٥٠ عاماً من اللقاءات الصحفية جمعت بينهما الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد مُتحدثاً عن عرفات: قيادة فلسطينية لن تتكرر

30/11/2016 - 3:09:11

  عرفات ومكرم .. ٥٠ عاما من اللقاءلت والحوارات عرفات ومكرم .. ٥٠ عاما من اللقاءلت والحوارات

حوار : أمانى عبد الحميد

أكثر من خمسين عاما من اللقاءات المتفرقة والحوارات الصحفية، جعلته يرى ما لا يراه الآخرون فى الزعيم والمناضل ياسر عرفات بعد مرور ١٢ عاما على رحيله, قابله وهو شاب متحمس للقضية الفلسطينية فى أعقاب النكسة، ورافقه خلال محطات حياته النضالية من عمان إلى بيروت وتونس بعيدا عن أرض المقاومة، وصاحبه خلال رحلة عودته إلى غزة، وإن كانت زيارته له عندما حاصره الإسرائيليون بمثابة لقاء الوداع قبل وفاته بعامين فقط, وخلال تلك الرحلة الطويلة بين المناضل والصحفي، ظل الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد يرى أن ياسر عرفات قيادة فلسطينية لن تتكرر، فلا أحد يملك حضوره الطاغى ولا مهاراته فى المزج بين النضال المسلح والنضج السياسي.


متى بدأت علاقتك بالراحل ياسر عرفات؟


أول مرة قابلت ياسر عرفات كان فى أعقاب النكسة فى عام ١٩٦٨ عن طريق زميلى بالأهرام الأستاذ إحسان بكر، الذى كان يمثل الجريدة داخل الدوائر الفلسطينية, وقتها كانت ظلال النكسة تحيط بالأجواء بشكل ثقيل وكان «بكر» صديقا عزيزا، وهو الذى أبلغنى بحضور عرفات إلى القاهرة لمقابلة جمال عبد الناصر، وقال لى إنه سيحاول دعوته إلى منزله بعد المقابلة, ودعانى إلى حضور اللقاء المنزلى ضمن مجموعة من أصدقائه لمقابلة ياسر عرفات.


كيف كان ياسر عرفات وقتها؟


عرفات كان ملء السمع والبصر, كانت الهزيمة ثقيلة على مصر والعالم العربي, وكانت الناس تتنسم أى أمل, وفى هذا الوقت بدأت منظمة «فتح» فى ممارسة أعمالها داخل الأرض المحتلة, كبرت آمالها وكبرت معها آمال الناس, وأصبح معها «عرفات» ملء الساحة العربية وتعلقت به قلوب الناس, ونحن أيضا علقنا عليه كثيرا من الأحلام بأنه سيقود عملية تحرير فلسطين وتوحيد الأمة العربية فى سبيل ذلك.


هل حكى «عرفات» عن تفاصيل لقائه بعبد الناصر وقتها؟


ما أذكره أن الأستاذ «هيكل» قابل «عرفات» ثم اصطحبه إلى «عبد الناصر», وأذكر الواقعة الشهيرة عندما رفض «عرفات» التخلى عن سلاحه عندما طالبه بذلك أعضاء مكتب الرئيس قبل الدخول لمقابلة «عبد الناصر» لكنه رفض لأنه لم يتخلَ عن سلاحه منذ أن حمله لمحاربة إسرائيل, وأعتقد أن «هيكل» صك له العبارة الشهيرة «لا أحد يدخل عليه بسلاح», وفعلا سلم سلاحه وقابل «عبد الناصر», وخلال لقائنا به داخل بيت «بكر» حكى لنا ما حدث عن تفاصيل اجتماعه.


ما ملامح شخصيته كما رأيتها عن قرب؟ وما الصفات التى جعلت منه زعيما؟


كان دائما يحكى عن وجوده فى مصر وعن السنوات التى عاشها فيها خلال أيام دراسته, وكان حريصا على وصف نفسه بقوله: «هواى مصري», ومع توالى لقاءاتى معه تعرفت عليه وعلى شخصيته أكثر فى مواقف مختلفة, خاصة خلال الأزمات التى مرت بها القضية الفلسطينية, وأذكر أننى سافرت إلى عمان مع زميلى إحسان بكر وكتبنا سلسلة من المقالات عن الوجود الفلسطينى هناك تحت عنوان «عمان بلا فدائيين», كانت تلك هى أول مقالات نقدية يتم نشرها ضد منظمة التحرير الفلسطينية وضد تصرفات المقاومة الفلسطينية فى عمان، وكيف أنها أصبحت دولة داخل الدولة وحذرنا فيها من عاصفة شديدة قد تنسف العلاقات الفلسطينية – الأردنية, وتم نشرها بالأهرام بعد أن عشنا فى عمان ما يقرب من سبعة أيام قابلنا فيها كل الأطراف, وكانت المقالات مفاجأة للرأى العام بمصر, وتوقعنا فيها بخروج الفدائيين من عمان وتحذيرنا مبكرا مما حدث بعدها من أحداث «أيلول الأسود», وقبلها عرفات على مضض, ولأن وقتها كانت المقاومة الفلسطينية مقدسة وتلاقى كل التفخيم والتبجيل, لكن الصورة على أرض الواقع كانت مزعجة جدا للأردنيين, وشعروا بالتدخل فى الشأن الأردنى من قبل الفدائيين إلى حد مفزع, يحكمون الشوارع والأحياء فى مقابل صبر الملك «حسين» عليهم, إلى أن وقع الصدام الرهيب فى أيلول الأسود.


هل قابلت مع «عرفات» بعد أحداث أيلول الأسود ورحيله إلى بيروت؟


قابلته فى بيروت قبيل ترحيله إلى تونس وجلسنا سويا ساعات طويلة على مدار الليل وحتى الساعات الأولى من الفجر, كانت مقابلة حزينة, كان يشعر بالحزن والانكسار, تحدثنا عن المقالات النقدية التى نشرتها فى الأهرام والتى تنبأت بأحداث أيلول الأسود, وقتها اعترف بأنها كانت على حق وأنها رأت المشهد كاملا على حقيقته, وتحدث عن ضرورة إعادة النظر فى عمل المقاومة, كانت ليلة حزينة قل فيها الكلام وثقل معها الحزن, خروج المقاومة بأكملها إلى المنفى وإلى تونس كانت كفيلة بأن تتسبب فى حزنه.


وكيف كان الوضع فى تونس بعيدا عن أرض المقاومة؟


قابلته فى تونس مرات عديدة, كان لديه إحساس أن المسافات أصبحت بعيدة بينه وبين الأرض المحتلة لكنه يوما ما سوف يعود, نفوذ أبو إياد قد كبر داخل منظمة التحرير الفلسطينية, لكن هذا لم يؤثر فى شخصية عرفات ولا أنقص من قوته, عرفات كان شخصية ذات حضور طاغٍ تجب كل ما عدها, كان له تاريخه الطويل فى المقاومة, وهو الذى ابتدع فكرة المقاومة المسلحة, وامتلك مهارات فى التعامل مع الأنظمة السياسية المختلفة والدول العربية, لديه القدرة على الجمع بين السياسة والكفاح المسلح, وكان هذا ما يكرهه الإسرائيليون فيه ويحاولون معاقبته عليه, وكان دخول الموساد إلى تونس وقتل أبو إياد وعدد من القيادات بمثابة الضربة القاصمة للمقاومة الفلسطينية فى هذه الفترة.


واستمرت مقابلتى له فى القاهرة التى كان يأتى إليها كثيرا, كان أكبر داعم له هو الدكتور أسامة الباز الذى كان ينظم لقاءاته مع الرئيس مبارك, وكان يجمع له عددا من الصحفيين المصريين المهتمين بالقضية الفلسطينية لمقابلته, وعرفات كان يطلب الصحفيين القدامى لمقابلتهم ومن ضمنهم كان يطلبنى بالاسم, كنا نجلس سويا على شاطئ النيل ليشرح لنا ظروف القضية الفلسطينية, إلى أن تم حصاره فى مقاطعته فى رام الله.


كنت قريبا من الرئيس مبارك كيف كانت علاقته بياسر عرفات؟


صاحبت «عرفات» فى أهم أيام حياته عندما ذهبت مع مبارك إلى الحدود لكى يعود ويدخل غزة ليحكم من داخلها ويتولى مسئولية الحكم الذاتي, وأذكر أننا مشينا على الأقدام مسافة نصف كم حتى عبرنا الحدود ثم ركب هو سيارته إلى داخل قطاع غزة, كان دخوله يمثل عودة القيادة والفلسطينيين والمقاومة إلى داخل الدولة الفلسطينية المحتملة وكان حدثا مملوءا بآمال كبيرة فى هذه الفترة, ونحن لا نملك سوى أن نحيى الجهود التى بذلها مبارك خلال تلك الفترة لكى يلزم الأمريكان بالاعتراف بمنظمة التحرير على اعتبارها الممثل الشرعى الوحيد للفلسطينيين بالرغم من المقاومة الشديدة فى عهد الرئيس الأمريكى ريجان, لكن الحقيقة دفاع مبارك عن القضية الفلسطينية كان دفاعا مجيدا وكانت هى رقم واحد على قائمة مباحثات الرحلة السنوية التى كان مبارك يقوم بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية, وإصراره على ضرورة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية لأن ذلك يساعد الفلسطينيين على الاستقرار ويساعد على أن تمضى عملية السلام ويخفف من دعاوى العنف, وأعتقد أن مبارك نجح بالفعل فى مسعاه وأصبح للمنظمة ممثل دائم فى واشنطن, وأية قيادة فلسطينية تعرف جيدا أن عدم وجود علاقات طيبة مع مصر يؤدى إلى فشل مشروعها, وأنها إذا لم تحظَ بمساندة من القيادة المصرية فإنها لن تنجح, وأية قيادة مصرية يجب أن تعلم أن جزءا كبيرا من أمنها يتعلق بمساندتها لحق الشعب الفلسطيني, لأنها قضية تؤرق كل ضمير عربى وتربى عليها كل شاب مصري، وبالتالى جزء من أساسيات الحكم وفرضيات الحكم الوطنى فى مصر هو مساندة القضية الفلسطينية, لذا كان عرفات حريصا على علاقاته بمصر.


لماذا قبل عرفات الخوض فى عملية السلام مع إسرائيل؟


واحدة من أهم اللقاءات التى تمت بينى وبين عرفات كان فى الجزائر، حيث جاء بعد أن كتبت عن أن الفلسطينيين قد نضجوا إلى حد أنهم على استعداد لأن تقوم الدولة الفلسطينية ولو على مساحة شبر واحد فقط من الأراضى المحتلة, وأذكر أن القضية الفلسطينية فى هذا الوقت كانت فى أوج عظمتها وقد قسمت الرأى العام الأوربى وجعلت معظمه مع الشعب الفلسطيني, كان يتم استقبال «عرفات» فى البيت الأبيض وفى معظم العواصم الأوربية استقبال الأبطال, وتحولت «الكوفية» الفلسطينية التى يرتديها عرفات إلى رمز للنضال ويرتديها الشباب تيمنا به والتعبير عن الالتزام الأخلاقى بالقضية الفلسطينية, ونفس الوقت ظهرت الدراسة المهمة التى كتبها عبد الوهاب المسيرى الذى فند فيها الدعاوى الإسرائيلية بأن لهم تاريخا ثقافيا فى الأراضى الفلسطينية واعتبر وجودهم مجرد صورة من صور الاستعمار للمناطق الاستراتيجية فى الشرق الأوسط.


هل فقد عرفات كثيرا من مصداقيته ورمزيته عندما أيد دخول جيش صدام حسين إلى الكويت؟


بالتأكيد, تأييده لاحتلال الكويت ووقوفه إلى جانب صدام حسين أثر على شعبيته فى الوطن العربى ومكانته, وقام الغرب باستخدام موقفه كذريعة ضده وأطلقوا عليه تهمة أنه صاحب الوجهين, إنه يدعى أنه رجل سلام فى الوقت الذى يؤيد فيه التآمر مع العراق فى احتلاله للكويت, وفى هذا الوقت أيضا ظهر تيار محمود عباس أبو مازن الذى يدعو إلى نبذ النضال المسلح والحرب مع إسرائيل بدعوة أننا نحاربها بالسلاح الذى تجيد استخدامه, وكانت علاقتى بعرفات وأبومازن قوية وتحدثت معهما, كان واضحا أن هناك تنسيقا كاملا ما بينهما وأن موقف أبو مازن لم يكن خروجا على عرفات لكنه كان جزءا من مناورة سياسية مشتركة بينهما, وجاء هذا الموقف ضمن أساليب عرفات المتنوعة والمتعددة فى التعامل مع القضية الفلسطينية, لكن الغرب استثمر موقفه من احتلال الكويت استثمارا جيدا وطالبوه بأن يختار ما بين رجل السلام وبين رجل الحرب ولا يمكن الجمع بين عرفات السياسى وبين عرفات المقاتل, بناء عليه أعلن عرفات موافقته على بنود اتفاقية «أوسلو» للسلام تحت وطأة هذه الضغوط، خاصة أن أبو مازن كان هو المنسق والمفاوض الأساسى فى الاتفاقية, وبالمناسبة أبومازن هو أكثر دراية بالحياة السياسية وطبيعة المجتمع الإسرائيلى ويعلم كيف يتفاوض معهم.


هل اتبع أبومازن خطى عرفات الذى كان يصر على معرفة الإسرائيليين عن قرب؟


خط أبومازن لم يكن بعيدا عن خط عرفات, كان هناك تنوع على نفس السياسات, وكان ذلك يمكن عرفات من التحرك فى مجابهة المعسكر الغربي, وفى المقابل كان يشدد على ضرورة استمرار الكفاح المسلح للمقاومة الفلسطينية, الغرب وأمريكا لم يقبلا هذا المنطق وطالبا عرفات باتخاذ سياسة واحدة وواضحة ذات وجه واحد.


بعد عودة عرفات إلى غزة كيف قابله الفلسطينيون هناك فى ظل وجود تيارات معارضة لاتفاقية «أوسلو»؟


كانت حماس قد ظهرت بقوة خلال تلك الفترة ومنحها إسحاق رابين شرعية الوجود, لكن ظل الشقاق الفلسطيني– الفلسطينى بين فتح وحماس يمثل نقطة الضعف, وأذكر أن مبارك كان يعتقد أن حماس تختلف عن الإخوان المسلمين فى مصر على أمل الاقتراب من حماس ويكشف عن مساندته لها وهو الأمر الذى ثبت فيما بعد أنه غير حقيقي, بل إن عمليات التصالح بين فتح وحماس كانت تحدث فى مصر تحت رعاية عمر سليمان مدير المخابرات المصرية, وكانت مصر ترى المصالحة من مهامها الأساسية.


موافقة السلطة الفلسطينية على اتفاقيات «أوسلو» جعل دور فتح يتراجع فى مقابل تقدم حماس ورفعها راية المقاومة؟


بالتأكيد المقاومة المسلحة تراجعت والبيروقراطية الفلسطينية تقدمت أيضا, خاصة أن هناك اتفاقيات أمنية مشتركة مع إسرائيل مما جعل قدرتهم على العمل ضد الاحتلال أصبحت محدودة أو تكاد تكون منعدمة, كما اتسعت المسافة بين حماس وفتح ووصلت إلى حد الاقتتال وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، واندلاع الحرب الأهلية والتى مارست فيها حماس ببشاعة عملية طرد فتح من غزة, وعقاب أعضائها وقتلهم وإلقائهم من أعلى المنازل, وأصبح هناك دم.


هل تحول «عرفات» إلى مجرد رجل عجوز ولم يعد له تأثير على صراع القوى الفلسطينية؟


تكاتف الكل على الفرصة المواتية لإنهاء عرفات سياسيا, وتم عزله وتجريمه وتشويه صورته, وتم منعه من دخول البيت الأبيض وشن حملات إعلامية ضده, وهناك من انتقد زواجه من السيدة سهى عرفات والذى أثر على صورته كمناضل تزوج القضية الفلسطينية, وهناك من تحدث عن ثروته المالية.


كيف كنت تراه بالرغم من كل تلك الحروب ضد قيادته؟


بالرغم من تلك الظروف أعتقد أن عرفات ظل قيادة فلسطينية جيدة, كنت أراه متواضعا ومطالبه فى الحياة محدودة جدا، ولدية قدرة شديدة على التقشف والعيش الصارم, بل إن حياته صعبة بلا مظاهر ترف وأذكر أن عشقه الوحيد كان للحلاوة الطحينية المصرية.


كنت الصحفى الوحيد الذى قام بزيارة عرفات فى عزلته, ما هى تفاصيل زيارتك؟


تحدثت تليفونيا مع عرفات عندما حاصره الإسرائيليون وخلال المكالمة قال لى بالحرف الواحد: «معقول ألا يوجد صحفى عربى واحد يقوم بزيارتى وأنا محاصر..» كلماته استفزتنى فقلت له إننى سأحاول, وبالفعل طلبت مقابلة عمر سليمان وأعربت له عن رغبتى فى زيارة عرفات, وفى اليوم التالى رتب لى الزيارة ووضح لى مسارها عبر ممر «إيرينز»، وأن كافة المعابر الإسرائيلية لديها خبر باستقبالى ذهابا وإيابا, وقمت بالرحلة مبكرا ووصلت إلى مكان عرفات الذى تم تحويله إلى متحف وافتتاحه فى ٢٨ نوفمبر الحالي, لم أكن أتخيل حجم فرحته لدى استقبالي, وأذكر أنه وقف أمام شباك غرفته الخاصة يشير إلى الموقع الإسرائيلى الذى يقع أسفل غرفته لمراقبته وهو ينفخ صدره ويتحدث مع نفسه ويسمعنى فى نفس الوقت قائلا :»يا جبل ما يهدك ريح», قضيت معه خمس ساعات مليئة بالضحك والحكايات, وتناولنا الغداء سويا مع ثلاثين من رفاقه.


كيف كان يبدو عرفات وقتها هل بدت عليه مظاهر تدهور الصحة؟


كان عرفات موفور الصحة ولم تبدُ عليه أى مظاهر التسمم أو المرض, لكن فيما بعد عندما كنت أرى صوره بدا لى أن هناك تدهورا فى حالته الصحية وبشكل مستمر.


ألم يكن لزوجته سهى وجود خلال أزمته, الحصار والمرض؟


لم أقابل السيدة سهى ولا مرة, لم تكن موجودة حوله سواء داخل الحصار أو عند مرضه, لم يكن لها وجود.


كيف ترى القضية الفلسطينية بعد ياسر عرفات؟


اليوم القضية الفلسطينية أصبحت معلقة بإرادات الغرب أكثر من تعلقها بإرادات الفلسطينيين, الانشقاق بين فتح وحماس عززه الانشقاق الجغرافى والسياسي, وعمقه اهتمام حماس بإقامة الإمارة الإسلامية أكثر من الدولة الفلسطينية, على اعتبار أنها من الممكن أن تكون نواة للدولة الإسلامية الكبرى, وأنا أحمل حماس المسئولية التاريخية لما حدث للقضية، كما لا ينبغى أن نغفل عن مسئولية بعض من أعضاء فتح، خاصة أنهم ركنوا إلى حياة الترف والمناصب الكبيرة, ونلوم على محمود عباس على تشبثه الواهى بأن الإسرائيليين والغرب سيمنحونه شيئا, وقد حزنت جدا من أبومازن عندما وصف رحيل شيمون بيريز بأنه خسارة للإنسانية وللسلام, وتحدثنا بعدها لتوضيح وجهة نظره ودعانى لحضور حفل افتتاح متحف ياسر عرفات.


هل اختلف الدور المصرى بعد غياب عرفات؟


لا يزال المصريون يتصورون أن هناك آمالا فى المصالحة يمكن أن تحدث لكننى أعتقد أنها آمال واهية, حماس اختارت عداء مصر فى الأساس, وبالتالى فإن أية جهود للمصالحة تصبح غير واقعية, ومن الواضح أن القوى المؤثر على حماس هى دولة قطر التى تمدها بالمال وإيران, وهى تحكم غزة بالحديد والنار, ولا صوت يعلو على صوتها, كانت حماس تحاول أن تتكسب من التهريب عبر الأنفاق على حساب المصريين الغلابة, لذا أتصور أن القضية الفلسطينية ستظل لفترة طويلة «محلك سر».


لكن من ثوابت السياسة المصرية أن تقف بجوار الشعب الفلسطينى فى الدفاع عن قضيته بصرف النظر عن الأوضاع التى تحكم قيادته أو الانقسامات العقائدية والحرص على الدولة الفلسطينية, اليوم إسرائيل بدأت تخلق أمرا واقعا من خلال ابتلاع الضفة الغربية عن طريق بناء المستوطنات لكى يصبح حل إقامة الدولة الفلسطينية متعذرا, وقد تطورت المقاومة بأشكال متعددة حتى رأينا حرب السكاكين فى الشوارع مع استخدام السيارات لدهس المارة نتيجة الاحتقار والازدراء الذى يعانون منه, وهو ما يؤكد على وجود المقاومة حتى فى أحلك الظروف.


ماذا تبقى من ياسر عرفات بعد ١٢ عاما من رحيله؟


الظروف الدولية أتاحت لعرفات حتى آخر لحظة فرصة المزج بين المقاومة والسياسة, أما الطريق الذى يسلكه محمود عباس هو طريق أحادى الجانب ويعتقد أن استخدام المقاومة للسلاح الذى يجيد الإسرائيليون استخدامه سوف يرتد على الفلسطينيين وينتهى بالهزيمة وبفقدان مزيد من الأراضى وضياع الحقوق, لكن إسرائيل تتجه يمينا وأن عمليات بناء المستوطنات مستمرة وتكاد تبتلع الضفة الغربية بأكملها مما يهدد أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية.


كيف سيكون تأثير الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب على مسار القضية الفلسطينية؟


الإدارة الأمريكية الجديدة هى إدارة منحازة ومحابية لإسرائيل, ولا تريد أن تفرض عليهم أية التزامات من أجل التفاوض, خاصة أن الشرق الأوسط يعيش خيبة أمل من الإدارة الأمريكية التى رحلت برئاسة أوباما, ويعيش خيبة أمل فى الإدارة الجديدة برئاسة ترامب والتى لا تملك ما تقدمه للفلسطينيين, محمود عباس ليس لدية أية خيارات سوى أن يبقى فى الحكم محكوما بالإسرائيليين ويتدخلون فى شئونه كل يوم ويدخلون أراضيه دون إذن منه, أو أنه يترك كل شيء وبالتالى تندثر المنظمة وتثور الفوضى وربما تزحف حماس على الضفة الغربية, الموقف بائس من جميع نواحيه, وندعو الله أن يفتح بارقة أمل لتقضى على هذا الموقف المحبط والبائس.


ألا يوجد شخص يحمل بعضا من كاريزما أو شخصية ياسر عرفات بين الفلسطينيين اليوم؟


يتحدثون عن القيادى الفلسطينى مروان البرغوثي، لكن إسرائيل ترفض الإفراج عنه لأنها تريد أن تصل بالشعب الفلسطينى إلى حالة اليأس ويقبل خضوعه لها ويقبل بالقليل, ولا أرى أحدا على الساحة الفلسطينية يملك مهارات عرفات, ما نراه هو ردود أفعال لشعب يشعر باليأس.