حصتها ٤ ٪ فقط من السوق المصرى ووزير قطاع الأعمال يتفرج وقائع تخريب شركات الدواء الحكومية!

30/11/2016 - 1:55:23

تقرير يكتبه: مــحــمد حــبيـب

بعد أن كانت تسيطر على أكثر من ٨٠ ٪ من سوق الدواء في مصر، تراجعت مشاركة شركات قطاع الأعمال العام فى سوق الدواء إلى ٤٪ فقط، وذلك بحسب إحصائيات صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، هذا التراجع كان لصالح الشركات الأجنبية بنسبة ٥٦٪، وللقطاع الاستثمارى الخاص بنسبة ٤٠٪.


تراجع حصتها ليس الأزمة الوحيدة لشركات الأدوية الحكومية، ولكن هناك تفاقم مديونية تلك الشركات وقدم التكنولوجيا المستخدمة بها في إنتاج الأدوية .. كل هذه الأزمات تثير تساؤلات حول أسباب انهيار صناعة الدواء الحكومى، والتى تضم ١١ شركة تعمل فى إنتاج وتجارة الأدوية، وهذه الشركات تتبع الشركة القابضة للأدوية والمستحضرات الطبية، وكل هذه الشركات تابعة لوزير قطاع الأعمال العام الدكتور أشرف الشرقاوى، الذي قضى ٨ شهور في منصبه ولم يفعل شيئا لإنقاذ شركات الأدوية الحكومية، بل زادت مشاكلها في عهده.


انهيار شركات الدواء الحكومية دفع لجنة الصحة بالبرلمان إلى عقد جلسة استماع مهمة أمس الثلاثاء، لمناقشة أوضاع تلك الشركات، والتى تتعرض للعديد من الأزمات الخاصة بزيادة خسائرها، ومديونياتهم الضخمة، وذلك بعد أن كانت هذه الشركات رائدة وتغطى ٨٠٪ من سوق الدواء المصري، وتصدر للدول العربية والإفريقية بالمليارات، ولكنها حاليا تراجعت بشدة وتعانى.


فى البداية قالت الدكتورة يمن الحماقى «عضو الجمعية العمومية للشركة القابضة للأدوية»: إن شركات الدواء الحكومية وصلت لمرحلة خطرة تتطلب حلولاً جذرية، بعد أن تراجعت الحصة السوقية لتلك الشركات لتصل إلى ما بين ٥ إلى ٧٪ فقط، وذلك لعدد من الأسباب منها سياسة تسعير الأدوية، فمعظم الأصناف التى تنتجها تلك الشركات رخيصة، وظلت هذه الأصناف من دون زيادة أسعارها لأكثر من ٢٠ عاما، على الرغم من ارتفاع تكلفة الإنتاج وهو ما كبد الشركات خسائر، والسبب الثانى لتراجع الشركات الحكومية هو أن هذه الشركات تستورد جميع المواد الخام اللازمة للصناعة من الخارج، ولا يوجد مصنع لإنتاج المواد الخام في مصر، ومع ارتفاع أسعار الدولار مؤخرا يتضاعف ثمن المواد الخام، وهو ما يزيد من التكاليف والأعباء على الشركات وفى نفس الوقت لا يقابلها زيادة في الأسعار.


والسبب الثالث لمعاناة تلك الشركات هو أن وزارة الصحة لا تدفع ما عليها من مديونية لتلك الشركات، فهناك شركة واحدة لديها مليار جنيه مديونية لدى وزارة الصحة، فضلاً عن أن معظم أدوية التأمين الصحى تنتجها هذه الشركات الحكومية، ولكن وزارة الصحة تتباطأ في تسديد مديونياتها لهذه الشركات، وهو ما يؤثر على الشركات.


السبب الرابع يتعلق بالأوضاع الداخلية للشركات، لأن بها عمالة زائدة، والكفاءة الإنتاجية ضعيفة، وخطوط الإنتاج قديمة ولم يتم تجديدها، والإدارة ليست خلاقة، فضلا عن تراجع دخول تلك الشركات من التصدير، موضحة أن ما تحققه هذه الشركات لا يتناسب تماما مع الاستثمارات فيها وهناك طاقات مهدرة ، فالدولة أهملت هذه الشركات ووضعت عليها أعباءً أكثر من طاقتها، ولا تريد الحكومة الاعتراف بأخطائها حتى يمكن حل هذه المشكلات.


وطالبت الدكتورة يمن الحماقى بتوفير حلول عاجلة لشركات الأدوية الحكومية وإنشاء مصنع لإنتاج المواد الخام في مصر لتقليل التكلفة وزيادة القاعدة الصناعية للدواء، وفي نفس الوقت سداد مستحقات الشركات لدى وزارة الصحة وإعادة النظر في سياسة التسعير، حتى لا تزيد خسارة هذه الشركات، وأيضا على الشركات أن تنتج أصنافا جديدة، فهناك أصناف سقطت ملكيتها الفكرية ومن حق أى شركة إنتاجها، فضلا عن ضرورة بحث الشركات عن أصناف جديدة سعرها غالي تنتجها لتعويض قلة العائد عن الأصناف الرخيصة التى تنتجها تلك الشركات، مطالبة وزارة الصحة بإعطاء شركات قطاع الأعمال الموافقة لتصنيع أدوية بأسماء مختلفة لتصديرها للدول العربية والإفريقية».


وأضافت يمن الحماقى: «يجب توفير دولار جمركى لشركات قطاع الأعمال فقط لشراء المادة الخام اللازمة لتصنيع الأدوية ودعمها لمنح شركات قطاع الأعمال ميزة تنافسية فى سوق الدواء وتوفير الدواء للمريض المصرى بأسعار معقولة»، مشيرة إلى أن دعم الحكومة لهذه الشركات يكون مؤقتا لحين عودتها للإنتاج مرة أخرى ووقف نزيف خسائرها.


وأشارت الحماقى إلى أنه تم عقد لقاءات مع وزير قطاع الأعمال العام الدكتور أشرف الشرقاوى، وطالبناه باتخاذ إجراءات لإنقاذ هذه الشركات واستغلال الطاقات المعطلة في هذه الشركات والدخول في شراكة مع القطاع الخاص لتحسين الأداء في الشركات الحكومية لكن لم يتم شىء، والشركات ما زالت تعانى بسبب قصور الإدارة الحكومية في هذا الملف، ولابد أن يتحرك وزير قطاع الأعمال بشكل أسرع لتطوير الأداء وعلاج مشاكل تلك الشركات، لأن هذه المشكلات قائمة منذ أكثر من ١٥ عاما والحلول مطروحة، ولكن لا توجد إرادة لتنفيذ تلك الحلول.


فيما أكد الدكتور مجدى مرشد، عضو لجنة الصحة بالبرلمان، أن شركات قطاع الأعمال المختصة بإنتاج الدواء، تتعرض لخسائر كبيرة بسبب ضعف هامش الربح المحدد لكل صنف دوائى، مشدداً على أن ضعف أسعار منتجاتها سلبها القدرة على الاستمرارية، مضيفا أن الحكومة على السنوات المتتابعة أدت لزيادة خسائر شركات قطاع الأعمال، مما جعلها تفقد قدرتها على الإنتاج خلال السنوات الأخيرة.


وأضاف مرشد: «شركات قطاع الأعمال لها مشكلات كبيرة من إدارة وافتقادها لوسائل تكنولوجية حديثة فى صناعة الدواء، والتسعيرة المتعسفة التى تم وضعها لشركات قطاع الأعمال لا يمكن أن تنتج وتحقق أرباحا بسببها، موضحا أنه منذ عام ١٩٩٥ لم تتم زيادة أسعار الأدوية التى تنتجها شركات قطاع الأعمال، سوى الزيادة ٢٠٪ لكل الأدوية تحت ٣٠ جنيها، والتى أقرتها وزارة الصحة مايو الماضى، فكانت الشركات تنتج أدوية بـ٧٥ قرشا، وأدوية سعرها جنيهان، وهو غير منطقى فى ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج من خامات وتغليف وغيره».


وتابع مرشد: «شركات قطاع الأعمال محتاجة إعادة تقييم حتى لا نهدر هذه الصناعة، والحل الجذرى هو الهيئة العليا للدواء لإيجاد حلول لكل مشكلات الأدوية، ووضع معايير للجودة، وإعادة تسعير الأدوية كل ثلاثة أعوام، وهو دور مهم للهيئة العليا للدواء بعيداً عن وزارة الصحة».


وقال الدكتور علي عبدالله، مدير المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء، إن خسائر شركات قطاع الأعمال بسبب عدم مواكبة التكنولوجيا الحديثة فى إنتاج الدواء، ومديونيتهم الضخمة، وتثبيت أسعار منتجاتهم، مشيراً إلى أن ٨٠٪ من الدواء المنتج لهذه الشركات يقل سعره عن ١٥ جنيها.


وأضاف علي عبدالله أن شركات الأدوية الحكومية بدأت تشهد تراجعا فى الأداء وزيادة مديونياتها منذ عام ١٩٩٨، متهماً الحكومة بإهمال الشركات، قائلاً: «الحكومة فى عهد مبارك تعمدت تجاهلها وتعمدت زيادة خسائرها حتى تستطيع بيعها.


وتابع: «هذه الشركات كانت سابقاً تنتج ما يقارب من ٨٠٪ من احتياجات سوق الدواء المصرى قبل عام ١٩٩٨، وبدأت فى التراجع إلى أن وصلت نسبة إنتاجها لـ٧٪ فقط السنوات الأخيرة».


وشدد عبد الله على ضرورة إنقاذ هذه الشركات لأنها تقدم خدمة كبيرة للمواطن والمريض المصرى، وأنها تمثل حالة من التوازن فى سوق الدواء المصرى، لعدم ترك صناعة الدواء فى يد القطاع الخاص بصورة كاملة، مشدداً على أهمية البعد الاجتماعى الذى تمثله هذه الشركات فى صناعة الدواء حيث يعمل بها نحو ٢٥ ألف عامل، فيجب تقوية هذه الشركات، وضخ استثمارات بها وتطوير تكنولوجيا تصنيع الدواء لتقف على قدميها من جديد، وتواجه احتكار شركات القطاع الخاص التى تهدف فقط لتحقيق أرباح دون النظر لمصلحة المريض المصرى».


يذكر أن شركات قطاع الأعمال العاملة بالحقل الدوائى هى ١١ شركة، وهى النيل وممفيس والقاهرة والعربية والإسكندرية، وشركة تنمية الصناعات الكيماوية «سيد»، والنصر للكيماويات الدوائية، والجمهورية، والعبوات الدوائية، والشركة المصرية لتجارة الأدوية، ومصر للمستحضرات الطبية.


الدكتورة منى عبدالرؤوف العضو المنتدب للشركة العربية للأدوية قالت إن شركات الأدوية الحكومية تنتج ما هو مطلوب منها لوزارة الصحة وللمريض المصري، وأن الشركات تحافظ على دورها، مشيرة إلى أن المشكلة هى في التوسع في منح الشركات الاستثمارية والأجنبية تراخيص، وهو ما أدى لزيادة عدد هذه الشركات.


وحول عدم تحديث خطوط الإنتاج في شركات قطاع الأعمال، أوضحت الدكتورة منى عبدالرؤوف أن هناك العديد من خطوط الإنتاج بشركات الأدوية الحكومية تم تحديثها، وأن الشركات تتبع كل قواعد التصنيع الجيد، لكن المشكلة الرئيسية تتمثل في ارتفاع تكلفة الإنتاج، وفي المقابل هناك انخفاض في أسعار الأدوية نتيجة لسياسة التسعير التى تنتهجها الدولة، وأن ٨٠٪ من الأدوية التى تنتجها الشركات الحكومية سعرها أقل من ١٥ جنيها بالتالى فنسبة الخسارة أعلى، ولابد أن تقوم الدولة بدعم الشركات بتخفيض سعر الدولار اللازم لاستيراد المادة الخام أو دعم سعر المادة الخام، أو تقوم الحكومة هى باستيراد المادة الخام، فضلا عن ضرورة إلغاء ضريبة القيمة المضافة على أدوات الإنتاج وليس فقط على المادة الخام حتى تستطيع الشركات الاستمرار، فنحن شركات إنتاجية ولها بعد اجتماعى، وعلى الرغم من أننا نخسر بسبب إنتاج بعض الأصناف لأن تكلفتها أعلى من سعرها إلا أننا ننتجها حتى تصل للمريض المصري ولابد من دعم الشركات، فالدواء قضية أمن قومى، لكن للأسف هناك تخبط من الحكومة وأوضاع اقتصادية غير سليمة.


وبالنسبة لاتهام الشركات الحكومية بعدم تسجيل أدوية جديدة لإنتاجها والاكتفاء بالأصناف التى تنتجها، أشارت د. منى عبدالرؤوف إلى أن شركات قطاع الأعمال العام تقوم سنويا بتسجيل ١٢ مستحضراً لكن المشكلة في إجراءات التسجيل العقيمة التى تستغرق وقتا طويلا .


وشددت الدكتورة منى عبدالرؤوف على أن استمرار الأوضاع الحالية بارتفاع سعر الدولار وعدم قيام الحكومة بدعم الشركات سوف يؤدى الى مزيد من الخسائر للشركات في العام المالى الحالى ويهدد بانهيارها.


يذكر أن شركات الأدوية التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام حققت تراجعا في نتائج أعمالها عن العام المالى المنتهى في ٣٠ يونيه ٢٠١٦ ووصلت إلى ١٦٧ مليون جنيه مقابل ١٨٨ مليون جنيه عن العام السابق، وبلغ إجمالى إيرادات النشاط حوالي ١٠.٨ مليار جنيه، مقابل ٩.٨ مليار جنيه العام الماضي.


وأرجع وزير قطاع الأعمال العام هذا التراجع في إيرادات النشاط وأرباح شركات الأدوية التابعة للوزارة بسبب ارتفاع سعر الدولار وتأثير ذلك على أسعار المواد الخام، واكتفى الوزير بعقد اجتماع مع رؤساء الشركات الـ١١ورئيس الشركة القابضة الدكتور عادل عبدالحليم، وطالبهم بدراسة تأثير تعويم الجنيه على تكلفة الخامات والمستلزمات والطاقة وسبل استيعاب ذلك!