أول فتاة ضمها «عرفات» للجناح المُسلح تروى ذكريات النضال: فاطمة برناوى: أبو عمار شهد على عقد زواجى

30/11/2016 - 3:05:55

  اللواء فاطمة أثناء الحوار مع سليمان عبد العظيم اللواء فاطمة أثناء الحوار مع سليمان عبد العظيم

حوار يكتبه: سليمان عبد العظيم

يحفظ الأرشيف الفلسطينى آلافا من المُناضلات الفلسطينيات اللاتى شاركن فى العمل الوطنى.. وبعد عدوان عام ١٩٦٧ برزت أسماء مثل فاطمة برناوى، أول مناضلة فلسطينية تم اعتقالها بعد خمسة أشهر فقط من اجتياح كامل الأراضى الفلسطينية، وهى من أوائل الفلسطينيات اللاتى خضن العمل الفدائى المسلح منذ انطلاق الثورة الفلسطينية التى فجرت شرارتها الأولى حركة فتح عام ١٩٦٥.


«برناوى» تحدثت فى حوار خاص مع «المصور» فى بيتها بالقاهرة عن تفاصيل اعتقالها، وسنوات المرارة، وعلاقتها بالرئيس الراحل ياسر عرفات الذى تعتبره والدها. وقالت «برناوى» وضعنا حقيبة مُتفجرات بداخل سينما إسرائيلية وكانت وقتها تعرض فيلما عن حرب الأيام الستة لبطولاتهم، ووقت خروجنا من السينما كنا نُغنى «راجعين بقوة السلاح.. راجعين نحرر الحمى» لأم كلثوم. مضيفة: نفذت أول عملية عسكرية تقوم بها امرأة فلسطينية بعد احتلال مدينة القدس بتعليمات من «أبو عمار»، لافتة إلى أن ياسر عرفات قال مازحًا عقب خروجى من السجن: «قلت لك اهربى وقتها.. روحتى اتسجنتى.. علشان تقولى إنى سجنتك».


فى طريقى بالسيارة إلى مدينة نصر حيث تسكن فاطمة البرناوى كنت أراجع ورقة معلومات حول المُناضلة اللواء فاطمة برناوى التى ولدت فى مدينة القدس قبل نكبة عام ٤٨ بعدة سنوات، لأب نيجيرى كان يسكن قرب باب المغاربة، حيث تزوج وأنجب أبناءه الخمسة ومن بينهم فاطمة كانت معلوماتى تقول إنه تم إطلاق سراحها بعد ١٠ سنوات وشهر بالكامل حيث تدخل الرئيس الراحل أنور السادات فى الإفراج عنها.


وقبل أن يدورجهاز التسجيل قالت لى «برناوى»: «تم تعذيبى داخل السجن بُكل قسوة وتم ضربى بالكرباج ومع ذلك كنت أزداد عزيمة وإصرارا»، موضحة كنت فى الشرطة النسائية وبدايتنا بـ١٧ من غزة و١٥ من أريحا، وكان هُناك تدريب بصفة مُستمرة، وأحببت العمل الفدائى أكثر من أى شىء.. تفاصيل كثيرة فى السطور التالية، عن الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وذكريات أخرى، فإلى الحوار:


مبادراً قلت : دعيا نعود بذكرياتك إلى أعوام مضت وبالتحديد عام ١٩٦٧ عندما ألقت سلطات الاحتلال الإسرائيلى القبض عليك.. وكنت أول أسيرة فلسطينية تم حبسك لأكثر من ١٠ سنوات.. كم كان عُمرك فى ذلك الوقت؟


وقتها، كُنت أبلغ من العمر ٢٧ عامًا.. وكنت أول فتاة فلسطينية فى تاريخ الثورة الفلسطينية تتعرض للاعتقال على يد سلطات الاحتلال، وكان ذلك فى عام ١٩٦٧، وتم إطلاق سراحى بعد ١٠ سنوات وشهر بالكامل، كبادرة حُسن نية بعد التوقيع على معاهدة «كامب ديفيد» بين الكيان الصهيونى والسادات، حيث تدخل الرئيس الراحل السادات للإفراج عنى.


وكيف كانت حياتك داخل السجن؟


بمجرد دخولى السجن كانت أمى وشقيقتى الصغيرة «أنعام» داخل المحبس، وسبب إلقاء القبض على أختى الصغيرة هو انتحال شخصيتى، فعندما جاءت سلطات الاحتلال للقبض علىَّ، انتحلت شخصيتى وتم سجنها لمدة عام، وفى ذلك الوقت كُنت حزينة جدا لأنها كانت طفلة صغيرة.. وكل السيدات والنساء داخل السجن كُن بلا أخلاقيات، وشقيقتى كانت بالطبع لا تُجيد التعامل معهن، بسبب صغر سنها.


وكم كان عُمر شقيقتك الصغيرة أنعام فى ذلك الوقت؟


كان عُمرها ١٧ عامًا.


وكيف تم إلقاء القبض عليك؟


حضرت سُلطات الاحتلال، وألقت القبض علىَّ، لأنه فى ذلك الوقت لم يكن لدينا الوعى الكامل للهروب، فبعد تنفيذ العملية الفدائية، ذهبت لأعمل مُمرضة فى مدينة قلقيلية، حيث فضلت العمل فى مهنة التمريض كونى أُساعد إنسانًا بحاجة لى، كما أننى لم أتخل عن الثورة، فقد كان عملى فى صفوفها وعملت فى مستشفى الشهيد كمال عدوان فى البقاع.. ورغم أن الضابط الصهيونى قال لى وقتها عند القبض علىَّ: «تعالى معانا ١٠ دقائق اشربى فنجان قهوة»، إلا أننى قُلت بثقة: «بل ١٠ سنوات» لعلمى أن من يذهب لن يعود قبل ١٠ سنوات، اقتادونى وسط صراخ زميلاتى المُمرضات فى وجوه الجنود الصهاينة، وأثناء المُحاكمة كُنت أُغنى فى فرح الأغانى الوطنية من خلف القضبان.. وبعد النطق بالحكم ١٠ سنوات، ظللت أخرج لسانى للقضاة، حتى أن الصحافة الصهيونية علقت على صورتى بأن لسانى أطول لسان فى العالم.


وما العملية الفدائية التى قمت بتنفيذها؟


كنت أول فتاة فلسطينية ضمها الرئيس الراحل ياسر عرفات للجناح المسلح، وكان ذلك عام ١٩٦٥، وفى عام ١٩٦٧ نفذت أول عملية عسكرية تقوم بها امرأة فلسطينية مع مجموعة من الشباب المقاتلين بعد احتلال مدينة القدس، بتعليمات من «أبو عمار».. والذى كان يقود المجموعات والخلايا العسكرية لحركة فتح باسم «أبو محمد» والذى تسلل إلى الأراضى المحتلة وكون مجموعات ارتكازية لحركة فتح داخل الوطن المحتل، حيث وضعنا حقيبة مُتفجرات بداخل سينما إسرائيلية (صهيون) فى القدس، كانت وقتها تعرض فيلما عن حرب الأيام الستة لبطولاتهم فى حرب ١٩٦٧، وحاولت المُغادرة برفقة شقيقتى «إحسان» وشاب آخر، وبالفعل تمكنا من الخروج، ووقت خروجنا كُنا نغنى أغنية للراحلة أم كلثوم «راجعين بقوة السلاح.. راجعين نحرر الحمى»، ولا يُمكن أن أنسى أبداً هذا اليوم.. لكن صحفيا أمريكيا انتبه للحقيبة فظن أننا قد نسيناها، فخرج خلفنا ولم يتوصل إلينا، وقتها شك جنود الاحتلال فى الأمر، وقاموا بتفجير الحقيبة خارج السينما.. وعقب ذلك بدأت عملية البحث عنى وعن أختى، وبعد ذلك وصلنا إلى المنزل، وسافرت فوراً إلى مدينة «قلقيلية».. وهذا العمل الفدائى كان سبب الحب الذى وجدته فى كل الدول التى زرتها.


وما مجموعة العمل التى قامت معك بهذه العملية الغذائية .. وهل كانت كُلها سيدات؟


كنا أنا وأختى و٤ شباب آخرين.


وهل كانت لك علاقة مُباشرة مع الراحل ياسر عرفات؟


بعد خروجى من السجن، كانت لى علاقة كبيرة جدًا معه، وهُناك صور تذكارية كثيرة معه مثبتة على جدران بيتى، وكان هو والدى ورئيسى وتعلمت منه الكثير.


وكيف ضمك «أبو عمار» لمجموعته؟


الرئيس الراحل أسس حركة فتح عام ١٩٦٥ واستطاع التسلل إلى بلاده الجريحة عبر نهر الأردن والوصول إلى قلب مدينة القدس المحتلة، حيث ضم إلى صفوف مقاتليه عددا من الشبان والشابات كنت من بينهم، وفى ذلك الوقت خطط «أبو عمار» لتنفيذ ٧ عمليات تفجيرية فدائية داخل مدينة القدس، وكان من نصيبى أنا وشقيقتى إحسان تفجير سينما صهيون.


طبعاً تتذكرين.. لحظات تعذيبك داخل السجن؟


بالفعل، وكان التعذيب بُكل قسوة وتم ضربى بالكرباج من خلال السجان، ومع ذلك كنت أزداد عزيمة وإصرارا، وبالرغم من التعذيب البدنى والتعذيب النفسى الذى تعرضت له كان لدى إصرار على موقفى.. وكانت أمى داخل السجن معى فى ذلك الوقت.. وأتذكر أنه قبل دخول السجن وأثناء التحقيقات كان هناك ضابط ألمانى يهودى يضربنى ويركلنى بقدمه، وكان يصرخ فى وجهى دائمًا ويتهمنى بأننى إفريقية و أن فلسطين ليست وطنى، وكُنت أرد عليه دائمًا بأنه ألمانى، وأنه هو الذى احتل وطنى واغتصب أرضى.


وما علاقتك بالشرطة؟


أنا كُنت فى الشرطة النسائية، وبدايتنا كانت بـ ١٧ فتاة من غزة، و١٥ من أريحا، وكان هُناك تدريب عسكرى بصفة مُستمرة.. وأحببت العمل الفدائى أكثر من أى شىء.


وهل كُنت سعيدة بهذا العمل الفدائى؟


على الرغم من عدم نجاحه بالشكل المطلوب، إلا أننى كُنت سعيدة، وكُنت أتمنى أن يحدث الانفجار داخل السينما سريعًا، إلا أنه تم اكتشاف الأمر، لكن هذا الموضوع كان مصدر خوف لدى الكثيرين.


وكيف تمت عملية مُحاكمتك؟


سألوا أهلى عنى، وعن شقيقتى إحسان التى هربت مع مجموعة المناضل والفدائى على طه إلى الأردن، حيث تزوجت فيما بعد هُناك، أما أنا فتم إلقاء القبض علىّ بعد يومين، حيث لعب لون البشرة السمراء دورًا كبيرًا، وقدمت للمحاكمة أنا والشبان السبعة الذين نفذوا العمليات الأخرى، ورفضت وقتها التعامل مع المحامى الإسرائيلى.. فقدم والدى محاميًا فلسطينيًا، وطلب منى المحامى عدم الاعتراف بأننى أنا الذى وضعت المتفجرات داخل السينما، حتى لا تثبت التهمة علىّ وأحاكم بتهمة الإرهاب، فرفضت، وقلت: «إنها عملية شرعية دفاعًا عن وطنى لماذا أتنكر لها؟».. واقترح علىّ كذلك أن أقول «إن أحد الأشخاص كان يُريد أن يتزوجنى.. وعندما رفضت تمامًا اسندولى هذه القضية»، لكن كان الرد قاطعا للمحامى «بأن قضيتنا أسمى وأكبر من ذلك.. وأنا فعلت هذا لأنى صاحبة حق فى هذه الأرض، وإنما هو مُحتل».


وما الحكم الذى صدر ضدك؟


حُكم علىَّ بالسجن عشر سنوات بتهم حيازة أسلحة والشروع فى تنفيذ عملية تفجيرية والانتماء لتنظيم غير شرعى، وأمى خرجت من السجن بعد شهرين وتوفيت وأنا داخل السجن، أما أختى أنعام فقد سجنت مدة عام، لأنها كذبت على جنود الاحتلال حين انتحلت اسمى.


وماذا كان الهدف من تلك الأحكام؟


كان الهدف من هذه الأحكام العالية أن تخاف باقى البنات وتُحجم عن المُشاركة فى الأعمال النضالية، لكن حدث العكس إذ تحررت المرأة الفلسطينية من قيود المجتمع وانطلقت باتجاه الثورة، وقامت بعدى المُناضلة عايدة سعد بتفجير دبابة إسرائيلية فى قطاع غزة، رغم أنها كانت فى السابعة عشرة من عمرها.


عانيت بالطبع فى السجن؟


كانت ظروف الاعتقال صعبة ومُزرية وكثيرًا ما كُنا نتعرض للشتم والضرب على أيدى مُجندات الاحتلال اللاتى طالما منعوا عنا الزيارة.. حيث فى بعض الأحيان يحضر السجانون الذكور ويفتحون باب الزنزانة بشكل مفاجئ، مما يسبب خوفًا وإهانة أخلاقية للأسيرة.. فمعاناتنا كانت تتعدى الوصف.


عقب خروجك من السجن، كيف كان اللقاء الأول بأبو عمار؟


كان أبو عمار فى بيروت عام ١٩٨٢، ووقتها مازحنى قائلًا: «إيه يا فاطمة قلت لك اهربى وقتها، روحتى اتسجنتى.. علشان تقولى إنى سجنتك»، سألنى عن الأخوات فى السجن وأحوالهن، وأوصى بى أحد رفقاء الكفاح الأوائل ممن يثق بهم جدًا قائلًا له: «هذه ابنتى فى رقبتك».


وماذا تتذكرين عن حرب ١٩٦٧.. وكيف كانت أجواؤها؟


أتذكر الجرحى من الجنود المصريين فى المستشفى، وأتذكر فرقة ٢٣ صاعقة، حيث تعرفت عليهم فى وقت كان العدو يبحث عنهم وطلبوا منى مساعدتهم فى استبدال ملابسهم العسكرية بأخرة مدنية، وأحرقت ملابس الصاعقة، لكن الصهاينة اقتحموا المستشفى وأسروا الجنود المصريين، الذين تركوا معى صور أطفالهم وبعض مُتعلقاتهم وخطابات لأسرهم، لكن من سوء الحظ أننى سُجنت ولم أخرج، إلا بعد أن عادوا لأهلهم.


وهل أنت الفدائية الوحيدة فى العائلة؟


بالطبع لا، فالوالد كان فدائيًا حتى النخاع، وأنا تعلمت منه الكثير، وكذلك عمى كان وطنيًا وفدائيًا.


ومن هو زوجك؟


هو الشهيد اللواء فوزى نمر، مستشار الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات للتواصل الإنسانى، وهو شخص مُناضل من سنة ١٩٤٨ ضد الإسرائيليين، وله أعمال فدائية كثيرة، وتم سجنه لسنوات طويلة من أجل الكفاح، فهو مُناضل عريق أقعده المرض منذ سنوات، لكنه يحمل تاريخًا عريقًا فى النضال، وكان إنسانا بمعنى الكلمة، وكنت أحبه كثيرًا، وكان «أبو عمار» الشاهد على زواجنا، وهو من مدينة عكا.


وهل تعتقدين أن «أبو عمار» مات بالسم؟


نعم، مات بالسم.. هذه حقيقة.


وهل أخوتك كانوا فدائيين مثلك؟


نعم، ومنهم من خاض حروبا كثيرة وقام بعمليات فدائية كبيرة.


وهل لديك أصول للعائلة فى نيجيريا حاليًا؟


أنا من مواليد القدس عام ١٩٣٩، وأنحدر من عائلة نيجيرية الأصل، هاجر والدى إلى فلسطين عام ١٩٣٨، واستقر فى مدينة القدس، وعشت فى حاراتها وشوارعها، ولدى أشخاص يعيشون فى نيجيريا بالطبع.. ولدى أقارب وعائلات مازالوا موجودين.


فى اعتقادك.. هل الشعب الفلسطينى الآن بحاجة لاختيار قيادة سياسية جديدة؟


نحن نختار من يحكمنا ولدينا الحُرية فى الانتخابات، ولا نطلب من أى دولة عربية أن تفرض علينا شخصا مُعينا.


وما مدى حبك للراحل جمال عبد الناصر؟


نحن نعشق عبد الناصر، فهو من علمنا كلمة أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فهو قيمة ورمز بمعنى الكلمة، والكل فى فلسطين يكن له كل الاحترام والتقدير.


فى رأيك.. هل نحن العرب «نُقدس» أى رئيس؟


ليس تقديسًا بمعنى الكلمة، وإنما هو حب وعشق لما يحمله هذا الرئيس من قيمة ورمز، ومثال على ذلك الرئيس عبد الفتاح السيسى و»أبو عمار».


وما رأيك فيما يحدث فى مصر الآن؟


ما يحدث فى مصر الآن من مشاكل عملية مقصودة حتى لا يتم الاستقرار والهدوء فى مصر.. والله يوفق الرئيس السيسى للخير دائمًا، فهو يأخذ مصر للخير، وفعل الكثير من المشروعات الكبيرة، ومن أهمها مشروع قناة السويس الجديدة.