الخـتيــار

30/11/2016 - 3:12:55

  الختيار أثناء حواره مع يوسف القعيد الختيار أثناء حواره مع يوسف القعيد

بقلم : يوسـف القـعيد

عندما جلست لأكتب عن ياسر عرفات، اكتشفت أن لقاءاتى به يمكن أن تعكس حالة الشتات التى عاشها الفلسطينى منذ سنة ١٩٤٨ وحتى الآن. قابلته فى تونس، ورأيته فى الجزائر، وسهرت معه فى بغداد. والتقينا فى صنعاء. وقبل كل هذا وبعده جرت لقاءات هنا فى القاهرة.


وفى كل لقاء وعندما نصل إلى لحظات الوداع كان يقول إن لقاءنا القادم سيكون فى القدس. يقولها لى ولمن معى من الأصدقاء والأحبة. لكن الرجل قُتِل دون أن يحقق حلم عمره. وجرى تسميمه بمعرفة العدو الصهيونى وهو فى أقرب مكان للقدس وفى أبعد مكان عن القدس. وهو القتل الذى لم يتحرك الفلسطينيون ولا العرب، وفى المقدمة منهم المصريون لتقديم بلاغ دولى للأمم المتحدة، أوغيرها من المنظمات الدولية لفتح تحقيق فيه، واستخراج الوثائق الفرنسية المخفاة والمخبأة التى تثبت ارتكاب العدو الصهيونى جريمة قتل واغتيال ياسر عرفات.


ياسر عرفات «٤/٨/١٩٢٩ – ١١/١١/٢٠٠٤»، لم يكن اسمه ياسر عرفات. كان اسمه الأول محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسينى. وعرف أحياناً باسم محمد القدوة، أما اسمه الحركى الذى عرف به فهو أبو عمار. أصبح الرجل رمزاً لفلسطين. وأصبحت ابتسامته بكل ما تحمله من ضنى وعذاب وصفاء إنسانى إعلانا نادرا عن فلسطين التى ضاعت. واعتبرنا قضية أعمارنا أنها ستعود. ويبدو أن العمر نفسه سيصل للنهاية دون أن تعود لنا فلسطين.


ذهبت للجزائر لأول مرة مدعواً من منظمة التحرير الفلسطينية. كانت هناك اجتماعات فلسطينية. وسافرت إلى الجزائر. ومن الطبيعى أن نرى «الختيار»، هكذا يسميه ويناديه من يحيطون به. لم أسمع أبداً «أبو عمار». ولم تنطق أمامى كلمتى ياسر عرفات. لكن الختيار كانت تعنى أن الكلام عن الزعيم وعن القائد.


كان من عاداته أن يلتقى بنا – نحن أهل مصر – فى الأجزاء الأخيرة من الليل. كائن ليلى هو. سألت نفسى أكثر من مرة: متى ينام هذا الرجل؟ متى يخلد إلى النوم؟ إن وجدت بجوار سريره كتابا، فهو كتاب مصرى. وعندما عرفنا الفيديو لأول مرة، وكنا فى مخبئه بتونس وجدت شريط فيديو من الشرائط القديمة الكبيرة لمسرحية: مدرسة المشاغبين، لسعيد صالح وسهير البابلى ويونس شلبى وأحمد زكى وحسن مصطفى. ومرة ثانية وجدت نسخة من مسرحية: الزعيم، لعادل إمام.


أمران لا تخطئهما العين أن الرجل دائماً وأبداً عاش كأنه على سفر. وكأنه فى الطريق إلى بلده. اضطرته الظروف للتوقف فى إحدى المحطات. ما من مرة شعرت أنه مستقر. أو أنه يتعامل باعتباره يعيش حالة من الاستقرار. بل كان فى وضع متنقل دائماً وأبداً. لا أقول وضعا قلقا. ولكنه على استعداد لأن يشد الرحيل فى لحظة من اللحظات الطارئة. لا يعرف متى تأتى؟ ولا أين تحل به؟.


الأمر الثانى التى لا تخطئه العين هواه المصرى. كانت مصر بالنسبة له ليست الوطن البديل. لكنها الوطن الحقيقى. يخيل إلىَّ أنه بداخل ياسر عرفات كان من المستحيل أن تعرف أين تنتهى مصر لكى تبدأ فلسطين؟ وأين تنتهى فلسطين لكى تبدأ مصر؟، عندما كنت أجلس معه كان يرن فى خاطرى تعبير: مصر الفلسطينية أو فلسطين المصرية. كانت لديه رغبة أن يسمع كلاماً باللهجة المصرية. واستماعه له كان يبدو كأنه يتذوق أجمل غناء سمعه فى حياته كلها.


كانت لديه ذكريات مصرية كثيرة يحب أن يحكيها. وأنا حزين أن أحداً لم يسجل لهذا الرجل حكاياته الكثيرة. فقد كان حكاء ودوداً ومبتسماً. بسيطاً بساطة عميقة أخاذة. يجيد الإنصات. وعندما يبتعد عن الرسميات ويخلع كوفيته التى أصبحت شعاراً للوطن السليب، تشعر أنك تجالس شقيقا فلسطينيا قابلته مصادفة، وجلست معه على المقهى مصادفة. وعندما يتكلم كانت الكلمات تشتعل من بعضها البعض، وتأخذه الحكايات من حكاية لأخرى. وكان يعرف مصر كما يعرف الإنسان كف يده.


* * *


كنا فى تونس فى ضيافته. كنت مع صديق العمر جمال الغيطانى، وأصدقاء العمر مصطفى نبيل، وعبد الله إمام، وآخرين. وحدث أن جاء لنا أحد أبناء المنظمة ونحن نتناول الإفطار فى الفندق. وترك أمام كل منا مظروفاً يؤكد شكله الخارجى أن به أموالاً. وقد نادينا على الرجل وأعدنا له مظاريفه. وعبرنا عن غضبنا. واعتبرنا الموضوع منتهياً.


فى الليل فوجئنا باتصال من مقر الختيار. يطلب منا ألا نتناول طعام العشاء لأنه سيدعونا على العشاء فى مقر إقامته. ذهبنا إليه. خمنا جميعاً أن واقعة المظاريف الصباحية هى سبب هذا اللقاء الذى لم يكن قد جرى التخطيط له من قبل. ولا تحدثنا عنه. بل كان قد ترك لنا الحرية للتجول الحر فى تونس العاصمة.


وصلنا إليه، نفس الترحيب، نفس الأحضان المشرعة على الحب، ونفس الهيام الذى يمكن أن يطير به فى لحظة ولا يحط إلا فى فلسطين. جلس يسألنا أسئلة ونحن نتناول العشاء معه لا علاقة لها بالأمر. حسدنا أننا لدينا حرية التجول والحركة فى شوارع تونس العاصمة وأزقتها وحواريها ودروبها. وأننا يمكن أن ندخل المحلات ونتسكع فى المطاعم ونجلس فى المقاهى نشرب الشاى الأخضر وندخن الشيشة.


قال إن ظروفه تحرمه من هذه المتع التى لا يجب أن نقلل منها. وهو من أكثر الناس الذين يمكن أن يدركوا كم هى عملاقة هذه المتعة غير العادية التى نشعر بها ولا يدرك قيمتها إلا من حرم منها. وهو محروم منها. خبط المقعد الذى يجلس عليه وقال إنه يشعر فى أحيان كثيرة أنه سجين هذا المكان. ولا يستطيع الخروج منه إلا بإجراءات صعبة ومعقدة.


لم يتطرق لمظروفات الصباح أبداً. لكنه تحدث عن الفساد الذى يفاجأ به من بعض الرجال الذين يعملون معه. ولأن المجالس أمانات، ولأن ما يقوله من ماتوا، يوشك أن يكون وصايا علينا الحفاظ عليه، سأكف عند هذه اللحظة على ما سمعناه جميعاً من الختيار عن بعض من كانوا يعملون باسم منظمة التحرير الفلسطينية فى مصر فى ذلك الوقت. وبعض تصرفاتهم وسلوكهم. بل وفسادهم.


ما قاله الرجل أكد لى أن ابتسامته وضحكاته وتفاؤله، ربما كانت من سمات المناضل المقاوم، الباحث عن وطنه. لكنها أيضاً كانت محاولة للهروب من كل هذا الهم الذى يمكن أن يهدد مسيرة قضية قال عنها عبد الناصر العظيم: إن فلسطين أنبل قضية عرفها القرن العشرون كله. وأكثرها قداسة.


* * *


فى كل زيارة من زياراته للقاهرة، كان يحرص على أن يذهب للأستاذ محمد حسنين هيكل فى مكتبه. لكن الأمن المصرى اليقظ، فاجأ الأستاذ هيكل وياسر عرفات بالاعتراض على أن تتم الزيارة فى مكتب الأستاذ هيكل. وكان السبب أن الشقة الكائنة تحت شقة الأستاذ هيكل تؤجرها فنانة مصرية معروفة، لعبت دور مناضلة جزائرية للمركز الأكاديمى الإسرائيلى. مركز الصهاينة.


والأمن المصرى من باب الاحتياط لا يحب أن يذهب ياسر عرفات لمكان يوجد فيه مركز أكاديمى إسرائيلى أو أى مكان إسرائيلى، وهكذا جرى الاتفاق على نقل المكان خارج مكتب الأستاذ هيكل. وقد استجاب هيكل ونفذ عرفات دون أى اعتراض. وكنت أعرف حكاية المركز لأننى فى المصعد الصاعد لشقة الأستاذ هيكل. أفاجأ بضوء بنفسجى، وعندما سألت عرفت أنه ضوء إشعاعى يتم إشعاله حتى فى النهار كإجراء أمنى.


* * *


عندما كنا فى الجزائر نحضر مؤتمر منظمة التحرير الفلسطينية، وفى اليوم الأخير كان من المفروض أن يكون آخر ما نسمعه شعر محمود درويش، وهو بعد ثقافى لم نره إلا من ياسر عرفات الذى كان يحاول أن يتمثل تجربة عبد الناصر فى احترام المثقفين والاعتماد عليهم، واعتبارهم صمام الأمان.


تليت القرارات الأخيرة، وقيلت التوصيات، ثم جلسنا فى انتظار شعر محمود درويش. لكنه لم يظهر. ثم وقف على المسرح من قال لنا إن علينا الانتظار لبعض الوقت حتى يأتى محمود درويش. لكن بعض الوقت امتد حتى منتصف الليل. وجاء محمود درويش وقال شعره.


فى اليوم التالى عرفنا أصل الحكاية. أن محمود درويش غضب من بعض التصرفات، وقرر ألا يقول شعراً. حتى الآن لا أعرف ما الذى أغضب محمود درويش ودفعه أن يرفض أن يختتم اجتماعات المنظمة والمجلس الوطنى الفلسطينى بشعره. لكن الذى غير الموقف تماماً أن ياسر عرفات ركب سيارته وذهب إلى الفندق الذى يوجد به محمود درويش، ربما كان فندق أوراس الجزائر، الفندق الشهير فى الجزائر العاصمة. وصعد إليه وأتى به عائداً إلى المؤتمر لكى يختتم المؤتمر بصوت فلسطين. محمود درويش. وشعر فلسطين، محمود درويش، وغناء وبكاء فلسطين.


لدىَّ حكايات لا أول لها ولا آخر عن الختيار. ولا أدرى هل تُكتب؟ أم أحتفظ بها وتظل فى صدرى؟ أم أن هذا ليس من حقى ومن حق الآخرين أن يعرفوها؟ لكن ما قيمة حكايات الشوارع الخلفية التى كتب علىَّ أو قُدِّر لى أن أعاصرها وأعيشها على مدى العمر كله؟.


رحم الله ياسر عرفات


وحقق حلمه فى فلسطين.


فلسطين التى تبدو أبعد من أى وقت مضى وانقضى.