العلاقات المصرية - السعودية قبل فوات الأوان لماذا زار وزير البترول المملكة العربية السعودية وشارك فى مؤتمر عن التعدين؟

30/11/2016 - 2:13:42

  العلاقات المصرية السعودية تشوبها شوائب لابد من الاعتراف بها العلاقات المصرية السعودية تشوبها شوائب لابد من الاعتراف بها

بقلم: يوسف القعيد

تمر العلاقات المصرية السعودية بأزمة، أو ربما مأزق كبير لا نعرف عنه أى شىء بشكل رسمى. سواء من بلدنا مصر أو من الجانب السعودى. الأمر لا يزيد على تسريبات إعلامية هنا وهناك. تقترب كلها من الاجتهادات لمن يكتبونها، وما دامت اجتهادات وتسريبات، فالقبول العقلى لها أهم من محاولة التأكد منها.


لو بحثت عن تشبيه أدبى لما يدور خلف الكواليس بين مصر والمملكة العربية السعودية، لوجدت الوصف الذى وصفت به قصص وروايات الروائى الأمريكى الأشهر إرنست هيمنجواى، عندما كانوا يقولون إن جبل الثلج الطافى فوق سطح المياه ويبدو منه الجزء المرئى فقط. فإن هذا الجزء لا يعكس الكيان الغاطس تحت الماء، لأن التناقض بينهما كبير. فإن كان ما نراه قد لا نستطيع رؤيته بالعين المجردة، فإن الغاطس تحت الماء يبدو مثل الجبال العالية.


الجزء الوحيد الظاهر باعتباره أحد تصرفات الإدارة السعودية الراهنة هو وقف البترول الذى كانت تضخه شركة أرامكو التى كانوا يقولون عنها إنها شركة أمريكية على الأراضى السعودية. وفى كتابات الرحالة والصحفيين الغربيين الذين زاروا السعودية فى السنوات الأخيرة كانوا يتكلمون عن مقر الشركة باعتباره أرضاً أمريكية فى قلب المملكة العربية السعودية.


لكن ما حملته لنا الأخبار مؤخراً أن الشركة جرت سعودتها بالكامل، وأنها جزء من الإدارة السعودية الراهنة. وأن قيادة سعودية كبرى هى التى تقود الشركة الآن. وأن قراراً مثل ضخ البترول لمصر لا يمكن أن يتخذ بعيداً عن الإدارة السعودية. خصوصاً أن هناك اتفاقاً موقعاً بين الشركة والشركات المناظرة لها فى مصر على توريد حصص من البترول، وقد توقفت الشركة عن التوريد دون إخطار مصر مسبقاً حتى تتولى تدبير البدائل، بل فوجئنا بالقرار كأنه صاعقة، وعلى الرغم مما قيل بأنه شهر واحد، فيبدو أنه نهائى ولا رجعة فيه. وعلينا أن نتولى تدبير أمورنا بعيداً عن أرامكو.


لو كان قرار أرامكو صدر بعيداً عن أية ملابسات أخرى لقلنا إن المشكلة بترولية بحتة تخص الشركة أو تخصنا نحن. أى تخص موارد الشركة البترولية أو قدرتنا على سداد الأسعار. رغم أن الاتفاق كل ما كان فيه هو تسهيلات فى الدفع لا أكثر ولا أقل. لكنها لم تكن منحة ولا مساعدة من قبل الأشقاء فى المملكة العربية السعودية لشقيقتهم الكبرى مصر.


نذر العواصف التى هبت على العلاقات المصرية السعودية ليست مفاجئة فمع رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز بدأت الأمور لوجهة أخرى، رغم زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز الطويلة لمصر، والتى صحبتها كثير من الفعاليات. والملك سلمان من أنجال الملك عبدالعزيز القلائل الذين أعلنوا عن رغبتهم فى التطوع؛ دفاعاً عن مصر أيام العدوان الثلاثى على مصر.


بل إن بعض الأمراء أبناء الملك عبدالعزيز بعد نجاح ثورة يوليو ١٩٥٢، أسسوا تنظيماً كان اسمه: الأمراء الأحرار، على وزن الضباط الأحرار. وأنا أحكى هذه الواقعة لأقول إن الود كان متصلاً بين البلدين الكبيرين اللذين يشكلان رمانتى الميزان للواقع العربى الراهن. ويكفى أن نورد إحصاء – لا أمتلكه للأسف الشديد – لحالات المصاهرة بين أشقاء سعوديين ومصريين، وحالات المصالح المالية لأشقاء سعوديين على أرض مصر. يلقون كل ترحيب من الشعب المصرى بكل فئاته.


فى فمى ماء وفى يدى قلم. ولدىَّ كثير مما أعرفه ولست متأكداً منه بشكل أساسى، وبالتالى لا أستطيع تدوينه. سواء كلاما قيل فى المملكة العربية السعودية على لسان ولى عهدها الأمير محمد بن سلمان، وطال بعض قيادات مصر الكبرى. أو ما جرى فى لقاءات مغلقة أو محاولة ولى عهد الإمارات العربية المتحدة للتوسط بين البلدين. وهى المحاولة التى لم تؤد لانفراجة كانت متوقعة للأمر المتأزم بين البلدين. أو فى لقاء جرى بين الرئيس عبدالفتاح السيسى وأمير دولة الكويت فى القمة الإفريقية التى كانا يحضرانها، ونشرت جريدة الأخبار اللبنانية تقريراً صحفياً عما جرى فى هذا اللقاء.


أعترف أننى ما كنت أحب أن أتطرق لهذا الموضوع، لأن ما أعرفه كثيرا، وما أنا متأكد منه قليل. وما أستطيع كتابته أقل من القليل. ولأن الأمر يدور حول علاقاتنا بأشقائنا فى المملكة العربية السعودية. فلا بد أن تصبح الكلمات مثل جمر النار، على الإنسان أن يفكر ألف مرة قبل أن يدونها. لأنه لا شىء رسمى خرج من الرياض، ولا شىء رسمى خرج من القاهرة. ورئيس مصر الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو إنسان – قبل أن يكون رئيساً، وبعد أن أصبح رئيساً لمصر - عف اللسان يعرف الجوهرى من الأمور فقط. ولا يحب أن يتطرق للتفاصيل ابتعد عن القصة كلها. بل ولم يشجع أحداً لا بشكل مباشر أو غير مباشر على أن يخوض فى الحكاية.


لكنى دهشت من زيارة قام بها وزير البترول المصرى طارق الملا للمملكة العربية السعودية مؤخراً. سألت نفسى – والنفس قد تكون أمَّارة بالسوء – هل من حق الوزير، أى وزير أن يسافر خارج البلاد دون استئذان رئيس الوزراء؟ وإحاطة مكتب الرئيس علماً بالأمر؟


لا يقل لى أحد إنه وزير البترول. وإن الوزارة ليست سيادية. فأعتقد فى ضوء الأزمة مع السعودية، ورفع أسعار الوقود، وتطورات الوضع الداخلى المصرى، تجعل من وزارة البترول وزارة سيادية. وأنا لا أعرف حقيقة هل أحاط طارق الملا علماً المهندس شريف إسماعيل أو مكتب الرئيس السيسى بسفريته؟ وعرف طبيعة مهمته قبل سفره أم لا؟ أم سافر من تلقاء نفسه؟


هذه المرة فى يدى وثيقة, وهى جريدة الشروق الصادرة يوم الجمعة الماضى. كتب أحمد إسماعيل فى الصفحة الأولى، وفى مكان أهم خبر فى الجريدة على يمين الصفحة:


- قال طارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية إنه لم يتطرق للحديث عن موعد استئناف شركة أرامكو السعودية ضخ الوقود إلى مصر خلال زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية.


أضاف الوزير: كنا نحضر المؤتمر الوزارى الخاص بالتعدين. وأضاف الوزير خلال مؤتمر صحفى عقده يوم الخميس الماضى خلال زيارته لحقول شركة قارون للبترول، موضحاً أنه ناقش خلال الزيارة فرص التعاون بين البلدين فى مجال البحث والتنقيب عن التعدين. وأضاف ستترتب خلال الفترة القادمة زيارات لرئيس شركة معادن السعودية للتعرف على فرص التنقيب عن المعادن فى مصر.


وأن الهيئة العامة للبترول تقوم حالياً بتوفير احتياجات السوق المحلية من المواد البترولية من خلال طرح مناقصات عالمية لشراء شحنات من الوقود.


وأكد الوزير أن وزارته تناقش خلال الفترة الحالية مع الحكومة والبنك المركزى المصرى توفير مبالغ مالية لسداد جزء من مستحقات الشركاء الأجانب قبل نهاية العام الحالى. ثم كلام عن هيكلة القطاع.


طبعاً لا يمكن أن يفهم من كلامى أننى أطالب بمقاطعة الأشقاء فى المملكة العربية السعودية. فمهما جرت خلافات مع الحكومة الراهنة، فالشعب السعودى شعب شقيق، تربطنا به أواصر كثيرة. ولا يمكن للشعبين أن يدفعا ثمن خلافات تقع بين حكومتين.


لكنى أحسست بالجرح عندما قرأت ما قاله الوزير فى مؤتمره الصحفى. ففى علاقات الدول بعضها ببعض، فإن وزير البترول لا يمثل نفسه ولا وزارته. ولا حكومته. لكنه يمثل مصر. وكنت أتصور – وأنا لا أفرض رؤاى وفهمى على الوزير – أن يشترط على الجانب السعودى فى حالة سفره أن يناقش أزمة أرامكو مع مصر. وإن رفض الأمر فليعتذر الوزير ويرسل أى مسئول من وزارته لتمثيل مصر فى هذا المؤتمر. أما أن يسافر ويعود دون كلمة واحدة فى الموضوع – وأنا أصدق الوزير ولا أشكك فى روايته – فهذا ما كان يجب أن يتم.


المعاملة بالمثل جملة تكاد أن تكون عرفاً وقانوناً ودستوراً فى علاقات الدول بعضها ببعض. والمسئولون فى المملكة العربية السعودية هم الذين بدأوا هذا الفاصل الرهيب من تدهور العلاقات. وحتى عندما عرضت الوساطة الإماراتية أن تعتذر المملكة العربية السعودية لمصر عن أى إساءات طالت قياداتها، رفض الطلب، بل شاهدنا تدهوراً جديداً يصيب العلاقات.


كرامة مصر هى كرامة أى مصرى، وكرامة رئيس مصر هى كرامة مصر، فهو رمز البلاد. وعلى الرغم أننى أتمنى الخروج من هذه المحنة بأقل الخسائر الممكنة، فإن الضغط على مصر مرفوض. والتلويح - بالتجويع البترولى - لمصر لا يمكن قبوله. ولم يحدث أن لوح شقيق لنا بذلك من قبل. لقد فرض علينا الحصار قبل ذلك أكثر من مرة. ونحن نخوض معارك التحرر الوطنى، وملاحم بناء مصر الجديدة. لكنه كان من أجانب، ومن دول لا يربطنا بها شىء. ومن طامعين فى النيل من استقلالنا. وكان رد الشعب المصرى شديد الوضوح أنه لا للمساس بكرامة مصر مهما كانت الظروف.


ليس أمام إدارة مصر سوى إما أن تعلن الحقائق لشعبها، أو أن تدير أزمتها مع السعودية انطلاقاً من أن مصر دولة إقليمية كبرى. دولة دور، دولة قائدة ورائدة ومركزية ومحورية، ليست فى المنطقة وحدها ولكن فى العالم كله. وإن كانت الإدارة الأمريكية السابقة قد حاولت تقزيم مصر من خلال عقد مؤتمرات كثيرة للبحث فى مستقبل سوريا ومستقبل العراق واليمن وليبيا. وحضر هذه المؤتمرات من المنطقة ثلاث دول فقط: تركيا، إيران، المملكة العربية السعودية. فأنا أتمنى أن تكون أمريكا قد طوت هذه الصفحة وتنظر إليها كما لو كانت ماضياً تاماً.


وأقول لهم ولنا وللأشقاء، وفى المقدمة منهم أشقاء المملكة العربية السعودية: إلا مصر