع بعض الضباط السوريين الذين استطاعوا الحصول له على وثيقة سفر من السفارة المصرية وأركبوه الطائرة عائدا إلى مصر: هل كنت أنت «الفتى» اليابس المر؟ وكل شئ ينتهى إلا «الطريق الطويل إلى فلسطين» يا أبا على، وتمتد بيننا لهفات الغياب، وها هو الفتى – كهلا الآن - وقد قرر بعد خمس وخمسين سنة أن يحنث بعهده معك يا أبا على، ولم يتبق إلا طيفك يا أبا على، تأتينى عيناك النافذتان وأسمع صوتك ضاحكا: «لم أر أحدا يرتدى ملابس مجعلكة مثلك»، ولم أكن أعرف معنى كلمة «مجعلكة» لكنى كنت أحب سماعها منك فأنت من أعطانى معانى الكلمات، وأنت من أعطانى اسمى، وقد طال السفر يا أبا على، وطال الطريق إلى فلسطين أكثر أكثر وما زلت أرى وجهك فى كل وجوه الأطفال وأنت كنت كالنبى الوحيد الذى كان يعرف أن الطريق طويل إلى فلسطين، وفى لقائى الأول مع أبو عمار «الختيار» حكيت له هذه الحكاية وكنت لحظتها أرى دموعا محبوسة فى عينيه، ولكن هذه قصة أخرى سوف نحكيها فيما بعد.


المرايا التى تعكس روح الختيار كما عرفته:


فى سنة ٧٧ تزعم الكاتب الراحل «أحمد عباس صالح» فكرة لتأسيس «اتحاد الكتاب المصريين بالخارج» وتمت دعوة مجموعة كبيرة من الكتاب والصحفيين خارج مصر لتأسيس الاتحاد حتى يكون له صوت انتخابى يمثل مصر فى انتخابات «اتحاد الكتاب العرب» الذى كان يرأسه «يوسف السباعي»، وكنت أيامها أعمل فى بغداد محررا صحفيا بجريدة الجمهورية العراقية، ومن الذين صوتوا ضد فكرة تأسيس الاتحاد خارج مصر مع مجموعة من الكتاب بعد أن تزعم الكاتب الكبير «محمود أمين العالم» رفض الفكرة وقال إنه لا يجب شق الاتحاد المصرى أو إنشاء «اتحاد بديل»، بعدها تمت عملية اغتيال «يوسف السباعي» فى قبرص على يد اثنين من منظمة «أبو نضال» الذى لم يقتل إسرائيليا واحدا وكان كل من قتلهم من القادة الفلسطينيين، فى نفس يوم اغتيال «يوسف السباعى» قررت ترك بغداد، ولما كان صديقى «عاطف بسيسو» الذى يصغرنى بعامين فى زيارة لأحد أقاربه فى بغداد، وقابلنى «صدفة» فى مقهى «البرلمان» فى شارع «الرشيد» فقد أشار على بتركى بغداد إلى بيروت فى أقرب فرصة وأنه لن يستطيع مساعدتى وأن على أن أعتمد على نفسى فى الوصول إلى بيروت وأنه لن يرانى هناك إلا بعد شهرين وأعطانى مبلغ ٥٠٠ دولار على سبيل القرض، وأوصانى بألا أذكر حكاية وجودى فى الأردن وأن أنسى تماما اسم «هشام المصري» الذى كنت أحمله هناك، وكان صديقى الصحفى الكبير»فتحى خليل» مدير مكتب «روزاليوسف» فى بغداد يعانى من تغييره بالكاتب «صبرى موسى» الذى أرسلته إدارة «روزاليوسف» ليتسلم إدارة المكتب من الأستاذ «فتحى خليل» وبرغم حالته الصعبة عرض على المساعدة وكتب لى رسالة توصية لصديقه وزميله فى «روزاليوسف» الكاتب والصحفى الكبير «فهمى حسين»، كان مهرجان «المربد» الشعرى ممتلئا بالمثقفين العرب والفلسطينيين وكان رئيس الوفد الفلسطينى الكاتب والمناضل الكبير «ناجى علوش» ومعه «أحمد دحبور» و «رشاد أبوشاور» وأشار على الأستاذ «ناجى علوش» بالحجز فى نفس الطائرة التى سوف يعودون بها إلى بيروت وأشار على «رشاد أبو شاور» إلا أظهر معهم فى مطار بيروت حتى لا أحسب عليهم، وصلت بيروت وقابلت الأستاذ « فهمى حسين» وأعطيته خطاب التوصية من صديقه «فتحى خليل»، فابتسم ابتسامته الودودة وقال بأنه يعرفنى ولكن توصية «فتحى» زادت تقديرى عنده، ومن يومها لم أفارقه يوما واحدا طوال مدة بقائى فى بيروت حتى الخروج منها، فقد استضافنى فى بيته وساعدنى فى الحصول على شقة «استوديو» فى نفس بناية «البيست هوم» فى شارع «الصيدانى» فى حى»الحمرا» وكان قد رافق»ياسر عرفات» فى رحلته التاريخية إلى الأُمم المُتحدة عام ١٩٧٤ وعمل مع الكاتب الفلسطينى الكبير «زياد عبدالفتاح» أمد الله فى عمره فى تأسيس «وفا» أول وكالة فلسطينية للأنباء، وظل لفترة يكتُب مقالا ثابتا فى مجلة «فلسطين الثورة»، وعندما أخذنى «فهمى حسين» ليقدمنى إلى «الختيار» لحظتها عرفت أن «أبو عمار» يحب لقب «الختيار» أى الرجل العجوز أكثر من أى لقب آخر، يومها عرفت كم أنه يحب ويقدر «فهمى حسين»، وظل لمدة لا تقل عن نصف ساعة يحدثنى عن «مصر» وأنه ولد فى القاهرة لأسرة فلسطينية، بالرغم من أن أباه عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسينى من غزة، ولكن جدته مصرية، وأن أباه كان تاجر أقمشة فى حى السكاكيني، وأنه كان الولد السادس لأسرة تتكون من سبعة أفراد، وقد ولد هو وأخوه الصغير»فتحى “فى القاهرة وأنه قضى مراحل طفولته ومرحلة شبابه الأولى فى القاهرة، وقد توفيت «زهوة أبو السعود» أمه عندما كان فى الرابعة من عمره بسبب قصور كلوى حيث أرسلوه بعدها مع أخيه «فتحي» إلى القدس، حيث استقرا عند أقارب أمه فى حارة المغاربة، وعاش هناك مع خاله «سالم أبو السعود ٤ سنوات» وفى عام ١٩٣٧ عندما تزوج والده بامرأة ثانية، أخذه أبوه وأخته»أنعام» ليعيش إلى جانبهما وتحت رعايتهما فى القاهرة، كان «الختيار» يتحدث طوال الوقت باللهجة المصرية، وعندما لاحظ دهشتى ضحك كثيرا ضحكته الرنانة وقال: «أبو نضال عاوز يقتلنى عشان باتكلم باللهجة المصرية»، ولم أسمعه طوال حياتى بعد ذلك يتحدث بغير اللهجة المصرية، وفى أوائل ١٩٧٨ قامت مجموعة «دير ياسين» بقيادة «دلال المغربى» باختطاف «باص» داخل الأرض المحتلة بتخطيط من «أبوجهاد» وكانت أول عملية فدائية تصور فى تاريخ المقاومة الفلسطينية حيث تم تصوير بداية العملية بكاميرا سينما ٣٥ مللى حيث إنه لم تكن هناك كاميرات فيديو فكانت لم تخترع بعد، ليلتها كنا عند «الختيار» وكانت الكاميرا التى تم تصوير العملية الفدائية بها إلى جواره، فأشار لنا عليها وقال:»ما يستحقش الكاميرا دى إلا الشعب المصرى تقديرا لمصر اللى علمتنى القتال وتقديرا لكل المناضلين المصريين فى الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير. وليلتها سلم «الختيار» الكاميرا لـ «فهمى حسين» وطلب منه أن يحمل الكاميرا معه إلى مصر ويسلمها؟ إلى «خالد محيى الدين» ففعل فى أول زيارة له إلى مصر وسلم الكاميرا إلى «خالد محى الدين» فى حزب التجمع ولا أدرى هل مازالوا يحتفظون بها أم لا.


فى المرة الثانية التى قابلت «الختيار» فيها كانت مع مستشاره السياسى ومدير مكتبه «أحمد الأزهري» وهو الاسم الحركى للكاتب المصرى الكبير المناضل «فاروق القاضي» أمد الله فى عمره، وتتجلى شخصية المناضل الكبير فاروق القاضى أو «البارون الاشتراكى» كما قال عنه القديس وأمير الصعاليك عبد الرحمن الخميسى قولته المشهورة فى الثورة الفلسطينية «البارون الاشتراكى خلع البدلة ولبس الكاكى»، كان شكله فعلا كما لو كان أحد البارونات القادمين من القرون الوسطى فقد امتلك وسامة رجولية فى وجهه الأبيض المستدير الذى اختلطت به بعض الحمرة الزهرية وجسدا قويا، طويلا وممشوقا وكان – أمد الله فى عمره – أيروستوقراطى السلوك مترفعا عن الدنايا التى كانت تنتشر بين «المناضلين» فى هذه الأيام من منتصف السبعينيات المحترقة بالحرب الأهلية فى لبنان وحتى خروج الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير من بيروت، عاصرته وعشت معه فى بيروت طوال الحرب الأهلية، لم أفارقه يوما واحدا طوال مدة إقامتى فى بيروت فقد كان مكتبه فى بناية «الفاكاهانى» قريبا من مكتب «أبو عمار» وفى مواجهة مكتب على سلامة أو»أبو حسن» وهو الأمير الأحمر وقائد عملية ميونيخ وقائد أمن الـ ١٧ حرس أبو عمار الشخصى، ويومها أصدر «الختيار» قرارا بتعيينى محررا فى الإعلام الموحد الفلسطينى وتحديدا فى فى وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» التى كان يرأسها المناضل والكاتب الكبير «زياد عبد الفتاح» أمد الله فى عمره، كنا ثلاثة لا نفترق يوما واحدا «فاروق القاضي - أحمد الأزهري» وأمير شعراء فلسطين «معين بسيسو» وكاتب هذه السطور، فقد عرفت «فاروق القاضي» عن قرب وهو أقرب شخصية إلى «أبو عمار»، وهو الذى لم يتكالب على تحقيق ثروة مدنسة تنميها الانحرافات عن الثورة، مثلما فعل بعض «المناضلين» الذين حققوا ثرواتهم المشبوهة من «النضال» باسم فلسطين مع أنه سليل أحد بيوت الإيروستقراطية المصرية فهو الشقيق الأصغر للواء «جمال القاضي» قائد البوليس الحربى فى ثورة يوليو، وعمل «فاروق القاضي» فى بدايات الشباب كأحد مساعدى فؤاد باشا سراج الدين، عندما كان طالبا فى كلية حقوق القاهرة، وارتبط منذ هذه الأيام بصداقة وطيدة مع طالب كلية هندسة فى مصر «ياسر عرفات»، واشترك معه بعد ذلك ضمن المجموعة التاريخية فى إطلاق «حركة التحرر الفلسطيني» التى عرفت بعد ذلك باسم «فتح» ثم أصبح بعد ذلك المستشار السياسى ومدير مكتب قائد الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وحمل الاسم الحركى «أحمد الأزهري» الذى عرف به دائما فى الثورة الفلسطينية، ساهم بشكل فعال فى وضع قانون تواجد الثورة الفلسطينية فى لبنان للحد من تجاوزات بعض العسكريين، مستلهما قانون الثورة الفيتنامية، فوضع مادة تقضى بإعدام أى عسكرى يدان بتهمة اغتصاب فتاة لبنانية وناضل كثيرا لإقرار هذه المادة، كان يحظى بالاحترام الحقيقى من كل قادة المنظمات الفلسطينية المنافسة لفتح، فكان صديقا للحكيم «جورج حبش» قائد الجبهة الشعبية، وقريبا من نايف حواتمة قائد الجبهة الديموقراطية وغيرهما من كل القادة الفلسطينيين الذين اختلفوا أو اتفقوا مع ياسر عرفات بل وبمباركة ودون اعتراض من»الختيار»، عاصر فاروق القاضى بداية انطلاق الثورة واندمج حتى النخاع فى كل الانتصارات والانتكاسات، ثم اعتذر وابتعد عنها بعد الخروج من لبنان باتجاه»أوسلو»، هنا فقط اختلف مع»عرفات»، وبأخلاقه الرفيعة قرر الابتعاد فى صمت واحترام لكل التاريخ المشرف الذى قضاه إلى جانب قائد الثورة، لكنه لم يعد إلى مصر بل استقر فى الأردن بلد زوجته الفاضلة السيدة «مى إسماعيل بلبيسى»، وتفرغ للكتابة فكان باكورة ما كتب هو كتابه «آفاق التمرد»، وكعادته كلما زار مصر اتصل بى وتقابلنا حيث دعانى كعادته على غدوة من «الكوستاليكا» التى لم آكلها فى حياتى إلا معه وأهدانى كتابه «التمرد، وعندما كتبت قصة قصيرة بعنوان «عيون مليكة» وكتبت عليها «إهداء إلى صهبا البربرى» زوجة صديقى»معين بسيسو» ونشرتها سنة ٧٧ فى «مجلة الكفاح العرب»، فى عام ٧٧ على ما أذكر طلب منى «معين بسيسو» أن أعد فى بيته بعد يومين وليمة من الأسماك للزعيم «ياسر عرفات» وخاصة «شوربة السمك» و «طاجن السمك» التى طلبها من «معين» الطباخ الماهر، إلا أن «معين» أخبره بأنى أجيد إعداد السمك أكثر منه، يومها أصبت بحالة من الهلع الرهيب، فلم تكن تمضى على محاولة «أبوالسعيد» مدير مكتب»عرفات» الذى أخفى السم فى جيبه ٦ شهور، وهو عبارة عن حبة تشبه حبة الأرز تماما، وحمل فى جيبه حبة الأرز التى تشوبها زرقة طفيفة جدا لمدة ١٨٥ يوما متحينا الفرصة السانحة لدسها فى طبق طعام «الختيار» ، وتم إعدامه فى مقر قيادة الـ١٧ فى بيروت، وقد سمعنا يومها أن «الأخ أبوعمار» نفسه هو الذى أعدمه بعد صدور الحكم بإعدامه مستخدما المسدس «سميث ٥٠» والمعلق دائما فى خاصرته، وهرولت لأخبر «أبوإياد» بطلب «معين»، فضحك «أبوإياد» ضحكته الجميلة الصافية وقال لى بأنه سوف يكون هناك، وقال لى بلهجته المصرية بالحرف الواحد «ما تخافش يا عكروت، دا بيت معين بسيسو يا ولد، وصهبا البربرى هناك»، وطبخت شوربة السمك والطواجن وساعدتنى «صهبا» وتمت الوليمة التى حضرها كل قيادات «فتح»، تحت إشراف «صهبا» أمد الله فى عمرها والتى لم أرها بعد خروجنا من بيروت إلا مرة واحدة جاءت فيها إلى مصر لتدفن جثمان زوجها الحبيب الذى توفى إثر نوبة قلبية حادة فى أحد فنادق لندن يوم ٢٣ يناير ١٩٨٤، يطول الحديث عن «الختيار» وعن انعكاس صورته الشخصية فى عدة مرايا مصرية والكثير فى مرايا فلسطينية عاصرتها وعشت معها بنفسى أتمنى أن أحكى عنها فى يوم من الأيام.


وأخيرا ومنذ أيام كشف اللواء «توفيق الطيراوي» رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية والذى يصغرنى بثلاث سنوات وقد كان عضو لجنة إقليم فتح فى لبنان سنة ١٩٧٩ كشف بظروف وفاة الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات مساء الثلاثاء عن أن لجنة التحقيق توصلت إلى الشخص الذى نفّذ اغتيال الرئيس الراحل «ياسر عرفات»، وقال الطيراوى إنه قد «بقى لغز صغير فقط قد يحتاج إلى وقت لكشف بقية تفاصيل عملية الاغتيال». ولكنه رفض إعطاء المزيد من المعلومات حول المشتبه به وحول سير التحقيق، وقال: «أؤكد أن إسرائيل تتحمل مسئولية عملية الاغتيال» التى تعود إلى عام ٢٠٠٤ وجاء هذا التصريح عشية الذكرى السنوية الحادية عشرة لوفاة عرفات الذى بقى سر وفاته غامضا حتى الآن، فى حين أن القضاة الفرنسيين المكلفين بالتحقيق فى «الاغتيال» والذى بدأ بطلب من أرملته أعلنوا إغلاق الملف وقد استأنفت السيدة «سهى عرفات» القرار، وكانت قد تقدمت بشكوى ضد مجهول بعد اكتشاف مادة البلوتونيوم ٢١٠ وهى مادة مشعة مضرة جدا، على زوجها، ولكن الخبراء المكلفين من قبل القضاة الفرنسيين استبعدوا مرتين فرضية التسمم، وقال الخبراء الروس إن وفاة عرفات هى»موت طبيعي»، وعلى العكس من ذلك، قال خبراء سويسريون استشارتهم أرملة عرفات إن نتائجهم «تدعم فرضية التسمم»بالبلوتونيوم. وقد اتهم العديد من الفلسطينيين إسرائيل بالعملية، ولكنها ما زالت تنفى أن تكون قد سممت «الختيار»، وهناك شبهات حول تعاون شخص فلسطينى فى عملية وفاة «الختيار» على خلفية الصراع على السلطة، وسوف تبقى تاريخيا ودائما كل محاولات اغتيال «ياسر عرفات» التى تمت وسبقت استشهاده تؤكد على اشتراك شخصية ما مهمة ومقربة جدا من «ياسر عرفات» فى محاولات الاغتيال، وما أعرفه أكثر من ٣٠ محاولة اغتيال، وفى إحدى المرات ألقى القبض على مدير مكتبه «أبو السعيد» الذى أخفى السم فى جيبه ٦ شهور، وهو عبارة عن حبة تشبه حبة الأرز تماما، وكان مطلوب منه أن يضع هذه الحبة فى طعام عرفات، وكان «أبو السعيد» هو الرجل الأقرب الذى يشرف على تفاصيل حياة «عرفات»، وكان الموساد الإسرائيلى قد استطاع تجنيده، وأن يكلفه بالاغتيال، وقد كانوا يدبرون طرقا للالتقاء بأبى السعيد فى الخارج، ومن ثم يأخذونه داخل إسرائيل لتدريبه على المهام التى يقوم بها، وبقى الجاسوس الخطير فى صراع بينه وبين نفسه لمدة ٦ شهور، إلى أن انكشف أمر صلاته بالمخابرات اللبنانية، وكانت إسرائيل تأمر جواسيسها دائما بأن يتغطوا بالعمل مع جهاز مخابرات عربى، لأنهم يعرفون أن الفلسطينيين حينما يلقون القبض على جاسوس عربى فإن ذلك يثير حساسية مع الفلسطينيين أنفسهم تدفعهم بعدم إعدام الجاسوس العربى، ولكن اتضح فيما بعد أن «أبو السعيد» له أيضا علاقة بالمخابرات الإسرائيلية وكان مكلفا باغتيال عرفات بالسم، وتم إعدامه فى مقر قيادة ثكنة الـ١٧ فى بيروت التى كان بها مكتب «عرفات»، وقد سمعنا يومها أن «الختيار» نفسه هو الذى أعدمه بعد صدور الحكم بإعدامه مستخدما المسدس»سميث «٥٠المصنوع من الفضة الخالصة والمعلق دائما فى خاصرته والذى حضر به أول لقاء له فى هيئة الأمم وهو يلقى خطابه الشهير الذى افتتحه مخاطبا أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة بقوله: «لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدى»، حيث رفض يومها «ياسر عرفات» أن يلقى خطابه بدون أن يكون مسدسه معلقا فى خاصرته وكانت هذه المرة هى الأولى، وربما الأخيرة، التى يلقى فيها أى «رئيس» خطابا له فى الأمم المتحدة وهو يحمل مسدسا، وقد قال «أبو السعيد» نفسه فى التحقيقات قبل إعدامه بتهمة «الخيانة العظمى» إنه حمل فى جيبه حبة الأرز التى تشوبها زرقة طفيفة جدا لا ترى بالعين المجردة لأول وهلة لمدة ١٨٥ يوما متحينا الفرصة السانحة لدسها فى طبق طعام «الختيار»، لكن طباخه لم يقدم له طبق الأرز طوال هذه المدة، حيث كان طعام «الأخ أبو عمار» لا يزيد عن قطعة الجبن الأبيض أو قطعة اللحم المشوى أو حتى سمكة واحدة، وكان»الختيار» قد تعرض فى حياته لأكثر من ثلاثين محاولة لاغتياله فشلت كلها لحس «عرفات» الأمنى أو لبراعة الأمن الفلسطينى المكلف بحمايته، حيث كان عرفات يختارهم وحده بنفسه وتربطه بهم علاقات شديدة الخصوصية، وفى سنة من السنوات قضى «الختيار» بضعة شهور يأخذ طعامه وماءه معه عندما يسافر إلى دول بعينها، مدعيا أنه يمر بحالة صحية معينة، وأن الأطباء وصفوا له هذا الطعام وهذا الشراب، حتى لا يضطر أن يأكل من طعام تلك الدول التى يزورها، لأنه كانت لديه معلومات أنه مدرج على قائمة الاغتيال، وكان عندما يأوى إلى النوم بعد أكثر من ٢٠ ساعة من العمل يعلم أن رأسه موضوع على مخدة من المتفجرات، لا يعرف إذا كانت ستنفجر الآن أم لا، وعاش كل حياته على جناح و توقعات الخطر إلى أن لقى وجه ربه.