مصر والسعودية مرة أخرى وثانيه وثالثة

30/11/2016 - 2:16:52

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

مرة أخرى تتواتر الأنباء، وتعكس مسيرة العلاقات بين مصر والسعودية مشكلة فى العلاقات بين الدولتين، ولن ألجأ إلى تأويل تصريحات القيادة فى الدولتين، ولا إلى المسيرة التى توقفت فى العلاقات بين الدولتين، والتى شكلت علامات على طريق علاقات صحية مثمرة تدعو للتفاؤل بين الدولتين منذ زيارة جلالة الملك سلمان ملك المملكة العربية السعودية لمصر فى أبريل الماضى وتوقيعه مع شقيقه الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى على ١٧ اتفاقية تحكم مسار العلاقات المصرية السعودية، وهى المسيرة التى توقفت أو على الأقل هدأت خطواتها منذ عرض المجتمع المدنى المصرى قضية تيران وصنافير على القضاء المصرى، ومنذ التصويت المصرى فى مجلس الأمن على القرارين اللذين عرضا على مجلس الأمن من روسيا وفرنسا بشأن الموقف فى سوريا، وهما قراران ولدا ميتين أساسا.


لقد تفاءل شعبا الدولتين فى مصر والسعودية فور إقصاء إياد مدنى من منصبة إثر ما اعتبره مزحة وما اعتبره شعبا الدولتين خروجا على حدود اللياقة أن يعلق موظف عام يشغل منصبا دوليا فى منظمة تتمتع فيها مصر والسعودية بمكانة خاصة، لأنها منظمة قامت على دعم التضامن العربى والإسلامى، فكان قرار إقالته قرارا حكيما لتمهيد الطريق أمام تنقية علاقات الدولتين من الشوائب، وهو مالم يحدث، وجاء بيان السعودية لتأكيد أو لإعادة تأكيد أن الكاتب السعودى خاشوقجى لا يمثلها ولا يتحدث باسمها خطوة على الطريق الصحيح ، إلا أن العلاقات استمرت بلا أدنى تقدم.


وفى نفس الوقت نشرت الصحافة العربية وتحديدا اللبنانية أنباء عن وساطة كويتية خلال انعقاد القمة العربية الإفريقية فى مالابو الأسبوع الماضى، إضافة عن صدور بيان عن الرئاسة المصرية أقل ما يوصف به أنه بيان معتدل للغاية لتفسير عدم الانسحاب من قمة مالابو مؤكدا عدم الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وأن مصر تلتزم بالتزاماتها الدولية التى منها بطبيعة الحال التعاون العربى الإفريقى الواجب دعمه، وهو بيان يمكن وصفه باستباق تفسيرات بعيدة عن الواقع، ولا داعى لها.


ولكن الأهم أن وسائل الإعلام الأوربية والأمريكية ذاخرة خلال العام المنصرم بالتحليلات التى تؤكد وجود مركزين لصناعة القرار السياسى فى المملكة العربية السعودية وليس قرارا واحدا، الأول هو المركز الطبيعى ممثلا فى جلالة الملك سلمان وقراراته تعكس التوجهات السعودية المعروفة القائمة على تحقيق توازن سياسى مع صبغ هذه القرارات بنزعة سنية المذهب وهو أمر معتاد، والمركز الثانى ممثلا فى الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولى ولى العهد السعودى، كما أكد ذلك التقرير الصادر عن وكالة الاستخبارات الألمانية فى ديسمبر ٢٠١٥ والذى طرحه بالتفصيل أستاذى وصديقى العزيز السفير رضا شحاته فى مقالته فى هذا العدد، والأهم أن الصحافة الأمريكية والبريطانية تناولته بالتحليل فى مناسبات عدة مؤكدة أن السياسة الخارجية السعودية أصبحت تتسم بالاندفاع والتهور وفقا لوصف التقرير نفسه.


ولو أن المسألة وقفت عند أسلوب اتخاذ القرار السياسى السعودى لهان الأمر ولو أن الامر توقف عند مجرد وجود مركزين لصناعة القرار السياسى السعودى لهان الأمر، إلا أن السياسات التى ينفذها الأمير محمد بن سلمان آل سعود ستصيب جميع دوائر القرارات السعودية بالاضطراب والتناقض . والأخطر أن يأتى هذا الاضطراب ويتسم بتكثيف المشكلات والتحديات أمام الدول الخليجية عامة والسعودية خاصة، فقد صدر تقرير مؤشر الإرهاب لعام ٢٠١٦ الذى يغطى مدى انتشار الإرهاب فى ١٦٣ دولة تشمل ٧و٩٩٪ من سكان العالم ومن ثم يغطى مجمل عام ٢٠١٥، والذى أكد تراجع العمليات الإرهابية فى مختلف أنحاء العالم فيما عدا عدة دول تزايدت فيها العمليات الإرهابية ومن ضمن هذه الدول دولتان خليجيتان هما السعودية والكويت وهو أمر ينذر بالخطر الشديد لأنهما من أكبر دول الخليج لنسبة السكان الشيعة فيهما بما يعنى قابلية انفجار الموقف داخليا وهى مسألة تعطيها القيادات الخليجية دون أى استثناء أولوية مطلقة، فقد شهدت العمليات الإرهابية فى السعودية زيادة كبيرة خلال العام ٢٠١٥ بما يوازى ٦ أضعاف مقارنة بالعام ٢٠١٤ وفقا للتقرير، ووصل عدد هذه الهجمات الإرهابية إلى ٤٨ هجوما إرهابيا أسفر عن مقتل ١٠٧ أشخاص، وبطبيعة الحال فتدهور الوضع الأمنى فى السعودية بهذه الصورة يدفعنا إلى القلق على هذه الأوضاع ليس من منطلق الانتماء للعروبة وما تعكسه من محددات للأمن القومى العربى فقط، وإنما من منطلق الجيرة المباشرة للسعودية وهو أمر سيتم تناوله بعد قليل .


فى نفس الوقت تعانى مجمل دول الخليج العربية أزمة اقتصادية طاحنه نتيجة انخفاض أسعار البترول، مما أدى إلى عجز فى ميزانية هذه الدول لأول مرة فى التاريخ وصل فى الكويت إلى ١٥ بليون دولار مما دفع الحكومة إلى فرض ضرائب على المقيمين، وانخفاض الخدمات المجانية كالتعليم والصحة، بل ورفع أسعار الخدمات الأخرى مثل المياه والكهرباء لأول مرة من خمسين سنة، مع استمرار عدم الاستقرار السياسى فى الكويت فخلال الفترة من ٢٠٠٦ وحتى ٢٠١٣ فقد أقيلت الحكومة عدة مرات كما تم حل مجلس الأمة ٦ مرات بواقع مرة سنويا وأى اضطرابات فى منطقة الخليج لا يتحملها سوى الجانب المصرى كما حدث فيما مضى خلال احتلال العراق للكويت.


إضافة لما سبق فقد فتحت واشنطن ملف ١١ سبتمبر ٢٠٠١ مجددا لتتيح فرصة لأهالى الضحايا لرفع قضايا على السعودية تبتلع بها الودائع السعودية فى أمريكا ومن ثم تجردها تماما من تهديداتها بسحب هذه الودائع أو تحويلها لعملة أخرى، بل ولتترك الحكومة السعودية لمصيرها فى مواجهة شعبها لعجزها فى هذه الحالة عن الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية خاصة بعد تدنى أسعار النفط بفعل السياسات الأمريكية، وبالرغم من المحاولات السعودية والوعود الأمريكية باستخدام الرئيس الأمريكى حق الفيتو ضد رفع أى قضايا ضد السعودية إلا أن الكونجرس انتهى إلى إصدار قانون جاستا المعروف باسم قانون العدالة ضد ممولى الإرهاب “”Justice Against Sponsors of Terrorism Act والكونجرس الأمريكى ألغى فيتو الرئيس، ومن ثم فهو يحاصر السعودية فى وقت تشتد فيه الأزمة السورية وفى وقت يحتاج فيه العراق إلى فرصة لالتقاط الأنفاس، وفى وقت تراوح فيه الأزمة اليمنية مكانها .


فقانون جاستا رغم أنه يبدو ضد السعودية مباشرة إلا أنه ضد الأمن القومى العربى إجمالا لأن أى تقييد لدور السعودية القومى سيكون اعتداء على الأمن القومى، وهذا هو بيت القصيد الأمريكى.


إن ما تواجهه السعودية اليوم ليس مجرد اعتداء عليها ولكن الهدف إخراجها من معادلة الأمن القومى العربى إلى الأبد كما تم إخراج العراق وسوريا، فالحوار الذى تديره واشنطن لتحقيق هذ الهدف أشبه بنفس الحوار الذى سبق لها أن أدارته لإخراج العراق من معادلة القوة العربية، وهو ما دفع رئيس مجلس الشورى السعودى لإعلان ذلك صراحة خلال زيارته للبحرين لحضور اجتماع للمجالس التشريعية للدول العربية الخليجية بتأكيده أن هذا القانون يعد تدخلا صريحا فى الشئون الداخلية للسعودية وهو محق فى ذلك.


إن العلاقات المصرية السعودية ينبغى أن توضع فى مكانها الاستراتيجى، فمصر بكل المعايير ليست سوى دولة خليجية بالمفهوم الإستراتيجى الواسع وليس الجغرافى الضيق، صحيح أن مصر غير مطلة على الخليج ولكن لابد من التأكيد على عدة نقاط مهمة من الناحية الإستراتيجية يمكن إيجازها فيما يلى:


أولا: إن مصر مطلة على البحر الاحمر بأطول شواطئ لا ينافسها فى طولها سوى السعودية وبالتالى لا يمكن تأمين هذا الممر الحيوى إلا من خلال دور مصرى فاعل أكدته مصر بالفعل من خلال المشاركة فى عاصفة الحزم لتأمين مضيق باب المندب وبالتالى تأمين البحر الأحمر، كما أن هذا التأمين يتطلب تأمين شاطئيه، الشاطئ الشرقى الذى يقع فى السعودية والشاطئ الغربى المصرى.


ثانيا: يرتبط بذلك أن المضايق البحرية فى الخليج تعامل استراتيجيا معاملة الممرات المتكاملة وهى مضيق هرمز وبحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر الذى ينقل ثلثى إنتاج دول الخليج من البترول إلى أسواق استخدامه وأخيرا قناة السويس.


ثالثا: إضافة لذلك أن الأمن القومى الخليجى إما أن يرتبط بالأمن القومى العربى كما تدعو مصر أو أن يرتبط بالأمن الآسيوى كما ترى العديد من مراكز الفكر الغربية صاحبة الاتجاهات المشبوهة فى هذا الاتجاه.


رابعا: أيضا فأكبر جالية مصرية موجودة فى الخارج هى الجالية المقيمة بالخليج ككل، وهى جالية تعترف الدول الخليجية قبل غيرها فى بناء دولها عبر فترة من الزمن بدأت من عشرينيات القرن الماضى، ويضاف إلى ذلك أن التعامل الاقتصادى تجارة واستثمارا يؤكد أن أكبر حجم للتعامل الاقتصادى مع مصر يتم مع دول الخليج.


باختصار فالعلاقات المصرية السعودية علاقات ممتدة تاريخية وعلاقات متكاملة جغرافيا، مما يتطلب وحدة القرارات التى تتخذ بينهما، خاصة وأنها تمس حياة مصريين يشاركون فى عاصفة الحزم بصورة تم تقنينها على أعلى مستوى بين الدولتين ووفق ثوابت ومتغيرات التى تحكم العلاقات بينهما، ومن ثم لا يمكن فصم هذه الروابط، ولا يمكن ترك مستقبل هذه العلاقات لخلافات شخصية، خاصة أن مصر تسعى دائما لرأب الصدع العربى حفاظا على الوحدة الجغرافية والاستقلال السياسى للدول العربية جميعا وحقها فى التقدم، فى وقت تسعى فيه دول أخرى لتفتيت هذه الدول من خلال الإرهاب الذى عاد ليطل بوجهه القبيح فى الخليج.