وقفة مع الشقيق مصر والمملكة و الجماعة

30/11/2016 - 2:19:22

  السيسى وسلمان .. يد واحدة يتمنى أعداء الأمة أن تصبح يدين منفصلتين السيسى وسلمان .. يد واحدة يتمنى أعداء الأمة أن تصبح يدين منفصلتين

د. رضا شحاته

لاشك أن تنحى الرئيس السابق حسنى مبارك عن مقاليد الحكم فى مصر استتبع آثارًا غير مواتية لدى دوائر الحكم وصناعة القرار السياسى فى المملكة العربية السعودية الشقيقة، حتى إن إحدى الصحف الأمريكية الكبرى الرصينة (الوول ستريت جورنال) وصفت ما حدث فى الثانى عشر من فبراير ٢٠١١ بأنه يمثل «ضربة موجهة للسعوديين» وبرغم ما شهدته الأيام الأولى للرئيس الإخوانى المخلوع مرسى أيضًا من قدر من العلاقات الهادئة مع اشقائنا حكام المملكة، كانت السعودية، للحق والتاريخ أول من أعلن وبقوة وبصوت عال سمعه العالم بأنها ترحب بثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣، ومنذ تلك اللحظة حتى انتقل المغفور له خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله رحمه الله إلى جوار ربه، فى يناير ٢٠١٥ ظل الدعم والمساندة السعودية لمصر ولقيادتها برئاسة الرئيس السيسى دعمًا راسخًا غير مشروط زودت فيها مصر بالمليارات التى كانت فى أشد الحاجة إليها، ووقفت المملكة تساند وتعضد سياسات الدولة المصرية فى مواجهة إرهاب الإخوان ومؤامرات أنصارهم وصنائعهم فى الداخل والخارج،


لكن البعض من المتشككين قد تساءل عما إذا كانت السياسة القادمة للمملكة فى عهد عاهلها جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز سوف تستمر فى رفضها وأدانتها لجماعة الإخوان المسلمين وسياساتهم أم أنها سوف تجنح إلى الميل (للمصالحة) معها والتركيز على ما هو خطر داهم ومباشر، وذلك هو فى نظر الساسة السعوديين، كما ذهب ذلك الرأى


خطر تنظيم (داعش) أو ما يسمى بتنظيم الدولة الاسلامية.


بيد أن الحقيقة الثابتة تاريخيًا فى هذا السياق ـ إذا استرجعنا قليلًا سياسات الرياض إزاء جماعة الإخوان المسلمين، أن قلة من رجال الصحافة السعوديين فى مطلع عام ٢٠١٥ ألمحوا إلى أنهم «ينصحون مصر بأن تلطف» من موقفها تجاه “الجماعة» والتلميح بأن المملكة وعاهلها قد ينتهجون سياسات جديدة تجاه القضايا الإقليمية حتى إنه نقل عن المغفور له الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية السابق تصريح يقول فيه «إنه ليس لدينا مشكلة مع الإخوان المسلمين فهى مجرد جماعة، بيد أنه مادامت الحكومة المصرية ترى فيها خطرًا جسيمًا، فان جهود السعودية لرأب الصدع مع أنصار الجماعة سوف تؤدى حتمًا إلى التوتر فى العلاقات”.


أما أنصار الجماعة وأتباعها، فهم كانوا أسرع من بادر من جانبهم إلى رأب الصدع بأن قامت «حماس» بايفاد بعض قياداتها إلى المملكة فى يونيو ٢٠١٥ حيث عقدت اجتماعات شملت لقاء مع جلالة الملك سلمان خادم الحرمين وكبار نوابه، الأمير محمد بن نايف ولى العهد، والأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع ولى ولى العهد، وهو ما يشير بوضوح إلى فتح صفحة جديدة بين المملكة والجماعة، وقد تم كل ذلك على خلفية زيارة هامة كان قد قام بها راشد الغنوشى زعيم حزب النهضة التونسى والشيخ عبد المجيد الزندانى زعيم حزب الإصلاح اليمنى، وهمام سعيد من قيادات الإخوان المسلمين فى الاردن، يضاف لذلك حضور الشيخ يوسف القرضاوى فى العيد الوطنى السعودى فى قطر فى سبتمبر ٢٠١٥، وهى كلها تفاصيل ترجح بقوة التأويلات التى ترجح إلى “رأب الصراع» بين الحكم فى المملكة الشقيقة وبين جماعة الإخوان المسلمين، وكما استخلصت «النيويورك تايمز» فى الحادى والثلاثين من يوليو ٢٠١٥ عن «التحالف السنى» الجديد بقيادة السعودية ولاسيما فى أعقاب الاتفاق النووى الأميريكى ـ الاوروبى مع إيران، يضاف إلى ذلك أيضًا التحالف السعودى ـ السودانى الجديد، وتدعيم العلاقات مع تركيا فيما يبدو لكثير من المراقبين أنه «تشكيل لتحالف شرق أوسطى» تتسع قاعدته لكى يعم القوى المناهضة لإيران «ومحورها الشيعى»، ولسنا فى مصر بغافلين أو فاقدين للذاكرة التاريخية التى تسترجع لنا علاقات الإخوان بالسعودية الشقيقة فى الخمسينيات والستينيات بعد حظر أنشطتهم فى مصر وفى سوريا، مع توليهم المناصب العديدة فى المؤسسات التعليمية فى السعودية.


ـ لكن التاريخ الموثق أيضًا يقول لنا أن حكومة المملكة وقطاعات واسعة من الرأى العام كانت تنظر إلى الجماعة وفكرها وأتباعها باعتبارها مصدرا للقلاقل ولعدم الاستقرار، وحاضنة للتطرف لاسيما فى اعقاب الحادى عشر من سبتمبر فى الولايات المتحدة (١٥ من ١٩ من المختطفين للطائرة كانوا سعوديين).


ـ ومع أن كثيرًا من السعوديين أعربوا عن الدعم والمساندة لثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣ بقيادة السيسى ضد (جماعة الإخوان) بكل وسائل التواصل الاجتماعى وغيرها، فإن قطاعًا آخر فى المجتمع السعودى، وإن كان من الصعب تحديد حجمه أو تأثيره، لم يزل «يتعاطف» مع ذلك التنظيم وتدخلاته فى السياسة وخلطها بالدين.


اختلاف الرؤى ـ لا صراع المصالح


ـ وعلى العموم فالثابت بشكل قطعى أن دعم المغفور له جلالة الملك عبد الله رحمه الله للرئيس السيسى كان واضحًا وضوح الشمس، لكن السياسات الحالية أقل ما توصف به أو أكثر ما توصف به أنها «سياسة المواءمة» وربما كان فى ذلك ما لا يخدم كثيرًا العلاقات بين الدولتين الشقيقتين بالأسلوب الأمثل.


أما عن سوريا واختلافات الرؤى والتقديرات، فالذاكرة تعود بنا إلى قمة الجامعة العربية فى شرم الشيخ فى مارس ٢٠١٥ حين قرأ الرئيس السيسى رسالة الرئيس (بوتين) التى يدعو فيها إلى الحل السلمى للمنازعات ورفض التدخل الخارجى، فإذا بوزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل رحمه الله يتحدث مهاجمًا الرئيس (بوتين) الذى يتحدث «كما أنه ليس متوارطًا فى المذابح (فى سوريا)»، واتهم «الفيصل» روسيا بالتواطؤ وارتكاب تلك المذابح، وكان المطلب السعودى المعلن والذى لم يتغير هو رحيل الأسد كشرط للحل، أما الرئيس السيسى، فهو دائما وكما أعلن مرارًا أنه يؤيد الحل السياسى، والحفاظ على وحدة الاراضى السورية واستقلالها واحترام ارادة شعبها وقراره فى اختيار مستقبله السياسى.


ـ واذا ما حاولنا تأويل هذه الاشارات المبكرة أو بالأحرى الاشارات المنذرة، فان الحقيقة التى لم يعد ثمة سبيل إلا الاعتراف بها وهى أن الشقيقتين اللتين تمثلان دعامتين وركيزتين للأمة العربية والأمن القومى العربى، وما تعبر عنه دائمًا بوحدة المصير والمستقبل، هاتان الشقيقتان تسودهما الآن اختلافات واضحة فى المقاربات والاتجاهات السياسية تجاه قضايا المنطقة وأزماتها ولعل هذه الاختلافات تظل فى حدود الأزمات العابرة وألا تتحول مع سخونة المشاعر العربية المعهودة إلى عواصف رملية تسمى (بالهبوب) أو بالسموم فى لغة أشقائنا فى الخليج.


الاستجابات الغاضبة والحسابات الخاطئة:


ـ ربما كان تصويت وفد مصر الدائم فى مجلس الأمن منذ وقت قصير مؤيدًا مشروع القرار الروسى حول سوريا، مثلما صوت أيضًا مؤيدًا لمشروع القرار السعودى الأمريكى الخاص بسوريا، ربما كان هذا التصويت الذى يتسق كل الاتساق مع ما أعلنته مصر قيادةَ ودبلوماسية واعلامًا عن مواقفها المبدئية تجاه الحرب الأهلية الدامية فى سوريا وآثارها المدمرة على كيانها كدولة ووطن، فضلًا عن آثارها الإقليمية، ربما كان فى هذا الموقف ورغم أنه لا تشوبه شائبة فى كل الأعراف الدبلوماسية والتقديرات السياسية الرصينة ربما كان فيه كما تقول للاسف “القشة التى قصمت ظهر البعير»، لكن ما كان من ردود فعل غاضبة ترجمت للاسف إلى اجراءات لا تفسير لها فى الرأى العام المصرى، وهو شديد الاعتزاز والارتباط بالشقيقة السعودية، إلا أنه إجراء عقابى بوقف امدادات النفط من شركة أرامكو رغم المعرفة المسبقة بأزمة الطاقة فى مصر وفى ظل الضائقة الاقتصادية الحادة التى تجتازها الآن بكل الصلابة والصمود والشموخ.


طموحات الفرد أو كيانات الدول:


ـ لاشك أن هذا الموقف غير المبرر والمفاجئ من شقيق اعتاد أن يقف دائمًا وقت الشدائد إلى جانب اشقائه فى مصر كان دافعًا لأن تؤكد قياداتها، رئيسًا ووزيرًا للخارجية (أنه على الجميع أن يعرفوا أن مصر دولة مستقلة ولا تخضع لأحد ولن تركع إلا “لله سبحانه وتعالى”) ذلك أنه كانت لمصر وستكون دائما سياستها المستقلة واستراتيجيتها ورؤيتها لقضايا المنطقة ولن تفرط فى قناعاتها ومواقفها القائمة على أدق التقديرات والحسابات والتى لا تنطلق من (مغامرات غير محسوبة) قد تمليها نزعات فردية تسعى لبطولات “دون كيشوتية” عنترية لا تعود إلا بأبهظ التكاليف على الوطن والمصالح القومية العليا وعلى المنطقة كلها بعواقب لا يمكن التنبؤ بها.


بيد أن مظاهر التحول والتبدل التى قد تبدو للبعض مثيرة للحيرة والتساؤل حول تباين الرؤى والمواقف والمقاربات تجاه القضايا الشائكة فى المنطقة، الحرب بلا نهاية فى اليمن ومدى فعالية التكلفة العسكرية والانسانية والدولية فى استمرار الخوض فيها كصورة من صور الحرب بالوكالة بين قوتين إقليميتين متنافستين فى جنوب شبه جزيرة العربية للانفراد بالنفوذ فى هذه المنطقة الاستراتيجية وأيضًا الاختلاف الواضح فى التعامل مع الحرب المأسوية الدائرة فى سوريا ومدنها وريفها وهل هذه الحرب تدور حول مستقبل النظام ورئيس النظام، أم هى حرب ضد الإرهاب والحفاظ على كيان الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها من التقسيم والتمزق، أم أن هذا كله هو خلاف حول الخيارات الدولية ما بين الدور الأمريكى الذى لم يستطع حتى الآن حسم المعارك ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» رغم قيادة تحالف مكون من ستين دولة وما بين الدور الروسى الفاعل الذى تنامى واتسع نطاقه من خلال تدخله العسكرى المكثف الذى يخوض من خلاله حربًا ذات هدفين، هدفٌ قريب المدى دفاعًا عن النظام السورى وحفاظاُ على مصالحه الاستراتيجية فى الشرق الأوسط وقواعده البحرية والجوية شرقى المتوسط. وأهدافٌ بعيدة المدى، وهى الهدف الإستراتيجى، القضاء الإستباقى على الخلايا الإرهابية المسلحة فى سوريا والعراق بعد تسللها إلى داخل جنوب روسيا وشمال القوقاز وهوامش آسيا الوسطى التى تضم المناطق والمصالح الإستراتيجية لروسيا (اليورو آسيوية).


هذه الاختلافات فى الرؤى والمقاربات والمواقف بين دولتين شقيقتين مركزيتين فى سياق الأمن القومى العربى، هى فى الحقيقة أبعد ماتكون عن خلافات استراتيجية جوهرية ولايجب أن تكون، وهنا يزداد الشعور بالحيرة عند البحث فى تأويل وتحليل الدوافع للإنزلاق يومًا بعد يوم فى دروب فرعية قد تضاعف من الآثار السلبية لهذه الفجوة سياسيًا وداخليًا وعربيًا و إقليميا.


لكن استرجاع المحللين لأحداث ٢٠١٥ ومطلع ٢٠١٦ قد يلقى ولو قليلا من الضوء على مفاتيح هذه الإشكالية فى علاقات الدولتين الشقيقتين وهو ما يتمثل فى تقرير صادم صدر فى مثل هذا الوقت من العام الماضى وفاجأ العواصم الأوروبية والعربية، حين أذاعته وكالة الإستخبارات الألمانية BND فى الثانى من ديسمبر ٢٠١٥ ثم نشرته بالكامل حرفيًا دير شبيجل الألمانية ونقلته الصحف البريطانية (الأندبندت) فى العاشر من يناير ٢٠١٦ ثم (واشنطن تايمز) الأمريكية بالتفصيل فى مايو ٢٠١٦ تتحدث فيه عن أن مظاهر التحول فى التوجهات السياسية الخارجية للمملكة بدأت تتفاعل سلبا منذ التوصل للاتفاق النووى مع إيران فى منتصف ٢٠١٥ ثم تنامى الشكوك فى مصداقية الضمانات الأمنية والدفاعية الأمريكية كحليف تاريخى موثوق به للمملكة، وانتهاج سياسة التدخل المباشر فى مناطق الصراع وتصعيد الخلافات وتوسيع فجوات الرؤى مع الحلفاء.


هذا التقرير الصاعق يركز على وصف السلوك الخارجى للمملكة الذى دائمًا ما يتصف بالحكمة وبالحذر والروية والتريث ويبقى على كافة الخيارات مفتوحة، هذا السلوك الخارجى بات يتصف “بالاندفاع والتهور» كما يصف التقرير بالحرف الذى أعده جهاز الاستخبارات الألمانية ويقول أن المملكة وهى القوة السنية الإقليمية بدأت تدخل تغييرًا كبيرًا فى منهج السياسة الخارجية بهدف دعم مراكز القوة فى السياسة الداخلية وأن المسئول المحرك لهذا التحول هو سمو الأمير محمد بن سلمان ولى ولى عهد المملكة دفاعًا عن مكانته وترسيخًا لنفوذه وأن ذلك النهج، كما يرى التقرير بالحرف «بات يعرض علاقات المملكة بحلفائها الإقليميين للأخطار كما أن هذا السلوك قد حل محل المواقف الدبلوماسية الحذرة التى كان ينتهجها أعضاء العائلة الملكية»، وربما كان ذلك بهدف تأكيد قيادة السعودية للعالم العربى بل وتأكيد مكانة الأمير محمد بن سلمان وهو ما قد يستفز أعضاء العائلة كما يقول التقرير حرفيًا.


ـ واذا لم يكن من حق قريب أو بعيد أن يكون له القول أو الرأى فيما يجرى من شئون داخلية فى المملكة، فإن الارتباط بين التحولات الحادة فى موازين القوى الداخلية وبين إنعكاساتها على علاقات المملكة بأهم وأقوى حلفائها من الدول العربية الرائدة وفى مقدمتها مصر، وعلى النحو الذى نشهد مظاهره المتردية، يستحق أن نتوقف أمامه ونستخلص منه كثيرًا من المؤشرات والدلائل خاصة أن التقرير الألمانى الاستخباراتى الصاعق يحذر صراحة وبالحرف (من عواقب هذا السلوك المندفع من حيث زعزعة الإستقرار فى العالم العربى كله) إذا انهار النظام الإقليمى إنهيارًا تامًا.


ونحن، وإذا كنا لم نزل والحمد لله نجيد قراءة الأحداث ودلالاتها، فاننا نستذكر نفس التحذيرات والنذر التى أشارت اليها كبريات وسائل الإعلام الأمريكية والمحللون السياسيون منذ أكتوبر فى العام الماضى من أن بعض القلاقل قد تكون فى الطريق تجاه الشقيقة السعودية بدءًا من أسعار النفط المتدهورة إلى خطوات قد تكون ضلت الطريق الصحيح فى السياسة الخارجية ـ (كما جاء فى تقرير الفورين بوليسى) فى نفس التاريخ من تصاعد التوتر مع إيران، وما يشير إلى ما يشبه تراكم التطورات لتطرح تحديات خطيرة على النظام السعودى «كما جاء فى تقرير المجلة تفصيلًا”.


وبرغم ذلك كله فليس هناك بيننا من يقول إلا أنه بين القاهرة والرياض من المصالح العليا المشتركة المرتبطة ليس فقط بالأمن القومى للبلدين، بل بالأمن القومى العربى كله ـ وحدة الأراضى، والحفاظ على السيادة والاستقلال، وحرمة الحدود والكيان الوطنى، ورفض التدخل الخارجى أو الهيمنة الخارجية، (إيرانية أو غير إيرانية) وأنه بينهما مثل هذه الوشائج القوية التى تستمد قوتها من قوة مصر ومن قوة شعبها وقوة جيشها وصواب استراتيجيتها الإقليمية الدولية وإستقرارها الداخلى، وحربها المستمرة بلا توقف ضد موجات الإرهاب والإرهابيين المدعومين من عواصم إقليمية عربية وغير عربية.


ساعات العسرة لم تصب مصر وحدها:


وإذا ما توهم البعض أن مصر الآن فى ظل الضائقة الاقتصادية أو فى ظل عنق الزجاجة الاقتصادية التى تجاهد القيادة والشعب معًا للخروج منها بسلام، إذا توهم البعض أن مستقبل مصر (الدولة والنظام والقيادة والاستقرار فى الميزان أو أنها دخلت دائرة المجهول فإنه يكون قد أخطأ حساباته خطأ فادحًا، وبنى على هذا الخطأ الفادح، تقديرات أبعد ما تكون عن الصواب والسلامة فى استقراء صلابة هذا الشعب كطائر العنقاء الذى عرفته الأساطير، إننا وبحكم تجاربنا الإقليمية فى الحروب والثورات وتجارب التحول السياسى من نظام ملكى إلى نظام جمهورى، ومن نظام يعتمد على الاقتصاد الرأسمالى إلى الاقتصاد المركزى المخطط فى ظل محاولات لتطبيق بعض مناهج ونظريات إشتراكية واجهنا فى مصر الكثير من الأزمات وتجاوزنا أخطر الأوقات العصيبة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.


لكن المراقب للأوضاع الاقتصادية الدولية وإنعكاساتها الإقليمية يكتشف كما اكتشف المحللون السياسيون والاقتصاديون فى المنظمات الدولية أن هناك عدة ظواهر بالغة الدلالة تحمل من النذر التى تبنئ بزلازل إقليمية قادمة فى المستقبل غير البعيد تزعزع بعض النظم التى تعتمد على اقتصاديات النفط ولست فى حاجة إلى أكثر من قراءة تقرير صندوق النقد الدولى الذى نشر عن الشرق الأوسط ووسط آسيا (المنظور الاقتصادى الإقليمى) فى ١٥ أكتوبر ٢٠١٦ فى تحليل لأحد كبار الاقتصاديين فى الصندوق وهو “آدم ليلاند” ونشرته (صحيفة الاند بنت) البريطانية تشرح صورة بالغة القتامة والتشاؤم عن الأوضاع الاقتصادية فى الدول المصدرة للنفط، حيث يقول التقرير بالحرف»إن انخفاض أسعار النفط سوف يؤدى إلى انخفاض فى الموازنة المالية للمملكة بنسبة ٢١٪ ٢٠١٥، ١٩.٤٪عام ٢٠١٦، رغم أن لدى المملكة السعودية احتياطياً نقدياً يبلغ ٦٥٤بليون دولار من الاحتياطيات الأجنبيةـ لكن هذا الاحتياطى يتبخر بسرعةـ كما يقول التقرير، ويدلل على ذلك بأن الجهاز النقدى فى السعودية قد سحب سبعين بليون دولار من أموال المؤسسات المالية وخسر حوالى ٧٣ بليون دولار نتيجة انخفاض أسعار النفط والمعروف أن ٩٠٪ من دخل المملكة من عائدات النفط، الأخطر من كل ذلك أن تقرير صندوق النقد الدولى ينتهى إلى القول أن هذا الاتجاه لو استمر دون توقف، فإنه “أى الصندوق” يعتقد أن السعودية قد تواجه أخطر أزماتها المالية (الإفلاس) بحلول عام ٢٠٢٠.


لكن الخطورة الأشد لا تكمن فى أزمة مالية تنذر بشبح الإفلاس -كما يقول الصندوق- بل فى آثارها الاجتماعية (البطالة بين الشباب وعدم الاستقرار الداخلى)، وتصاعد الاضطرابات الشبيهة بما حدث فى سنوات «الربيع العربى» عندما أدى ارتفاع التضخم وانخفاض معدلات النمو والفوارق فى المستويات المعيشية إلى اندلاع الانتفاضات عبر الشرق الأوسط فأطاحت بحكومات ظلت فى حكم النظم المستقرة عقودًا طويلة.


هذا عن صورة المستقبل الاقتصادى والاجتماعى غير البعيدـ كما يصوره تقرير صندوق النقد الدولى لعام ٢٠١٦ عن آثار اقتصاديات النفط على الاستقرار السياسى والاجتماعى للدول التى تعتمد اعتمادًا شبه كلى على عائداته، فإذا نظرنا إلى الصورة السياسية الإقليمية لرأينا أن آثار اقتصاديات النفط السلبية تتلازم مع مواجهات سياسية إقليمية مع إيران فى حرب بالوكالة على صعيد اليمن لا يبدو لها نهاية كما أشارت وأوضحت (مجلة الفورين بوليسى) وهى حرب تجمع وتتلازم فيها شرور الصراع المذهبى والقبلى وصراعات النفوذ الشخصى والعائلى والعشائرى (يكفى فى شرح أخطار الاستمرار فى هذه الحرب العبثية ما كتبه الأستاذ الكبير مكرم محمد أحمد وهو من القلائل العارفين بأدق تفاصيل الصراعات فى اليمن منذ ستينيات القرن الماضى فى صحيفة الأهرام منذ أيام قليلة).


يتلازم مع الآثار السلبية لاقتصاديات النفط، ما أشارت إليه صحيفة (الجارديان) البريطانية فى مطلع أكتوبر عن أن هذه الحرب بعد التورط فيها لم تحدد إستراتيجية للخروج وهى قد تكون (فيتنام السعودية) كما كانت اليمن فيتنام مصر فى ستينيات القرن الماضى.


إن المتلازمات السياسية فى شكل صراعات حادة بين مختلف الاتجاهات داخل نظم الحكم ثم تصاعد الصراع مع إيران وردود الفعل الإيرانية العنيفة إزاء ما وصفته باضطهاد الشيعية فى بعض المناطق الشرقية داخل المملكة وتحريك إيران لوسطائها وعملائها خارج شبه الجزيرة العربية للمطالبة «بتدويل» الحج إلى بيت الله الحرام، وهو ما يؤدى إلى “تدويل” الصراع السنى الشيعى وينقله إلى مستويات أخطر من الصراع الإقليمى الدولى إلى التهديدات على لسان المرشد الأعلى لإيران أية الله خامينئى أو قائد قوات الحرس الثورى، ووزير دفاعها السابق الموجهة إلى المملكة وقادتها فيما سماه بقدرة إيران على توجيه ضربة ساحقة لما وصفه باساءات السعودية.


هذا المشهد المضطرب الزاخر بتقديرات غير محسوبة فى حروب إقليمية ومواجهات سياسية إنما فى حقيقة الأمر يحتاج إلى مقاربات مختلفة فى ادارة العلاقات الخارجية لدولة شقيقة تمثل دعامة وركيزة راسخة للأمن القومى العربى، إذ أن أى اهتزاز أو زعزعة لها لاتصيب الدولة والشعب فى الدولة فحسب بل تصيب الكيان العربى كله.


الاختلاف والتنوع فى إطار الوحدة والتضامن:


وبكل الصدق والأمانة نقول (أن صديقك هو من صدقك لامن صدقك)، واذا كانت مصر الدولة، القيادة والنخبة والشعب قد نظر إلى القضايا الإقليمية فى سوريا وفى اليمن وفى العراق وفى ليبيا وإلي التنظيمات الإرهابية التى تخلط الدين بالسياسة بغية الوصول إلى السلطة والحكم صعودًا على تأويلاتها وتحريفاتها لمبادئ الدين واستغلالًا لتحالفاتها مع عواصم إقليمية تسعى للاضطلاع بأدوار غير مؤهلة لها بحكم التاريخ والحضارة أو الموقع والهوية.. إذا كانت القيادة والنخبة والشعب والرأى العام فى مصر قد نظر فى كل هذه الأمور من زاوية مغايرة لمنظور الأشقاء فى بعض دول الخليج العربى، فإننا مرة أخرى نقول أن الحليف والسند الطبيعى ـ كما يقال سيظل دائمًا هو مصر رغم صعابها الاقتصادية ومخاضها السياسى، فلتكن أزماتنا السياسية وعواصفنا الإقليمية ونزاعاتنا فى المحافل الدولية بمثابة أجراس انذارية تدق صباح مساء كى تذكرنا أن قوتنا فى وحدة كلمتنا ووحدة صفوفنا وتنسيق خطواتنا التى هى طوق النجاه لنا جميعًا فى خليجنا العربى، وفى مغربنا ومشرقنا التى تقع مصر دائمًا موقع القلب فيه، وهى السند القوى والحليف الطبيعى والظهير التاريخى والاستراتيجى لاشقائها جميعًا على مر الأزمان والعصور.


وستبقى كذلك باذن الله تعالى.