ياسـر عـرفات الشـهيـد الحى ..

30/11/2016 - 2:56:56

  سناء السعيد في حوارها مع الختيار ١٩٩٤ سناء السعيد في حوارها مع الختيار ١٩٩٤

بقلم : سناء السعيد

فى الحادى عشر من نوفمبر الجارى، حلت الذكرى الثانية عشرة لوفاة ياسر عرفات والتى كان لها وقع سيئ على الفلسطينيين مع الغموض الذى اكتنفها، إذ لا تزال أسباب وفاته الحقيقية لغزا كبيرا يشغل بال الفلسطينيين حتى الآن لا سيما بعد ما قيل إنه مات مسموما، وأخفقت المختبرات النووية السويسرية والروسية والفرنسية فى إيجاد السبب المباشر والمؤكد لوفاته. وبالتالى ثار التساؤل: ترى من يمكنه كشف اللغز والتوصل إلى السبب فى وفاته؟. ولهذا بادرت السلطة الفلسطينية فى عام ٢٠١٠ إلى تشكيل لجنة تحقيق مختصة ترأسها رئيس جهاز المخابرات العامة السابق اللواء «توفيق الطيراوى»، والتى ما زالت تواصل عملها بحثا عن طرف خيط يقودها إلى الجناة. وكان الطيراوى قد صرح العام الماضى بأن اللجنة حددت هوية منفذى الاغتيال دون التطرق إلى أية أسماء.


فى الأول من نوفمبر الجارى أعلنت اللجنة المركزية لحركة فتح عن تحديد ٢٩ نوفمبر الجارى لعقد المؤتمر العام السابع للحركة فى مدينة رام الله بالضفة ولأول مرة منذ خمسة أعوام. وأكدت مصادر فلسطينية بأن اللجنة ستكشف لغز وفاة عرفات فى المؤتمر المذكور. ويتوقع أن تميط اللثام عن أسماء المتورطين فى الاغتيال عبر تقرير نهائى بعد أن بات الملف مكتملا، ويتوقع أن يشكل كشف المستور مفاجأة للجميع. ويظل من حق الفلسطينيين والعالم كله معرفة كل النتائج التى توصلت إليها لجنة التحقيق حول ظروف اغتيال عرفات، ولا بد من محاكمة علنية أمام الشعب الفلسطينى، ليقف الفلسطينيون على أبعاد القضية كلها، وكيف تم الاغتيال، وأيضا المتورطون فى الحادث سواء من الداخل أو الخارج.


كانت الاتهامات قد حاصرت إسرائيل من منطلق أنها ضربت مقر المقاطعة فى رام الله وفرضت حصارا ضاريا على عرفات فى ٢٠٠٢ ، وأن شارون أعطى وعدا لبوش الابن بأنه لن يمس عرفات جسديا من خلال المدافع والرصاص مما يعنى فتح الباب لقتله بوسائل أخرى كدس السم له كما فعلت عندما اغتالت الشهيد «وديع حداد» القيادى فى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيث اعترف الموساد قبل سنوات باغتياله فى مقر إقامته ببغداد بواسطة وضع السم له فى القهوة. ومن ثم شعر من أول رشفة بتقلب معدته وتقيأ. ولهذا قد تكون إسرائيل فعلت بالمثل مع عرفات لا سيما بعد أن حملته مسئولية عمليات فدائية أسفرت عن مقتل الكثير من الإسرائيليين. ومن ثم قامت بمنعه من مغادرة رام الله. وفى ٢٩ مارس ٢٠٠٢ حاصرته داخل مقره فى المقاطعة، وتعرض لحملة أمريكية إسرائيلية لإقصائه عن السلطة. وفى ٢٤ مايو طلب بوش تشكيل قيادة فلسطينية جديدة واضطر عرفات للتنازل عن بعض صلاحياته لمحمود عباس الذى ما لبث أن استقال ليخلفه أحمد قريع. وخلافا لاتهام إسرائيل هناك شبهات حول تعاون فلسطينى فى عملية الوفاة على خلفية الصراع على السلطة.


كانت لى لقاءات كثيرة مع عرفات فى مصر وغزة والعراق وتونس. رأيت عرفات الثائر القائد الذى رسخ فى ذاكرة الفلسطينيين صورا لا تمحى عبر الزمن من خلال مواقفه الوطنية المشرفة، إنه عرفات الذى وقف أمام الجمعية العامة فى الأمم المتحدة عام ٧٤ ليخاطب العالم كله قائلا: (أتيت إليكم بغصن الزيتون فى يدى وبندقية الثائر فى يدى الأخرى، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدى). وواتته الشجاعة مقرونة بالأمل فى عام ٨٨ عندما وقف فى قاعة قصر الصنوبر بالعاصمة الجزائرية وأعلن قيام الدولة الفلسطينية. ومن خلال لقاءاتى معه رأيت فيه الإنسان المثابر الثائر القائد الذى جسد الهوية النضالية، وأرسى معالم الوطنية عبر مشروع تحريرى خالد.


فى فبراير ٨٦ أجريت معه لقاء موسعا تطرق فيه إلى واقعة اجتياح بيروت فى عام ٨٢ وقال لى: (تم التخطيط فى عهد ريجان مع شارون من أجل اجتياح بيروت، فكانت لبنان هى أطول الحروب العربية الإسرائيلية، وهى الحرب الوحيدة التى لم يجرؤ حتى الآن أن يتبناها أى جنرال من جنرالات إسرائيل، كانت الهزيمة يتيمة، وتحول حصار بيروت إلى أكبر ضربة وجهت إلى العسكرية الإسرائيلية)، وفى معرض حديثه عن حق تقرير المصير قال: (إننى لا أطالب بالمستحيل ولا بما هو متعذر عندما أطالب بحق تقرير المصير للشعب الفلسطينى وفقا للشرائع السماوية والمواثيق الدولية). وحول مؤامرة ترحيل الفلسطينيين من لبنان قال: (خرجنا من الإعصار ونجا نصف مليون فلسطينى فى لبنان من مؤامرة ترحيلهم)، ويعز عرفات ما يحدث فى المنطقة من أزمات إلى التمزق العربى قائلا: (المشكلة تكمن فى التمزق العربى، ولكنى آمل أن يكون حاليا حالة عرضية عارضة).


وفى مايو ٨٨ أجريت مع الرئيس عرفات اللقاء فى بغداد حيث كان فى زيارة للعراق، ولقد جمعتنى الصدفة به فى احتفالية أقيمت للرئيس العراقى صدام حسين احتفاء بعيد ميلاده والذى كان يوافق ٢٨ إبريل وكانت قد وجهت لى الدعوة لحضور الاحتفالية وفوجئت عند دخولى إلى القاعة بوجود عرفات والقائد الفلسطينى صلاح خلف «أبو إياد». وما إن رآنى عرفات حتى ابتسم قائلا: (أنت هنا أيضا، وتصافحنا وأخذت منه موعدا للقاء صحفى قبل مغادرته العراق تحدث فيه عن دور أمريكا فى التواطؤ مع إسرائيل فى العمليات الإرهابية التى تشنها ضد الفلسطينيين، واتهم أمريكا بأنها شاركت فى عملية اغتيال «أبو جهاد»، وبأن العملية جاءت بإذن مسبق من الإدارة الأمريكية، ويردف قائلا:( منذ اليوم الأول الذى انطلقنا فيه ونحن نحمل أكفاننا على أيدينا، ونحسد من يسبقنا على طريق الشهادة. إننا نتسابق عليها وندعو الله أن يطعمنا إياها)، وفى لقائى به فى نوفمبر ٨٩ أعرب الرئيس عرفات عن تقديره للرئيس مبارك وللدور الذى تقوم به مصر من أجل القضية الفلسطينية. وتحدث عن الانتفاضة الفلسطينية قائلا: (ستستمر الانتفاضة، فليس كل ما يفرضه الآخرون قدراً، رابين قال مع بدايتها إنه سيقضى عليها فى يومين واليوم نحن على أبواب أن ندخل بها عامها الثالث ولم تنتهِ وستستمر حتى رفع العلم الفلسطينى فوق القدس عاصمة دولة فلسطين. ياجبل ماهزك ريح، فصبرى لم ينفد)، وتحدث يومها عن أن هناك مؤامرة إسرائيلية أمريكية تتورط فيها أطراف عربية لتمزيق لبنان وأردف قائلا: ( قلت هذا وسأظل أقوله لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس).


ومع نهاية عام ٩٢ وبداية عام ٩٣ التقيت عرفات فى تونس. يومها حدثنى عن أمريكا وبأنه لا يمكن الوثوق بها فيما إذا كانت ستظل ملتزمة بعملية السلام، وحذر من أنه إذا لم تنجح مفاوضات السلام فإن المنطقة ستتحول إلى فوضى شاملة وسيصبح ما يجرى فى البوسنة والهرسك مجرد بروفة صغيرة لما يمكن أن يحدث فى منطقتنا، وتطرق بالحديث إلى اسحاق رابين وأردف قائلا: (رابين هو العقبة الوحيدة فى طريق السلام، ولن أنسى محاصرته لى فى بيروت فى الماضى، أما اليوم فأحمله مسئولية الجريمة النكراء بهذا الترحيل الجماعى للفلسطينيين).والتقى عرفات فى يونيو ٩٣ فيحدثنى عن الجولة العاشرة من المباحثات الثنائية فى واشنطن بين الأطراف العربية وإسرائيل وعما إذا كانت ستسفر عن نتائج إيجابية فقال: (أطالب أمريكا بالإقرار بحق تقرير المصير للفلسطينيين وحق إنشاء دولة لهم، كما أطالبها بألا تتلاعب بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وأطالبها بالتأكيد أن القدس محتلة وينطبق عليها ما ينطبق على الأراضى العربية المحتلة، إننى أؤكد هنا بأن لا أمريكا ولا غيرها تستطيع تصفية القضية، وأن المباحثات إذا فشلت فإن هناك خيارات كثيرة أمام الفلسطينيين، إننى أرفض رفع المقاطعة العربية عن إسرائيل ما لم يتم التوصل إلى حل شامل. وأرفض المنطق القائل بعدم الربط بين مسارات التفاوض، إذ إن الحل لابد أن يكون شاملا وليس ثنائيا).


وفى سبتمبر ٩٤ كان لى لقاء معه فى غزة ليحدثنى عن القدس ووجوب أن توضع على جدول الأعمال فى كل تحرك مستقبلى خاصة بعد محاولة إسرائيل فصل الموضوع الدينى عن الموضوع السياسى من خلال الاتفاق الأردنى الإسرائيلى. وأردف قائلا: (ولاية القدس للفلسطينيين، أما إسرائيل فليست البابوية الجديدة للعالمين الإسلامى والمسيحى. وعليه فإن الولاية الدينية والسياسية للقدس هى للفلسطينيين، فكما أن ولاية الأزهر لمصر، وولاية مكة والمدينة للسعودية ، وولاية النجف للعراق فإن القدس للفلسطينيين).


كان عرفات يرى أن السلام هو حاجة فلسطينية أردنية مصرية سورية لبنانية أوربية أمريكية دولية وعلى الجميع أن يراعى ذلك، وتظل ذكرى عرفات الشهيد الحى فى وجدان كل فلسطينى وكل عربى حر. إنه الحالم بدولة مستقلة وبقدس محررة. وهو الحلم الذى لم يتحقق بعد، أما صاحب الحلم عرفات القائد والرائد فلقد رحل بعد أن أنهى تجربته المجيدة، ولعل أهم المجازفات السياسية فى حياته قبوله بتأسيس حكومة فلسطينية مستقلة عنه واضطراره لذلك وهو الزعيم المطلق بالجملة، ولقد ترأسها «محمودعباس» بيد أنه لم يستمر وأنهى تجربة حكومته فى أقل من أربعة أشهر، وكاد يعتزل الحياة السياسية لولا وفاة عرفات فتم اختياره لعله يستطيع تحقيق ما لم ينجزه عرفات وهو السلام الفلسطينى.....