مصر تدعم الجيش السورى .. مبادئ عليا ومصالح مشتركة

30/11/2016 - 2:12:08

  الجيش العربى السورى.. الجيش الأول الجيش العربى السورى.. الجيش الأول

بقلم : د. حسن أبوطالب

بحكم التاريخ وتوازنات القوى فى المشرق العربى، تبرز العلاقة بين دولتى مصر وسوريا بمؤسساتهما الوطنية وخبراتها المتنوعة كأحد أهم عناصر بناء منظومة عربية إقليمية فاعلة، تواجه التحديات وتدافع عن المصالح العربية الكبرى. ومع ذلك فهناك من يسعى إلى ضرب تلك العلاقة فى مقتل متصورا أن غياب القاهرة ودمشق عن ساحة التأثير العربى والإقليمى كفيل بأن يوفر مساحة قيادة ونفوذ يصعب الحصول عليهما إن كانت القاهرة فى وضعها المعتاد، أو كان التنسيق المصرى السورى هو الأساس. وإذا وضعنا هذه الحقيقة فى خلفية الأحداث الجارية، فسوف يسهل إدراك وتفسير حالة رد الفعل الممزوجة بالتعجب والقلق والمفاجأة التى انتابت الجميع تقريبا حين صرح الرئيس السيسى بأن الأولى على مصر أن تدعم الجيوش الوطنية فى سوريا وليبيا والعراق لمكافحة الإرهاب الذى يضرب تلك البلدان، ومؤكدا أن مصر تدعم بالفعل الجيش الوطنى السورى فى حربه الكبرى ضد الإرهابيين أيا كان الاسم الذى يحملونه وأيا كانت الجنسية التى يتدثرون بها.


وضوح الشمس


الموقف المصرى من الأزمة السورية واضح وضوح الشمس، ومع ذلك فهناك من يتجاهله ويعتبره مجرد كلام فى الهواء، وقد تم التعبير عنه مرات كثيرة، ومن أبرزها ما جاء فى كلمة الرئيس السيسى فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر الماضى، والتى حدد فيها موقف مصر بلا رتوش أو مناورات من تلك التى يبرع فيها صغار القوم من الدول، ومن أبرز ما قاله «إن رؤية مصر لحل الأزمة السورية كانت ولا تزال تقوم على ركيزتين أساسيتين؛ أولها وحدة الدولة السورية والحيلولة دون انهيار مؤسساتها، أما الثانية فهى دعم التطلعات المشروعة للشعب السورى فى إعادة بناء دولته عبر التوصل لصيغة حل سياسى تكون مرضية لجميع السوريين ومعبرة عنهم وتوفر البيئة المناسبة لجهود إعادة الإعمار» ومؤكدا أن «سوريا التى نأمل بها لابد من المساواة فيها بين جميع الأطياف السورية وممثلى جميع الطوائف مع استثناء التنظيمات الإرهابية التى لا يمكن أن يكون لها مكان فى سوريا.. فلا مكان للإرهاب فى سوريا ولا مجال لأى محاولة لتجميل صور التنظيمات الإرهابية.. وكل من يراهن على حسم عسكرى يفضى لغلبة فريق واحد فى سوريا «خاسر»، كما أن كل من يراهن على أن تلعب التنظيمات الإرهابية دورًا فى سوريا، «واهم».


ومع مساندة مصر للجيش السورى تبين للجميع أن مواقف مصر لا تتسم بالتناسق الداخلى فحسب، بل أيضا بالقدرة على تحويل المبادئ إلى مواقف عملية تؤدى الغرض المطلوب منها. وكثيرا ما شرح الرئيس السيسى المحددات الرئيسية فى تحرك مصر للأزمة السورية وهى؛ الحفاظ على الدولة السورية بمؤسساتها الوطنية المعروفة ونظامها السياسى الذى يرتضيه السوريون أنفسهم، وعدم السماح بالتقسيم الجغرافى لسوريا والتأكيد على التعامل معها كبلد موحد وواحد، رفض محاولات تغيير النظام السورى بالقوة المسلحة أو الاستعانة بميليشيات غير شرعية، أن حل الأزمة القائمة هو حل سياسى سلمى تشارك فيه كل مكونات الشعب السورى بدون أى تدخلات خارجية وصولا إلى ما يحقق تطلعات الشعب السورى، وضرورة تضافر جهود المجتمع الدولى من أجل إعادة إعمار سوريا بعد تسوية الأوضاع فيها.


لا.. لتغيير النظم بالقوة


هذه المحددات الخمسة إضافة إلى القناعة المصرية الكبرى والرئيسية بعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، سواء كانت مجاورة أو أبعد جغرافيا، فجميعها تعكس إدراكا مصريا واعيا بمخاطر تغيير النظم فى أى بلد من خلال منظمات إرهابية عابرة للحدود، سواء سميت إسلامية أو ليبرالية أو يسارية تحصل على الدعم بأشكاله المختلفة من أجل إنهاك المؤسسات الوطنية والإجهاز على الدولة وما فيها. ففى حالة نجاح هذا النموذج من التغيير القسرى وغير المشروع والمتصادم مع ميثاق الأمم المتحدة والمناقض لمعاهدات حقوق الإنسان فى بلد كسوريا فسوف تُفتح أبواب جهنم على كل الدول العربية ودول الجوار أيضا بلا استثناء، وستدخل المنطقة فى حال من الفوضى العارمة التى لن تهدأ أبدا، وإذا ما حدث هذا المشهد البغيض فلن يستطيع أحد أن يتحدث عن سلام واستقرار وتنمية وحريات فى عموم المنطقة العربية لعقود طويلة مقبلة.


إستنادا إلى هذه القناعات الأصيلة والمبادئ الرصينة جاء تحرك القاهرة تجاه سوريا المتمثل فى دعم جيشها الوطنى، باعتباره المؤسسة الأقدر والأجدر على تحقيق الأمن ودحر منظمات الإرهاب ومن يدعمونها بالمال والسلاح والدعاية السوداء. وهو تحرك لم يأتِ منفصلا، بل جاء فى سياق دعم مصرى لكل الجيوش الوطنية التى تدافع عن بلدانها وشعوبها كما هو الحال فى العراق وليبيا ضد أطراف إقليمية تخطت الأعراف والقيم وضربت بها عرض الحائط، وهى جيوش وطنية تحمى شعوبها من خطر الإرهاب وتسعى إلى القيام بأدوار ذات طابع إنسانى وتنموى إلى أن تكتمل المنظومة المؤسسية القادرة على معالجة الأمور معالجة وطنية صحيحة.


هجوم بلا منطق


الكارهون لمصر لا يرون الصورة كما تراها القاهرة، بل يسعون دائما إلى اختلاق الأكاذيب والمعلومات المغلوطة من أجل تشويه أى تحرك مصرى، وهم بذلك يعترفون ودون أن يدرون بأن مصر بلد كبير ومؤثر وصاحب دور يفرض عليه التحرك؛ حفاظا على المصالح المصرية الوطنية والقومية فى آن واحد. فلو أن التحرك المصرى بلا تأثير، لما كان كل هذا الهجوم والنقد على قرار مصرى من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. والمؤكد هنا أن موقف مصر تجاه مساندة الجيش السورى لم يأت من فراغ، ولا هو قرار عشوائى ردا على تحركات ومواقف غريبة من بعض الأشقاء العرب لم تكن متصورة أصلا، وإنما هو قرار بنى على تقديرات جادة واعتبارات طويلة المدى، والمتابع للموقف المصرى من الأزمة السورية يلحظ أربع مراحل مهمة؛ اثنتان منها كانتا فى سنوات القلاقل الداخلية التى مرت بنا بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق مبارك، وهما مرحلة الانكفاء على الذات والتى قابلها حركية ونشاط خليجى عبرت عنه قطر آنذاك استهدف الإطاحة بنظام الرئيس الأسد من خلال تقديم كل صنوف الدعم المالى والدعائى والتسليح لفصائل مختلطة من السوريين ومن جنسيات مختلفة باعتبارها المعارضة القادرة على الإطاحة بالنظام السورى، ومن ثم بناء سوريا جديدة تكون ذليلة لقطر ومن ورائها، وتلتها مرحلة توظيف الجامعة العربية لعزل نظام الرئيس الأسد وإبعاده عن المشهد السياسى العربى، وهو ما تجسد فى تجميد عضوية سوريا بالجامعة وقيام عدد من الدول العربية بقطع علاقاتها الدبلوماسية معه لاسيما دول الخليج. وفى هاتين المرحلتين ونظرا للظروف الداخلية المتوترة لم تستطع مصر أن توجه المواقف العربية والإقليمية على النحو المطلوب، وفى زمن الإخوان وصل التماهى مع المواقف الخليجية المناهضة لنظام الرئيس الأسد فى أكتوبر ٢٠١٢ حين قرر الرئيس الإخوانى قطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، وهى التى تم الحفاظ عليها أثناء إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لشئون البلاد، فكان قرار القطع ضربة كبرى لصميم العلاقة التاريخية بين البلدين، ثم فى مناسبة أخرى منتصف يونيه ٢٠١٣ أعلن الرئيس الإخوانى الدعوة إلى الجهاد فى سوريا، الأمر الذى تم تداركه مع قيام ثورة ٣٠ يونيه ضد نظام الإخوان الذى أسقطه الشعب بالضربة القاضية، وبعدها بدأت مرحلة ترميم الموقف المصرى تجاه الأزمة السورية، ومع انتخاب الرئيس السيسى وتسلمه الحكم فى يونيه ٢٠١٤ بدأت المرحلة الرابعة بداية من البحث جديا فى إعادة توجيه الموقف المصرى بما يليق بالمبادئ الحاكمة للسياسة المصرية بوجه عام، وما يليق بدور مصر فى مواجهة الإرهاب بوجه خاص، ومرورا بفتح قنوات اتصال مع أطراف الأزمة السورية بحكمة وتعقل شديدين.


المعارضة السورية السلمية فى القاهرة


كات المعضلة الأولى التى واجهت مصر السيسى تتعلق بغياب قنوات الاتصال المؤثرة مع الأطراف السورية التى تؤمن بالحل السلمى ولم تتورط فى أعمال إرهابية. وهو ما تم تجاوزه مع دعوة رموز سورية معارضة من الداخل السورى والخارج، وهم الذين اجتمعوا فى القاهرة مرتين، وفى المرة الثانية ٩ يونيه شارك طيف واسع من ممثلى المعارضة السورية ومنهم ممثلون عن «الائتلاف الوطني السوري» و»هيئة التنسيق الوطنية» وشخصيات سورية عامة كهيثم مناع وجهاد مقدسي وجمال سليمان وحبيب حداد وحسن عبدالعظيم وقاسم الخطيب، وانتهى الاجتماع بإصدار وثيقة حملت اسم لجنة مؤتمر القاهرة للحل السياسى التفاوضى من أجل سوريا ديمقراطية، عبارة عن خريطة طريق لحل سلمى ينهى الصراع ويهئ لتسوية تشمل جميع الأطراف. وطالبت الوثيقة الأطراف الإقليمية والدولية بوقف دعم الجماعات المسلحة والبدء في إطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين لدى جميع الأطراف. وأكدت الوثيقة «استحالة الحسم العسكري (للنزاع) وكذلك استمرار منظومة الحكم الحالية التي لا مكان لها ولا لرئيسها في مستقبل سوريا». كما أكدت أن هدف الانتقال إلى تسوية سياسية هو تغيير النظام الحالى بشكل جذرى وشامل، وأن المفاوضات تكون بين وفد يمثل النظام ووفد يمثل المعارضة برعاية الأمم المتحدة ومباركة القوى المؤثرة فى الوضع السورى، على أن يتم تشكيل هيئة انتقالية تتمتع بكافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، ومجلس أعلى للقضاء ومجلس وطني عسكري انتقالي.


ونظرا لأن دفع الحل السلمى يتطلب الانفتاح على كل الأطياف السورية بما فيها الحكومة والرئيس الأسد، فقد تطورت الاتصالات المصرية السورية فى شقها الرسمى ببطء ولكن بقوة، ومع الاقتناع المصرى بأن بقاء الدولة السورية صار على المحك وأن الأرض السورية تشهد حربا ضروس بين جيش وطنى وبين جماعات ومنظمات إرهابية تدعمها دول عربية وإقليمية ومن ورائها قوى كبرى فى مقدمتها الولايات المتحدة بهدف الإجهاز التام على سوريا وتقسيمها وتوريط المنطقة ككل في حرب مذهبية طائفية بين سنة وشيعة وهو ما لا يمكن السماح به لاضراره الخطيرة وتداعياته الكارثية على الدول العربية جميعها، تطور الموقف المصرى الى ضرورة التدخل ودعم أهم مؤسسات الدولة السورية، أى جيشها الوطنى من أجل استكمال هزيمة الإرهاب والحفاظ على سوريا موحدة غير مقسمة.


مساعدات ومعلومات


وتشير دلائل على أنه فى الفترة التى كانت مصر تدعو فيها قوى المعارضة السورية ذات النهج السلمى، كانت الاتصالات مع الحكومة السورية قد بدأت بالفعل كما أن بعض مساعدات عسكرية مصرية فى صورة أسلحة وذخائر ومعدات ضرورية وصلت إلى دمشق، وهى مساعدات أخذت تتطور من حيث الحجم والنوعية تباعا. وفى تقارير صحفية نشرت على استحياء نهاية العام ٢٠١٥، ورد أن مصر أرسلت ما يقرب من ٢٠ دبابة روسية الصنع من نوعية الدبابات الشائعة لدى الجيش السورى، ولم يحدث حينها أن تم التعليق على هذه الأنباء سلبا أو إيجابا، كما أشارت تقارير أخرى خاصة فى إبريل الماضى الى أن أحد الفصائل الإرهابية تمكن من السيطرة على أحد مواقع الجيش السورى القريبة من حلب أثناء عمليات الكر والفر التى كانت تجرى آنذاك على خلفية بدء معركة تحرير حلب من فصائل الإرهاب، وقد وجد فيها هذا الفصيل الإرهابي أسلحة وذخائر مصرية، وأيضا لم يتم التعليق عليها سلبا أو إيجابا فى حينه. ولكن الواقعة سجلت أول إشارات الدعم المصرى للجيش السورى.


منحى مختلف


غير أن الأمر أخذ منحى مختلف بعد أن اعلن الرئيس السيسى فى حواره مع وكالة الأنباء البرتغالية صراحة ٢٣ نوفمبر أن مصر تدعم الجيش الوطنى السورى باعتبار أن الجيوش الوطنية هى المؤهلة لرد العدوان وحماية شعوبها، ولأن هناك حساسيات تحول دون إرسال قوات مصرية إلى خارج الأرض المصرية. وهنا أخذت مصادر صحفية نشرت فى لبنان تتحدث عن طلائع من القوات الجوية المصرية قوامها ١٨ طيارا يجيدون قيادة طائرات مروحة روسية الصنع من طراز «مى» وصلت إلى قاعدة حماة الجوية، وهناك من قال إن هؤلاء بدأوا المشاركة فى الهجمات الجوية ضد الفصائل الإرهابية أو المعارضة حسب وصفهم، وهناك ثالثا من قال إن هناك ٣ آلاف جندى مصرى وصلوا بالفعل ويشاركون فى معركة تحرير حلب، وهناك من قال رابعا إن هناك عدد أربعة من كبار المستشارين العسكريين المصريين وربما أكثر قليلا يقومون بتقييم مسرح العمليات ويقدمون النصائح لنظرائهم السوريين.


وللتوضيح حرص المتحدث الرسمى باسم الخارجية المصرية على نفى كل الأنباء المتعلقة بإرسال قوات مصرية إلى سورية، معتبرا الأمر غير معقول، لأن خروج الجنود المصريين إلى مهام خارجية يتطلب موافقة مؤسسات رسمية وليس أمرا اعتباطيا، وإذا حدث سيعلم الشعب المصرى كافة التفاصيل. كما أن السفير المصرى فى بيروت نفى بدوره ما أوردته الصحف اللبنانية عن وصول قوات مصرية الى سوريا ومشاركتها العمليات العسكرية هناك. فى حين أصرت صحيفة السفير على أن معلوماتها الخاصة بقدوم طيارين مصريين إلى سوريا صحيحة وفقا لمصادرها الموثوقة.


غير أن دلالة الأمر برمته لا تخفى على أحد، فتنوع المعلومات غير الموثقة على هذا النحو يظهر اهتماما كبيرا بأى تحرك مصرى يؤثر فى مسار أزمة كبرى كالأزمة السورية، ينطلق من أسس قومية ووطنية ويسهم فى تغيير اتجاهات الأحداث وبما يخدم القضايا العربية فى المقام الأول. بالطبع رأى داعمو جماعات المسلحين فى الموقف المصرى نوعا من مساندة نظام ديكتاتورى أو دليلا على اصطفاف مصر مع إيران الشيعية ضد أهل السنة باعتبار أن الجماعات المسلحة الإرهابية حسب عرف هؤلاء تابعون لأهل السنة والجماعة وفقا لتفسيراتهم القاصرة المضللة. والأكثر ترجيحا فى كل هذه المعلومات أن يكون هناك مستشارون عسكريون ليسوا بالضرورة من القائمين فى الخدمة بالفعل، إضافة الى أسلحة وذخائر ومعدات ضرورية. أما إرسال جنود فهو أمر يتصادم مع القناعات والمبادئ المصرية جملة وتفصيلا، ويخضع لإجراءات دستورية صارمة. والمؤكد أن مصر بدأت خطوة كبرى عمليا ومعنويا من شأنها أن تعيد الاعتبار وبكل جسارة لدور مصرى عربى مؤثر يخدم القضايا العربية، ويثبت أن تراجع التأثير المصرى عربيا لسنوات محدودة.. كان أمرا عابرا ولن يعود ثانية.