لقـاء نـادر مع الختيـار!

30/11/2016 - 2:35:09

  بعد طول انتظار لحوار مع الختيار فزت أيضا بحوار مع سها الطويل بعد طول انتظار لحوار مع الختيار فزت أيضا بحوار مع سها الطويل

بقلم : حــمدى رزق

وتوترت الأجواء بشدة، وحدث تلاسن خفيف بينى وسكرتارية الختيار، وخرجت من مكتبه فى غزة وأنا شديد الإحباط، كنت قاب قوسين أو أدنى من إجراء أول حوار صحفى مع الرئيس عرفات بعد استلامه الخمس مدن المحررة، ليتها توقفت عند حد خسارة الحوار.


عدت إلى فندق «أمان» أجر أذيال الخيبة، هنيهة وتوافد على الفندق بعض الزملاء الصحفيين المصريين المقيمين فى غزة كمراسلين، وكل منهم يحمل خبرا سيئا، منهم من قال إنهم فى الطريق للقبض علىَّ لأنى أهنت الختيار بحسب ما أفاد به سكرتارية الرئيس عرفات، ومنهم من طلب منى وبإلحاح حزم أمتعتى ويوصلنى إلى المنفذ البرى بسيارته قبل حدوث ما لا يحمد عقباه، وهكذا تخويف وترهيب.


كنت فى حالة يرثى لها، حتى إننى لم أعد أتذكر ما صدر منى تحديدا فى مكتب الختيار، وكل ما أذكره أننى رددت الإهانة، التى وجهت لشخصى بمثلها أو أعنف منها.. لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب، ظللت لساعات النهار محير مبلبل.


فاجأنى اتصال على هاتف الفندق من سفير مصر لدى السلطة السفير المحترم محمد كريم، وكان كريما للغاية بالحفاوة بوجودى، عاتبا عدم اتصالى بالسفارة، مستفسرا عما حدث، وكنت صادقا فى الرواية، التى جرت وقائعها أمام طبيب عرفات المصرى، وكان حاضرا وأنا راض بشهادته.


سألت السفير بوضوح، هل هناك ما يتهدد بقائى، هل أغادر، قال لا تغادر سوف التقى أبو عمار مساء، وسأحاول تخليص الموقف، وقضيت الساعات الأولى من الليل انتظر مكالمة السفير حتى انتصف الليل تقريبا، ولم يعد هناك أمل فى البقاء، حزمت حقائبى على أن أغادر صباحا.


فى الواحدة بعد منتصف الليل هاتفنى السفير وطلب منى الاستعداد للقاء الختيار الساعة الرابعة صباحا، وقال الختيار غير غاضب، وعنف سكرتاريته، وسيعتذر بنفسه لك، وأصر على لقائك الليلة حتى لا يبقى أثر فى نفسك مما حدث.


تهيأت للقاء فى ليل غزة الصامت، وتأخرت طويلا سيارة الرئاسة، وخشيت من السكرتارية أن تفسد اللقاء وتتعلل بالتأخير لمنع اللقاء، وحتى لا أشكوهم لأبو عمار، واستقللت تاكسى مع صديقى الجميل إبراهيم بشير، وبلغنا المقر الرئاسى المؤقت، ودلفنا إلى الداخل وكأننا من أهل الدار، وفوجئ من فى المقر بالصحفى المصرى مجددا يطلب اللقاء.


مرت دقائق عصيبة وأنا فى انتظار الإذن، وكل هنيهة يدخل أحدهم مستفسرا عن من حدد اللقاء، وفى كل مرة أجيب قاطعا أبلغنى السفير المصرى، فيخرج متعجبا وكأن هناك ترتيبات أخرى بشأنى يفسدها هذا الموعد الذى جاء من فوق رأس السكرتارية المتحفزة لمنع اللقاء.


وعند الخامسة صباحا جاء الخبر اليقين، الختيار سمح لكم بحضور اللقاء الأول بين الختيار ومخاتير غزة والضفة، كانت جلسة تبريك، وتهنئة، خشيت مجددا من عدم إجراء الحوار، ولم يملك أحدهم أن يعدنى بشىء، هذه رغبة الختيار.


دخلت على أبو عمار أقدم رجلا وآخر قدما، كان متصدرا مائدة طعام طويلة، عليها أطايب الطعام، لم أميز هل هو طعام فطور أو عشاء، مرتديا بزته العسكرية، حاسر الرأس دون الغترة «الحطة» الفلسطينية الشهيرة، التقانى مبتهجا مشرقا، وقدمنى لضيوفه من المخاتير، هذا المصرى أول المهنئين، فطفقوا شاكرين، ورددت التحية بأحسن منها متمتما بالشكر للختيار.


وأجلسنى عرفات على يساره بكل ترحاب، وأطعمنى بيديه، هذا زيت زيتون من الخليل، وهذه خبزة من نابلس، وهذا زيتون خان يونس، ومع كل لقمة يحكى ويتحاكى سعيدا بما تغله أرض فلسطين من أعناب وزيتون، ويقارن بحب بين الطعام أمامه والطعام فى القاهرة، كان يحب مصر حبا جما.


تشجعت وسألت أهو فطور أم عشاء، فضحك الحضور، وقال أبو عمار سمه كما شئت، وشكر الحضور، وسلم وقبل الرؤوس معتذرا، أنا فى جلستى هذه منذ أربع وعشرين ساعة، وأتوق لساعة نوم.


وقع قلبى فى قدمى، الختيار سينام ويضيع الحوار، كانت الساعة قاربت على السابعة صباحا، والختيار فى قمة القه والابتسامة لاتفارق وجهه، والبشر والسرور يلون محياه، وما إن نظرت فى الساعة متحسسا الوقت، حتى ضغط على يدى وقال ميعاد النوم لا يخصك، أنا سأتفرغ إليك حالا.


وانصرف الحضور سعداء، ووقف أبو عمار وإذ فجأة يطلب منى دقائق فقط يقبّل فيها ابنته الوليدة «زهوة» ويصبّح عليها، ثم يعود، انتهزتها فرصة هل يمكن أن ينوبنى من الحب جانب، والتقى زهوة، فافتر ثغره عن ابتسامة الرضا، وطلب تليفوناً داخلياً، وصبّح محبا على السيدة سهى زوجته، وقال لها محب مصرى يود الصباح، وتحصل على الإذن.


وشاهدت فى مخدع الختيار صورة أبوية رائعة للختيار، هش وبش وتمتم وبسمل وحوقل وهو يحمل «زهوة» وكأنه طاير فى الهواء، وكان يلف ويدور بها محلقا فى سعادة لا نهائية، وأمطرها بالقبلات، وأتاح قبلة لى على خد الجميل، والسيدة سهى فى حلتها الفلسطينية مغتبطة.


دلف إلى الحمام، وانتهزت الفرصة وفاتحتها فى حوار عن الحبيب عرفات، وكيف أحبها، وكيف يعبر الختيار عن حبه، ومتى عزم على الزواج منها، واستملحت الفكرة واستأذنت الختيار فأذن لها على شريطة عدم نشر الحوار إلا بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الفلسطينية.


..وأوفيت بالوعد (نشر الحوار فى المصور فى فبراير ١٩٩٥) كما أوفى الختيار بإجراء الحوار، ومنحنى من وقته الكثير حتى العاشرة صباحا، قص على مسامعى قصصا، وحكايات، وآمالا، وطموحات، ودعانى لزيارة بيت لحم فى عيد الميلاد، وهذه قصة أخرى رائعة.. رحمة الله على الختيار.