بعد وصول مخزون المستلزمات الطبية إلى صفر: المستشفيات تصرخ.. الحقينا يا حكومة

30/11/2016 - 1:58:16

  هكذا يلقى بالمرضى فى المستشفيات الحكومية.. والسبب عدم وجود مستلزمات طبية هكذا يلقى بالمرضى فى المستشفيات الحكومية.. والسبب عدم وجود مستلزمات طبية

تحقيق: إيمان النجار

لم يمض كثير على تدخل الرئيس السيسى لإنهاء أزمة نقص الأدوية، إلا وظهرت مشكلة أخرى فى كثير من المستشفيات الحكومية الجامعية، والتابعة لوزارة الصحة، تمثلت فى نقص المستلزمات الطبية، وبدأت الأزمة تظهر على استحياء فى عدد من المستشفيات وتضمنت نقص «خوافض» اللسان المستخدمة عند فحص الحلق، و»جوانتى» الفحص، إلى أن وصلت فى مستشفيات أخرى لنقص فى بعض أنواع الخيوط المستخدمة فى الجراحات، وثالثة وصلت فيها إلى نقص رئات صناعية توقفت على إثرها جراحات قلب الأطفال فى مستشفيات أخرى.


الأطباء من جانبهم بادورا إلى تحذير المسئولين من تفاقم الأزمة خلال الأسابيع المقبلة، وطالبوا رئيس الوزراء بالتدخل وبحث الملف كاملا قبل فوات الأوان، خاصة أن المخزون الاستراتيجى من المستلزمات الطبية ليس آمنا بدرجة كافية، ويشترك فى ذلك المستشفيات الجامعية، والمستشفيات التابعة لوزارة الصحة، حسب قول أطباء يعملون بها، خاصة بعد أن نفد المخزون بالفعل من بعض المستشفيات، فى حين هناك مستلزمات أخرى لا يكفى مخزونها أكثر من أسبوعين، بالإضافة إلى أصناف أخرى تكفى ثلاثة أشهر فقط، وحسب قول أحد الأطباء العاملين بمستشفى دار السلام العام، فإن «الأسبوع الماضى شهد أزمة فى نقص المستلزمات الطبية، ففى قسم الأطفال وصل الأمر لانتهاء كميات «خوافض» اللسان المستخدمة لفحص حالات التهاب الحلق ونزلات البرد، وعندما توجهت الممرضة إلى مسئولة الصيدلة بالمخزن قالت لها لا يوجد، فتوجهنا إلى مدير المستشفى الذى وعد بتوفيرها، وبالفعل توفرت كمية تم شراؤها، لكن السبت الماضى تكررت نفس المشكلة، وطالت الأزمة نقص الخيوط المستخدمة فى مداواة الغرز البسيطة».


«المخزون قارب على الزيرو»، هكذا بدأ مدير أحد مستشفيات جراحات اليوم الواحد، مستطردا «مختلف أنواع «الجوانتى» بها نقص شديد، بجانب أزمة المحاليل المستمرة، والمشكلة أن الشركات الموردة أرسلت خطابا بعدم التوريد إلا بعد تحريك السعر، أيضا مستلزمات الغسيل الكلوى تتناقص، خاصة بعد قرار بعض المراكز الخاصة بالإغلاق، أدى إلى زيادة الضغط على المستشفيات عموما.


مشكلة المخزون تبدو لأول وهلة أن السبب ورائها يعود إلى مدراء المستشفيات وعدم قيامهم بتوفير مخزون استراتيجى كاف لفترة محددة، لكن هذا ليس السبب الوحيد، وإنما المشكلة الأكبر تتمثل فى امتناع شركات المستلزمات الطبية عن التوريد للمستشفيات بعد تحرير سعر الصرف وارتفاع سعر الدولار، ويلجأون إلى دفع غرامة عدم التوريد، وهى بالنسبة لهم خسارة بسيطة مقارنة بالخسارة المحققة فى حال التوريد بأسعار المناقصة، وهذا معناه أنه حتى إن المستشفيات التى لديها مناقصات سارية لا تستقبل مستلزمات طبية لهذا السبب، والسبب الآخر وهو أنه قبل عقد مناقصة برلين الخاصة بالشراء الجماعى للقوات المسلحة، أرسلت وزارة الصحة للمستشفيات تعليمات بعدم عقد صفقات جديدة انتظارا لمستلزمات الشراء الجماعى، وحسب قول الدكتور خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، استشارى جراحة القلب بمستشفى أطفال مصر، فإن «أزمة نقص المستلزمات مشكلة مزمنة، وكانت بسبب ضعف ميزانية الصحة عموما وضعف التمويل، وكان يتم التعامل معها بتقليل عدد المرضى والعمليات، إلى أن ظهرت قوائم الانتظار التى تتزايد فى الفترة الأخيرة، وبعد تحرير سعر الصرف لم تعط الحكومة المستلزمات الطبية أولوية فى توفير الدولار، وهذا ما أدى إلى أن المستوردين خفضوا الاستيراد، وبالتالى خفضوا التوريد للمستشفيات، المشكلة الأخرى أن موضوع الشراء الجماعى تعاملت معه وزارة الصحة على أنه سيتم فى يوم وليلة، ولم تضع فى اعتبارها متغيرات السوق، ودون تنبيه للمستشفيات باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتوفير مخزون كاف».


واستطرد قائلا «المستلزمات الطبية منها مستلزمات معمرة ممثلة فى الأجهزة والأسّرة، ومنها المستهلكات التى تستخدم مرة واحدة من سرنجات وقفازات ومحاليل وغيرها، ومنها مستهلكات تستخدم للمريض وتظل لفترات مثل الصمامات والدعامات والمفاصل والرقع وغيرها، ومعظم سوق المستلزمات مستورد، ويتأثر مباشرة بتعويم الجنيه، خاصة المستلزمات عالية التقنية، وبدأنا نرصد نقصا شديدا فى أصناف مثل بعض أنواع الخيوط، والأنابيب الصدرية، ومنظمات ضربات القلب، والوصلات الصناعية المستخدمة فى جراحات القلب، أو الأوعية الدموية أو الانسدادات، والرقع المستخدمة فى علاج العيوب الخلقية، وأيضا الرئات الصناعية، وكان نقص الرئات الصناعية سببا فى توقف جراحات القلب للأطفال أقل من ٨ كيلو جرامات فى مستشفى الدمرداش ومستشفى أطفال مصر للتأمين الصحى، وبعد توفر تبرعات، تم توفير ٢٠ رئة صناعية لمستشفى الدمرداش وهى تكفى لأسابيع قليلة، وحتى بداية الأسبوع الجارى لم تتوفر فى مستشفى أطفال مصر، وفى ظل هذا الأزمة فإن الوضع بالنسبة لجراحات القلب مأساوى، فهناك مستلزمات لا نجدها فى الشركات».


نقص المستلزمات فى بعض المستشفيات مرتبط بعدم وجودها فى السوق رغم وجود الأموال اللازمة للشراء، وحسب قول الدكتورة هناء راضى، أستاذ مساعد طب الأطفال، نائب مدير مستشفى أبو الريش اليابانى، «بدأنا نرصد أزمة فى بعض المستلزمات ليس فقط بسبب الأسعار ولكن لعدم توفرها فى السوق، فعلى سبيل المثال زجاجات مزارع الدم بها نقص شديد وغير متوفرة فى السوق والمخزون قارب على الانتهاء ونتواصل مع الشركات للحصول على كمية منها، مع العلم أن المستشفى يستهلك كميات كبيرة لوجود أسرة رعاية مركزة تصل إلى نحو كرتونتين يوميا، أيضا الملفات الطبية الخاصة بتسجيل بيانات المرضى بها مشكلة وكنا متعاقدين عليها، والشركات ترفض التوريد، ورفض الشركات هذا أصبح متكررا فى أكثر من صنف، وبعض أدوية تخدير الأطفال، ومؤخرا زار المستشفى وفد من مستشفيات الشرطة وحصلنا على وعد من الدكتورة عزة الجمل، وكيل الإدارة العامة لمستشفيات الشرطة، بتوفير بعض الأصناف التى تمثل مشكلة لدينا، منها مضادات حيوية وأدوية تخدير وأدوية إنعاش قلب ومحاليل».


مشكلة المستلزمات الطبية التى ظهرت فى بعض المستشفيات لانتهاء الكميات لديها أو لعدم توريد الشركات، من المتوقع أن تأخذ بعدا آخر خلال الفترة المقبلة، متمثلا فى المناقصات الجديدة التى ستستلزم رفع الأسعار، مما يعنى زيادة ميزانية المستشفيات، وحسب قول الدكتور حاتم أبو القاسم، مدير المعهد القومى للأورام، فإن «المستلزمات والمستهلكات لا تمثل مشكلة فى الوقت الراهن، لأنه بحكم حجم المعهد وحساسية المرض، فإن الشركات متفهمة وضع المعهد ومازالت تورد، وإن كنا فى أوقات معينة نعانى من توريد كميات أقل من الكميات المطلوبة، أو تأخير تسليم الكميات، كما أنه بحكم القانون مسموح لنا الحصول على ٢٥٪ من المناقصة بنفس السعر، وهذه الكميات ستكفى لثلاثة أشهر قادمة، لكن المشكلة ستظهر بحلول شهر يناير المقبل، حيث يتم التجهيز لمناقصات جديدة، مما سيتطلب زيادة ميزانية المعهد، فمع تحرير سعر الصرف زادت الأسعار بنسبة ٥٠٪، وفى أصناف معينة وصلت زيادتها إلى ١٠٠٪، وبالتالى سنحتاج دعما ماديا أكبر من الدولة، يصل إلى زيادة الميزانية بنحو ٥٠٪ على الأقل، فالميزانية المخصصة للمعهد تبلغ ٥٥ مليون جنيه، فى حين إجمالى الإنفاق يتراوح ما بين ١٥٠ و٢٠٠ مليون جنيه، وبذلك تمثل الميزانية الحكومية ثلث المنفق، وثلثا المنفق الآخران من التبرعات، مع الأخذ فى الاعتبار أنه مع ارتفاع الأسعار فى الأسواق نتوقع انخفاض معدل التبرعات، وبالتالى فرفع الميزانية هو التحدى القادم لإمكانية توفير المستلزمات بعد ارتفاع أسعارها، أيضا مع بداية العام الجديد سوف نطالب بتعديل لائحة أسعار العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحى».


الدكتور حسام عبد الغفار، أمين عام اللجنة العليا للمستشفيات الجامعية، قال «نتلقى شكاوى من مختلف المستشفيات الجامعية بنقص المستلزمات الطبية، وحسب التقارير الواردة إلينا فالمخزون فى بعض المستلزمات يكفى أسبوعين، وأخرى شهرا واحدا، وأنواع تكفى لثلاثة أشهر، وفى حال نقص أصناف معينة يتم التواصل مع ادارة الصيدلة التى تتواصل بدورها مع الشركات لتوفيرها، وتكرر هذا الأمر فى موضوع نقص المحاليل، وحاليا يوجد ضغط على أقسام الغسيل الكلوى بعد أزمة المراكز الخاصة ومشكلتها مع ارتفاع الأسعار وتوقف بعضها عن استقبال مرضى التأمين الصحى والعلاج على نفقة الدولة، وهذا أدى إلى زيادة استهلاك مستلزمات الغسيل الكلوى فى المستشفيات الجامعية، ونحن نعرض المشكلة حتى لا نصل إلى أزمة».


واستطرد الدكتور عبد الغفار «المشكلة فى المستلزمات ليست فقط فى عدم توافر بعضها فى السوق، لكن المشكلة الأكبر فى غلاء سعرها، خاصة بعدما أصبحت أسعار المناقصات القديمة غير مرضية للشركات وبالتالى لا تورد باقى كميات المناقصة وتفضل دفع الغرامة، ويضطر المستشفى أن يلجأ للمورد التالى الذى يعتذر بدوره عن التوريد لأنه غير ملزم».


وطالب الدكتور حسام بالتحرك لدراسة الوضع قبل أن نصل لانتهاء مخزون المستشفيات قائلا «من بين الحلول العاجلة بالنسبة للمستشفيات الجامعية، أن مرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحى توفر لهم وزارة الصحة مستلزماتهم، ولهذا سيكون أرخص لهم من دفع تكلفة الخدمة بعد توفير المستلزمات بالشراء المجمع مؤخرا، بمعنى أن مريض الغسيل الكلوى توفر له فلاتر، ومرضى القلب توفر لهم الدعامة أو الصمام، وكذلك المفاصل، والحل الآخر الذى تحركنا حياله هو التقدم لإدارة التسعير بوزارة الصحة بوضع سعر عادل للمستلزمات الطبية، ليتم عرض الأمر على رئيس الوزراء، فالقانون لا يعطى سلطة تغيير سعر المناقصات إلا من خلال مجلس الوزراء مثلما يحدث فى مناقصات المقاولات وتمت مخاطبة إدارة التسعير بهذا الشأن، الحل طويل المدى هو إجراء مناقصة مجمعة للمستشفيات الجامعية، ويتزامن مع ذلك الرقابة المستمرة على شركات المستلزمات الطبية لمواجهة حالات جشع التجار وتعطيش السوق تحسبا لرفع الأسعار، أيضا ميزانية المستشفيات موضوع آخر يتطلب دراسته، فالموضوع له أبعاد كثيرة لابد أن توضع فى الاعتبار تفاديا لأزمة محققة فى حال استمرار الوضع كما هو عليه الآن».


الدكتور خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، قدم مقترحات للتعامل مع أزمة المستلزمات الطبية قائلا «لابد من التعاون، بمعنى أن المستشفيات التى عليها ضغط أقل سيكون لديها مخزون فيتم توجيهه للمستشفيات الكبرى التى عليها ضغط ومعدلات استهلاك عالية، أيضا نناشد مستشفيات الشرطة والقوات المسلحة والتى لديها مخزون أن توجه جزءا منه للمستشفيات الجامعية التى تعانى من الضغط المستمر، خاصة أن ٧٠٪ من العمليات المعقدة تتم فى المستشفيات الجامعية ومعها نحو ٧٠٪ أيضا من حالات الطوارئ، وكذلك لمراكز جراحة قلب الأطفال الأربعة الكبرى، وهى مركز مستشفى أطفال مصر، ومستشفى أبو الريش، وأكاديمية أطفال عين شمس، ومركز بهتيم لجراحة قلب الأطفال، منهم مركزان تابعان للتأمين الصحى وآخران للجامعة».


وحذر محمود فؤاد، مدير المركز المصرى للحق فى الدواء، من قرب انتهاء مخزون المستلزمات الطبية والأدوية فى المستشفيات الجماعية، فما يكفى فقط لشهرين، وهذا بناءً على تقارير المستشفيات الجماعية والمرسلة لوزارة التعليم العالى بشأن توقف الشركات عن توريد الطلبيات، ورصد المركز الوضع فى نحو ٧٥ مستشفى جامعيا وتعليميا وتبين أن نحو ٥٥٪ منها تعانى من عدم وجود مستلزمات مثل الشرائح والمسامير ودعامات القلب، والمفاصل الصناعية والصمامات والوصلات الشريانية أو الرقع الصناعية والخيوط، ونحو ٤٠٪ من المستشفيات محل الرصد فى طريقها لنفس الوضع، وطالب مدير المركز بضرورة تدخل الحكومة ويتعاون فى ذلك الوزارات المعنية من وزارة الصحة والمالية والتعليم العالى قبل تفاقم الأزمة.