بين المسئولية الإقليمية.. وإدارة الاختلاف

30/11/2016 - 2:15:33

بقلم السفير: محمد حجازى

تتعرض منطقتنا العربية لضغوط هائلة، وتتنازعها صراعات ناشبة استنفدت قواها ومواردها، وما يحاك وما هو قادم منها قد يعصف بما تبقى من موارد ومكتسبات تنموية، وكيانات الدولة القومية المتبقية والغارقة فى خلافاتها المغاربية والمشارقية على حد سواء.


وحمل التلاقى الحميم بين القاهرة والرياض بعد ثورة ٣٠ يونيو وما تلاها من تواصل ودعم وإسناد دولى واقتصادى غير مسبوق، بادرة أمل فى أن يقود البلدان الأهم فى منطقتا للخروج من مآزقها، وجمع الشمل، والتصدى للمخاطر الإقليمية التى تهدد كيان الأمة، ومواجهة التوغلات الفجة واستهداف أمن الخليج، وفى نفس الوقت الحيلولة دون سقوط ما تبقى، والخروج من الأزمات الناشبة بكلفتها التنموية والاقتصادية والإنسانية الهائلة.


قدمت الرياض حقًا للقاهرة ما احتاجت إليه- وكذا باقى دول الخليج- لدعم ثورتها وتثبيت أقدامها، بل وتواصلت مع دول العالم الأكثر تأثيرًا حفاظًا على قنوات اتصالها مع الثورة المصرية، فى توقيت شديد الصعوبة، وفى إطار تربص دولى وانقسام داخلى، وحافظت المملكة فى عهد الملك عبدالله على هذا المسار المؤيد والمساند حتى تسلم العهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، والذى زار القاهرة ليؤكد استمرارية الدعم والمساندة.


لم تغن العلاقات الاستراتيجية الهامة عن تبنى الدولتين الأهم فى المنطقة رؤى قد لا تتفق فى شكلها وظاهرها عن بعضها البعض، ولكن حتمًا تتفق فى جوهرها ومضامينها؛ حفاظًا على مصالح وأمن المنطقة التى تجابه صراعات داخلية وتوغلات إقليمية وترتيبات دولية أو يعصف بها عدو لدود أشد متمثلًا فى خطر الإرهاب، فمثلا مصر تتبنى مشروعًا لإنشاء القوة العربية المشتركة، والمملكة تبحث عن توسيع الإطار ليكون عربيا إسلاميا أشمل، ولكلا المشروعين هدف أسمى هو حماية الوطن الكبير والتصدى للتهديدات الخارجية أو للتنظيمات الإرهابية، فقبلت مصر هذا التمايز والاختلاف تصديقًا لأن الهدف والنوايا واحدة وصادقة.


أسهمت مصر كذلك بما تستطيع وفقًا لثوابتها وتقديرها لمستوى المخاطر المحيطة بها وبجيشها والذى تتربص به وعلى حدودها الشرقية والغربية قوى إرهابية لها صلاتها بقوى إقليمية ودولية أكبر تتحين كلها الفرصة للانقضاض وما أبقاها فى جحورها إلا جيش صلب ووعى استراتيجى بالتمركز فى الوطن والتصدى للمهددات دون الانجرار لمشاغل خارج الحدود، أنا هنا أتحدث عن اليمن ومشاركة مصر بأسطولها البحرى فى حماية مضيق باب المندب، حماية للتجارة الدولية العابرة لقناة السويس.


ولما كان استعادة كيان الدولة القومية شغلًا استراتيجيا مهمًا لمصر، وفى ظل حرصها على تجنيب المنطقة خطر التفتت والانقسام فقد وجدت أن انتصارها فى معركتها الداخلية ضد الإرهاب، تستوجب محاصرته خارج حدودها، وإلا استوطن وكون قاعدة واستعد للتمدد وهنا يكون إيذاؤه شاملًا للجميع ضاربًا فى كل ما هو مستقر سواء كان حديثنا عن بغداد أو دمشق، أو القاهرة أو الرياض، فالإرهاب ديناميكية وآليات حركة وفكر ضال، والأخطر أنه أداة يستخدمها من يتربص بنا لتفتيت الدولة القومية فى منطقتنا العربية، واستخدامه وجماعاته وميليشياته بمختلف مسمياتها لتحقيق أغراض سياسية بل وترسيم حدود جديدة للمنطقة، ونقله من مكان لمكان وتعزيز قدراته كلما لزم الأمر.


لم يعد الأمر سرًا إذا ولم يعد من الصعب قراءة العلاقة بين المتربصين بأمننا فى المنطقة وبين إستخدام الإرهاب وجماعاته لتحقيق تلك الأهداف، ومن هنا كان حرص مصر أن تنتصر بغداد على الإرهاب وجماعاته وبداخل العراق الموحد الآمن يمكن لكل الأطياف أن تتعايش ويمكن لكل الأعراق أن تتواجد فى ظل وطن يجمعها ويتعامل مع قضاياها وشكواها، أما بلا وطن فلا بقاء إلا للصراع والتشرذم، وهو ما لا يتفق مع جوهر أمن المنطقة وسلامة أراضيها، وفى سوريا فالحق لكل سورى أن يحدد مستقبل وطنه وأسلوب حكمه من خلال الحلول السياسية المطروحة، وكانت محصلة الحرب كارثية وغير محتملة إنسانيًا فنحو ١٣ مليون سورى من جملة ٢٣مليون نسمة عانوا ويلات الدمار والحرب منهم نصف مليون شهيد وأكثر من ٥ ملايين لاجئ والباقى نازحون داخل مدن الوطن السورى العزيز، ومع إدراك لخطر التطرف والإرهاب، فإن المعارضة السورية يمكنها أن تتواصل فيما بينها وفى حوار وطنى تال مع الحكومة لصيغة مستقبل الوطن الذى نحرص فى مصر أن يبقى موحدًا محافظًا على سلامة أراضيه، محافظًا على مؤسساته وفى ظل هذا الكيان الموحد يمكن صياغة المستقبل ويمكن أن نحدد بوصلة الحركة الإقليمية وشكل العلاقة مع الأقطاب الدولية وتوازن المصالح فيما بينها، أما لو ترك للتنظيمات الإرهابية أن تحقق نصراً ميدانياً فهى ستتوغل وتنتشر وتنمو الظاهرة لتنال من الجميع، حيث لن تقف شهية محركيهم ومسانديهم من خارج المنطقة عند هذا الحد، وقد توصلت المعارضة السورية بكافة أطيافها عندما أتيحت لها وبدون تدخلات خارجية فرصة الحوار فى القاهرة فى يونيو ٢٠١٥ إلى ما عرف “بتفاهمات القاهرة” ووضعوا فيها أسس الحل السورى والذى كان مقدمة لعملية جينيف والتى بنيت على أفكارهم، الموقف المصرى ذاته هو ما عبر بنفس الاتساق والوعى الاستراتيجى عن نفسه فى ليبيا، فنحن مع مخرجات اتفاق الصخيرات وداعمون لحكومة الوفاق الوطنى، ولكننا مع البرلمان المنتخب فى طبرق وكذلك مع مؤسسة الجيش الوطنى الليبى والتى تستطيع أن تعبر عن كل أبناء الوطن وكل الأقاليم، بعيدًا عن جماعات وميليشيات التطرف المسلحة والمرتبطة بنفس القوى التى كما تبغى تقسيم ليبيا وتفتيتها واستغلال مواردها والتحكم فى ثروتها هى بنفس القدر تخطط للعراق ولسوريا، ولما تستطيع أن تصل إليه من العواصم العربية، فتقسمها تحت إمرة ميليشيات طائفية ويتحول كما هو الحال فى الصومال لأقاليم عدة وقيادات مختلفة، حيث تختفى الدولة القومية تحت وطأة المصالح المشبوهة المرتبطة بالخارج والمحققة لأهداف ضئيلة ويبقى الوطن بلا جيش واحد يحميه أو مصالح خارجية يعبر عنها، بل أقسام إدارية ومدن تحكمها ميليشيات تبدد الثروات وتبيعها بالبخس لشراء سلاح غبى يحميها من شركاء الوطن.


هذا هو النطاق الفكرى والاستراتيجى الذى يحكم حركة مصر الخارجية ويعبر عن جوهر مواقفها تجاه مختلف النزاعات الإقليمية، وما نرتجيه لهذا الوطن، فنحن نتشبث بسياسة تتفق فى مضامينها مع ما تسعى إليه الرياض بنفس قدر اهتمامها بالتصدى للتوغلات الخارجية وفرض الوصاية على العواصم العربية المجاورة، خاصة فى اليمن وباقى منطقة الخليج، وقد أعلنت مصر وتكرر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومى، وإن أى تعد على دولة من دوله هو تعد على مصر، وكانت مشاركتها فى حرب تحرير الكويت دليلًا عمليًا على ذلك، ومصر تؤكد أن ما تراه الرياض من أجل صالح المنطقة هو أيضًا ما تراه مصر، ولكن يجب القبول بمساحة الاختلافات فى الحركة وأسلوبها، وإن المطلوب هو خلق آلية مستدامة للحوار الاستراتيجى لتوظيف دبلوماسيتى البلدين لخدمة الأهداف العربية، ولشرح نقاط الاختلاف وتقريب وجهات النظر قدر الإمكان والاستفادة بالإسناد الدبلوماسى لكلتا القوتين الإقليميتين ومساحة الحركة المتاحة لكلتيهما لخدمة هدف واحد، فأنا مثلًا على يقين ومعرفة من أن الدبلوماسية المصرية لديها قدرات ومساحة حركة مؤثرة فى اليمن يمكن أن تساعد فى الاستفادة بالأواصر مع الأطياف اليمنية الشقيقة، والاتصالات الإقليمية والدولية، بما يمكن معه صياغة توافقات والمساهمة فى جهود إحلال السلام وإطلاق الحراك السياسى وفقًا لمقررات الشرعية الدولية والتفاهمات الإقليمية، وبنفس القدر فإن حركة القاهرة والرياض المشتركة فى الملف السورى لو تم صياغتها أو التفاهم حول محدداتها وأهدافها يمكن لدبلوماسية البلدين بقدراتهما وما لكل منهما من صلات محلية وإقليمية ودولية تحقيق انفراجة منشودة، وقد أثقل النزاع كاهل الجميع، كما أنه لو قدمت الرياض إسنادًا وضغطًا دبلوماسيًا فى ليبيا فقد يسهم ذلك فى الإسراع لوضع حد للنزاع هناك.


ما أود التأكيد عليه أن هناك مسئولية إقليمية تقع على كاهل البلدين وتحتم عليهما أمام شعوبهما الاضطلاع بها لوقف النزيف الجارى ووأد الخلافات والتصدى لأعداء الوطن ودعاة التفرقة المذهبية والطائفية البغيضة التى يتسترون وراءها لتقسيم جديد لبلادنا تنزوى فيه العروبة وتتمدد فيه القوى الإقليمية المجاورة لتقطيع أجزاء من أوطاننا تحت سواتر تنظيمات وميليشيات تحت مسميات عدة.


أرى أن الاحتياج متبادل بين البلدين الأهم وأن المسئولية التاريخية والإقليمية ستفرض وعيا استراتيجيا لا يجب أن يكون خافيا فى زمن التحديات الصعبة، ومدرك أن العاصمتين القاهرة والرياض يعلمان قدرهما والمخاطر المحيطة بهما سياسيًا وجغرافيًا وسيعملان معًا كجناحى الأمة العربية جيشهم هو جيشكم، وحضارتهم هى حضارتكم وهما معًا جند العرب، قالها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود واصفًا علاقة مستقبل مصر ببلاده وستبقى المقولة الحاكمة فى مستقبل علاقات صلبة ومثمرة قادرة على سرعة التعافى والاضطلاع بمسئولياتها أمام شعوب تتطلع بأمل إليها.