بعد ١٢ عامًا من الصمت: من وضع السُم لعرفات؟

30/11/2016 - 3:00:27

  الآلاف يشيعون الجثمان فى فلسطين .. والملايين ينعونه فى العالم أحمع الآلاف يشيعون الجثمان فى فلسطين .. والملايين ينعونه فى العالم أحمع

حين تأتى الذكرى السنوية لوفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية، يتجدد معها، السؤال كيف مات «عرفات»؟.. ويسود اعتقاد واسع لدى الفلسطينيين بأن زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية مات مسمومًا، وأن أطرافا مُتعددة قد تكون متورطة فى ذلك.


ورغم مرور ١٢ عامًا على وفاة «عرفات» فى مشفى بيرسى العسكرى الفرنسي، إلا أن تحقيقًا جديًا فى أسباب وفاته لم يُجر حتى الآن، مما خلق اتهامات مُتبادلة تناقلتها وسائل الإعلام، وطالت حتى قيادات فلسطينية، فهناك من ردد أن قيادى فتح محمد دحلان هو السبب فى وفاة «عرفات»، وفريق ثان قال إن اللواء توفيق الطيراوى والذى دافع بجسده عن الرئيس «أبو عمار» وحوصر معه هو السبب، وفريق ثالث أكد أن السفير الفلسطينى فى تونس سليمان الهرفى هو من أرسل العسل لأبو عمار وبه السم، لذلك كثير من القيادات الفلسطينية تم اتهامها بقتل أبو عمار.. فضلا عن اتهامات طالت إسرائيل بقتل عرفات عمدا عن طريق إدخال السم إلى جسده.


وقُتل «عرفات» بالسم.. وهو سم غريب يدخل ويقتل من خلال مسام التذوق فى اللسان، ويأخذ ما بين ٨ أشهر إلى عام، حتى يقتل ضحيته.. أى أن مفعول هذا السم بطىء ويعمل على تعطيل كافة أجزاء الجسم الداخلية وآلياته واحدة تلو الأخرى، حتى يصل إلى الدماغ، ومن ثم يقتل ضحيته.


«عرفات» حذر أكثر من مرة من أن لحظة اغتياله قد اقتربت وفقا لتطورات الأحداث، ووفقا لما جاء على لسان الإسرائيليين أنفسهم.. وأنه منذ بداية الثورة الفلسطينية تسعى إسرائيل لتصفية «عرفات» حتى خارج فلسطين من خلال مُحاولات عديدة.


ويُشار إلى أن المُحاولات الجدية لاغتيال «أبو عمار» بدأت فعليًا منذ أن بدأت إسرائيل بإعادة احتلال الضفة الغربية، بعد أن أصبح شارون رئيسا للوزراء عام ٢٠٠٠ وتلك المحاولات بدأت من خلال القصف المباشر من الدبابات والطائرات لمقره فى المقاطعة فى رام الله. وإسرائيل خشيت وقتها من مُحاولات قتل «عرفات» بالتدمير المُباشر، لأنها بذلك ستصبح مُتهمة بالموافقة على قتله، ما دفع الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش بالتدخل وطلب شارون عدم المساس بـ»عرفات» جسديًا.


وبحسب بسام أبو شريف، المستشار السياسى لعرفات، قال إن معلومات أكيدة وصلت له من بعض المقربين، تقول إن شارون طرح وعده للرئيس «بوش» بعدم المساس بعرفات جسديا على الحكومة المصغرة التى تسمى» المطبخ الإسرائيلي»، وأنه عندما خرج من هذا الاجتماع كان يسير إلى جانبه «موفاز».. وقال شارون لموفاز: «لقد ضيعنا فرصة ثمينة للمرة الثانية بنجاة عرفات من قبضتنا»، إلا أن الأخير أجابه: «الفرصة لم تضع بعد، ومازال لدينا إمكانية.. فأنت أعطيت وعدا لبوش بأن إسرائيل لن يكون لها علاقة بقتل عرفات، عرفات سينتهي، ولن يستطيع أحد أن يتهم اسرائيل»، فرد عليه شارون: «افعل ولا علاقة لإسرائيل».


وأكد «أبو شريف» أن إسرائيل كانت معنية جدًا بالتخلص من «أبو عمار»، لأنه كان يُشكل بالنسبة لهم عقبة فى وجه مخططهم الذى لا يريد أن تقام دولة فلسطينية ذات سيادة، بل يُريد دولة هيكلًا تكون شرطيا ينوب عن الإسرائيليين المحتلين فى حكم الفلسطينيين لهم نيابة عنهم.


«أبو شريف» قال: «أصبحت متأكدًا من أن اغتيال «أبو عمار» سيتم من خلال إدخال السم فى جسده من خلال يد لا يعتبرها «عرفات» من الطرف الآخر.. ما دفعنى لتحذيره أكثر من مرة ووجهت له رسالة مكتوبة، وتحدثت معه بأننى على يقين أن هناك قرارات، وستبدأ المُحاولات باغتياله.


وأضاف «أبو شريف»: فى آخر زيارة قُمت بها من أجل تحذير «أبو عمار»، قلت له بالحرف الواحد: الاغتيال اقترب.. أرجوك كل الرجاء.. أنت لست ملك نفسك، بل ملك الشعب الفلسطينى وملك التاريخ.. لا تشرب من زجاجة ماء لا تعرف مصدرها ولا تأكل من أى مكان – حتى من مطبخك - من غير أن تعرف المواد الموجودة فيه ومن الذى طبخه».


كثيرون حذروا «عرفات» من محاولات الاغتيال.. و»المصور» كانت قد حذرت «أبو عمار» من مُحاولات اغتيال قد تطوله وذلك قبل سنوات من موته، فنشرت «المصور» فى عام ٢٠٠١ تقريرًا بعنوان «شارون يُقرر تصفية عرفات»، وذلك فى أعقاب قصف القوات الإسرائيلية مدينة رام الله بالصورايخ التى أصابت مقار «عرفات»، الذى لم يكن موجودًا فيه حينها.


وفى ٥ أبريل عام ٢٠٠٢ نشرت الدكتورة حنان عواد المُستشار الإعلامى لعرفات، رسالة مُهمة للعالم من خلال «المصور» تحت عنوان «يوميات الحصار» بعد أن التقت الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد بالقاهرة، وقالت إن «الهدف من المجازر الشارونية فى رام الله كان «أبو عمار» رقم واحد واثنين وثلاثة.. وأن الحصار اللاإنسانى جعل أسهم «أبو عمار» فى السماء فى عيون شعبه، وأصبح هدفًا لرصاص الجيش الإسرائيلى النازى المذعور.


بينما تساءلت الكاتبة الصحفية عزة صبحى فى تقرير من خلال «المصور» فى عددها الصادر فى ٥ أبريل عام ٢٠٠٢ عن «دور نشطاء السلام الإسرائيليين فى حماية عرفات»، حيث قالت: «ربما تكون مجموعة «دعاة السلام ومناهضى العولمة» التى ما زالت موجودة فى مدينة رام الله وفى مُخيمات اللاجئين فى غزة هم شهود العيان الذين سيعرفهم العالم من خلال المجازر والمذابح التى يقوم بها الجيش الإسرائيلى ضد الفلسطينيين.. وأن مجموعة «دعاة السلام» نجحوا فى التسلل لمكتب «عرفات» ويرفضون التخلى عنه ومُغادرة المكان على الرغم من النداءات المُتكررة التى يوجهها الجيش الإسرائيلى بالخروج.


كما نشرت «المصور» فى سبتمبر عام ٢٠٠٢ تقريرًا بعنوان «عملية خنق عرفات تجمع الفلسطينيين حوله» للكاتبه الصحفية نهال الشريف، قالت فيه: إنه «بعد أن انسحبت الآليات العسكرية من المقاطعة بقيت ١٥ دبابة إسرائيلية حول مبنى «عرفات» وقطعت عنه مواسير المياه باستخدام بلدوزرات الخدمة الشاقة، كما سدت الدبابات كل المنافذ المؤدية للمبنى.. وأن مصادر فى المخابرات الإسرائيلية ذكرت أن «فرقة الاستطلاع ١٦٢ تقف فى حالة استعداد كامل للهجوم على موضع «عرفات» إذا ما صدرت لها الأوامر».. وأن «قائد الوحدة تلقى الأوامر من شارون بالقيام بعميلة تنظيف».


وأضاف التقرير أنه وفقًا لما أذاعته قناة التليفزيون الإسرائيلى الثانية نقلًا عن مسئولين بوزارة الدفاع، أن هدف العملية أن تصبح حياة «عرفات» من الصعوبة إلى درجة تدفعه لأن يختار الحياه فى المنفى.


وذكر التقرير أيضًا أنه فى مُكالمة هاتفية بين آريل شارون وأحمد قريع (أبو العلاء) رئيس المجلس التشريعى الفلسطيني، قال شارون: «لا يوجد لإسرائيل أى نية بلمس عرفات، لكنه قال أيضًا إنه يأمل أن يفهم الفلسطينيون أن عرفات فى حكم المُنتهى بعد أن قادهم إلى ما قادهم إليه.. من ناحيتى هو مُنته منذ وقت».


وفى مستشفى بيرسى العسكرى فى فرنسا، كانت قد كشفت التقارير الطبية أن الصفائح الدموية فى جسم «أبو عمار» تتناقص لسبب غير معروف، وحددت التقارير ثلاثة احتمالات إما الإصابة بالسرطان، والتى نفتها التحليلات الطبية اللاحقة، وإما الالتهابات وهى لا تسبب موتا مفاجئا، وإما التسمم.


ويشار إلى أن سجل الموساد الإسرائيلى حافل فى مُمارسة هذا النوع من عمليات الاغتيال، والتى ثبت تورط الموساد فى تنفيذ بعضها بشكل قاطع.. ولقد شرعت بعض الأجهزة الفلسطينية فى إجراء تحقيقات سرية مع بعض المحيطين بعرفات، والذين كانوا يشرفون على حياته اليومية من مأكل ومشرب، لمعرفة كيفية وصول السم إلى جسده.


وهنا تشير المعلومات إلى أن «عرفات» مات قبل أن يتم الإعلان عن وفاته رسميا بعدة أيام، وأن الرئيس الفرنسى الأسبق جاك شيراك كان أول من عرف بوفاته، بعد أن أبلغه كبير الأطباء فى مستشفى بيرسى بذلك.


وكانت وجهة نظر «شيراك» هى أن يتم فورا الإعلان عن وفاة عرفات، إلا أنه عندما سأل أطباءه عن السبب الرئيسى فى وفاته.. فإن الأطباء الفرنسيين أجزموا فى تقرير سرى أرسلوه إلى «شيراك» بأن المرض الذى يعانى منه غير محدد بالدقة، وأنه يُعانى من تسمم بطيء غير معروف، وأن السم الذى قتل به عرفات هو من الأنواع غير المُتداولة فى العالم، وأنه يحوى «خلطة سحرية» تحمل السم ونقيضه فى آن واحد.. فهى تحمل السم الذى يمكن أن يعطل الأجهزة ويحمل فى ذاته العناصر الدوائية التى يمكن أن تنفى السم فى حال الكشف على هذه الأجهزة، وأن هذا السم لابد أن يكون قد تم اختراعه أو تجهيزه بعد المرور بالعديد من التجارب، وأنه أخذ حيزا كبيرا من الوقت حتى تم التوصل إلى معادلة التركيب القاتلة، والتى تنفى فى النهاية إصابته بالسم.


وقال «أبو شريف» إن «شيراك» يعلم، هو وأطباؤه الفرنسيون السبب الحقيقى لموت عرفات، وبأنه مات مسموما، وأنه من الطبيعى إلا يفصح «شيراك» عن السبب الحقيقى لموت «عرفات»، فهو رئيس دولة دائمة العضوية فى مجلس الأمن وعضو فى اللجنة الرباعية ومهتم بالدفع بعملية السلام فى الشرق الأوسط، وما يعنيه هو استمرار عملية السلام لأن موضوع الشرق الأوسط بالنسبة له.. وبالنسبة لدول أخرى» هو موضوع سلام وليس موضوع أفراد»، وأن موت «عرفات» يجب إلا يوقف عملية السلام، فيما الإفصاح عن السبب الحقيقى لموته سيحفز العشرات من الفلسطينيين للقيام بعمليات، ربما تكون انتحارية داخل إسرائيل ما سيؤدى إلى تدمير عملية السلام حسب اعتقاده.


التقارير الطبية فى ذلك الوقت أشارت إلى احتمال دخول السم لجسد «عرفات» إما أنه تم وضعه فى الأكل أو فى أحد الأدوية التى يأخذها «عرفات» لأن هذين الاحتمالين هما الأكثر تسببا فى إصابة الصفائح الدموية بهذا التكسير والتحطيم المتتالى. وأوردت التقارير الطبية أن وفاة ياسر عرفات كانت فى اليوم الثالث عشر من دخوله مستشفى باريس العسكري، واليوم الثامن من دخوله قسم العناية المركزة بسبب نزيف دموى شديد فى الدماغ.


ووفقًا للتقارير الطبية نفسها فإن الملامح الأولى بعد نقل الرئيس الفلسطينى الراحل إلى باريس كانت تشير إلى أن جسد عرفات به العديد من البقع الحمراء، التى لا تلبث أن تظهر، حتى تختفي، الأمر الذى حدا بأحد الأطباء الفرنسيين للإشارة إلى أن ذلك هو الخطأ الوحيد فى تلك الخلطة السحرية من السم، فمُعادلة التركيب لعناصر السم الكيميائية لم تصل فى الدقة المُتناهية إلى الحد الذى لا يظهر هذه البقع الحمراء على الجلد، وفى مناطق مُعينة.