الجيش المصرى عبر تاريخه.. مؤسسة للدفاع عن الوطن وحمايته ضد عدو خارجى أو داخلى

30/11/2016 - 1:49:05

  الرئيس السيسى القائد الأعلى للقوات المسلحة.. مع ضباط الجيش وجنوده على خط النار الرئيس السيسى القائد الأعلى للقوات المسلحة.. مع ضباط الجيش وجنوده على خط النار

بقلم: د. عاصم الدسوقى

بعد قيام الملك مينا بتوحيد مصر قادما من أخميم (سوهاج) وارتدائه تاجا على رأسه يمثل الوجهين البحرى والقبلى (الدلتا والصعيد)، أصبحت مصر دولة مركزية لها جيش يحميها ابتداء من عام ٣٢٠٠ ق.م، وتمكن هذا الجيش من حماية وادى النيل بل والتوسع قدر الاستطاعة شمالا حتى أعالى الفرات (شمال بلاد سوريا)، وجنوبا حتى الشلال السادس على نهر النيل فى زمن لم يعرف حدودا دولية أو قانونا دوليا يرسم الحدود هنا وهناك. واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن تمكن الإسكندر الأكبر المقدونى قادما من بلاد اليونان من غزو مصر فى عام ٣٣٢ ق.م. ومع ذلك الغزو انتهت سيادة المصريين على بلادهم وتم تسريح الجيش المصرى وحل محله عساكر الغزاة من مقدونيا بقيادة بطليموس الأول أحد قادة جيش الإسكندر الذى أوكل إليه أمر حكم مصر.


ومنذ ذلك التاريخ انصرف المصريون عن شئون العسكرية وأصبح الأمر بيد الغزاة الذين أخذوا يتوافدون على مصر من كل صوب وحدب ابتداء من الإسكندر الأكبر المقدونى وانتهاء بالعثمانيين (١٥١٧) وكان كل حاكم من أولئك الغزاة أو الفاتحين منذ حكم الرومان يرسل أحد الرجال من لدنه ليتولى حكم مصر لفترة محددة ويتم تغييره بآخر حتى لا يطمع أحد فى السلطة. ولكل حاكم عساكره الوافدين معه والذين يطمئن إليهم فيما كان يعرف باسم (الحامية العسكرية).


***


فلما أصبح محمد على باشا واليا على مصر (١٨٠٥-١٨٤٩) وداخلته نزعة الاستقلال بهذه الولاية عن السلطان العثمانى فكر فى بناء جيش نظامى حديث. وعلى هذا بدأ يلتقط نفرا من شباب المصريين لتكوين الجيش النظامى الجديد وعهد بتدريبهم على الجندية إلى الكولونيل سيف Seves أحد ضباط الجيش الفرنسي. وحتى لا يلفت نظر المصريين إلى ما يفعله بأبنائهم جعل تدريبهم يتم فى أسوان حيث تم تأسيس «مدرسة أسوان الحربية» فى أغسطس ١٨٢١ بعيدا عن المناطق المأهولة بالسكان قرب الصحارى. وخشية أن يحتج المصريون على تدريب أبنائهم على يد رجل فرنسى مسيحى الديانة خاصة وأن المجندين كانوا من المسلمين، لأن الجزية كانت ما تزال مفروضة على أهل الذمة، فقد طلب محمد على من الكولونيل سيف أن يعتنق الإسلام تجنبا لاحتجاج المسلمين المصريين، فلم يمانع الرجل وأخذ اسم سليمان باشا الفرنساوي.


وعلى هذا وخلال المدة من ١٨٢٠-١٨٢٤ انصرف سليمان باشا إلى تكوين الجيش من مختلف الأسلحة وفى مقدمتها: البيادة (المشاة)، والفرسان (الخيالة)، والطوبجية (المدفعية)، والأشغال العسكرية (المهندسين)، والبحرية، بل وإنشاء فرقة موسيقى الجيش لعزف الموسيقى اللازمة مثلما ما هو موجود فى الجيش الفرنسي. واهتم محمد على بإيفاد بعثات خاصة لإعداد الضباط البحريين، وإنشاء مصانع للأسلحة والذخيرة، وأقام القلاع والاستحكامات فى المقطم والإسكندرية ورشيد ودمياط فضلا عن إصلاح قلعة صلاح الدين القديمة. وليس من المبالغة القول إن الجيش كان محور سياسات محمد على الإصلاحية وتحديث الدولة فمثلا كان إنشاء مدرسة الطب يرجع فى الأصل إلى ضرورة إعداد أطباء للجيش، وكذلك كان إنشاء المهندسخانة بهدف إعداد خبراء فى الصناعات العسكرية.


وفى هذا المنعطف من تكوين الجيش المصرى الحديث كانت الثورة فى بلاد اليونان قد اندلعت ضد الحكم العثمانى (١٨٢١) طلبا للاستقلال واستمرت بين شد وجذب بسبب ضعف الجيش العثمانى (الانكشارية) أمام الثوار بحيث كادت تنجح الثورة. وهنا طلب السلطان من محمد على باشا إخماد الثورة بعد أربع سنوات من اندلاعها فتحركت وحدات من الجيش المصرى (١٨٢٥) بقيادة إبراهيم باشا تتكون من ٧٣ سفينة حربية و ٧٠ مركبا شراعيا على متنها ١٨ ألف محارب وتم إخماد الثورة. وفى هذا الخصوص منح السلطان العثمانى لمحمد على حكم جزيرة كريت مكافأة له، فما كان من محمد على إلا أن تطلع إلى ربط كريت بمصر فى دائرة الأمن القومى ومن ثم كان ذهابه إلى بلاد الشام بالجيش المصرى بقيادة ابنه إبراهيم فى عام ١٨٣١ لضمها إلى ولايته فى مصر ونجح فى هذا. لكن السلطان العثمانى خشى من طموحات محمد على فتحرك لإيقاف زحف إبراهيم باشا واصطدم الجيش المصرى بالجيش العثمانى (١٨٣٣) فى معركة قونية الشهيرة وأصبح الطريق مفتوحا أمامه لدخول اسطانبول. وهنا تدخلت القوى الأوربية لإيقاف محمد علي.


المهم أن الكولونيل سيف أبدى إعجابه بالجيش المصرى بعد انتصاره على الجيش العثمانى فى قونية وقال: «إن المصريين هم خير من رأيتهم من الجنود فهم يجمعون بين النشاط والقناعة والجلد على المتاعب مع انشراح النفس وتوطينها على احتمال صنوف الحرمان، وهم بكسرة خبز يسيرون طول النهار يحدوهم الشدو والغناء. ولقد رأيتهم فى معركة قونية يبقون سبع ساعات متوالية فى خط النار محتفظين بشجاعة ورباطة جأش تدعوان إلى الإعجاب دون أن تختل صفوفهم أو يسرى إليهم الملل أو يبدو منهم تقصير فى واجباتهم وحركاتهم».


***


وبهذا التكوين نشأ الجيش المصرى ليقوم بمهمة تنمية البلاد والدفاع عنها وحماية دائرة أمنها القومى طبقا لمتطلبات الجغرافية السياسية لأن فى ذلك حماية للوطن نفسه. وكان هذا ما فعله محمد على طوال فترة حكمه فأصبح قوة إقليمية هددت التوازن الدولى الذى أقامته القوى الأوروبية الكبرى بمقتضى مؤتمر فيينا ١٨١٥ بعد أن انتصرت على نابليون بونابرت وقضت على الثورة الفرنسية، فكانت النتيجة تحجيم قوة محمد على العسكرية بقرار من تلك القوى فى لندن يوليو عام ١٨٤٠ بألا يزيد الجيش المصرى على ثمانية عشر ألف جندى بعد أن كان عدده قد وصل إلى أكثر من ٢٥٠ ألف فرد، وألا يقوم ببناء سفن حربية إلا بموافقة السلطان العثماني.


ولم يكن أمام محمد على إلا الاستسلام ومن ثم أخذ الجيش يتدهور تدريجيا بحيث بلغ عدد أفراده ١٢ ألف عسكرى فقط فى عهد محمد سعيد باشا (١٨٥٤-١٨٦٣)، رغم أن سعيد أنشأ «مدرسة الضباط» ليدخلها المصريون (الكلية الحربية فيما بعد)، وكانت قيادات الجيش من غير المصريين حتى ذلك الوقت. فلما تولى إسماعيل ولاية مصر (يناير ١٨٦٣) سعى لاستعادة قوة الجيش مرة أخرى فأخذ يعمل على زيادة أفراده من وراء ظهر السلطان العثمانى بحيث بلغ ٣٠ ألف فرد، وسعى لتدريبه أمريكيا بعيدا عن أنظار الإنجليز والفرنسيين الذين كانوا يراقبون ما يحدث فى مصر، فاستقدم عددا من الضباط الأمريكان الذين تركوا الخدمة فى الجيش الأمريكى بعد انتهاء الحرب الأهلية هناك (١٨٦١-١٨٦٥). وتمكن من توسيع دائرة أمن مصر بضم أراضى غرب السودان وجنوبه وشرقه حتى وصل إلى الصومال فتحالفت عليه فرنسا وإنجلترا (صيف ١٨٧٥) وأثاروا ضده مشكلة تسديد الديون فكان التدخل الأجنبى فى شئون البلاد الداخلية وانهيار السيادة الوطنية.


وآنذاك كان المصريون الذين التحقوا بمدرسة الضباط قد أصبحوا ضباطا يتولون قيادات فرق عسكرية وكان أبرزهم الأميرلاى أحمد عرابي، بدأوا يشعرون بالقلق على مصيرهم فى الحياة العسكرية فى ظل خضوعهم لقيادات غير مصرية من الشراكسة والأتراك، فضلا عن انشغالهم بسوء الأوضاع التى يعيش فيها عامة المصريين بسبب التدخل الأجنبي. وفى الوقت نفسه كان أعضاء مجلس شورى النواب بزعامة محمد شريف باشا قد كونوا «جمعية وطنية» فى حلوان لتدارس مشكلات الأمة وخاصة تحويل مجلس شورى النواب إلى مجلس نواب له سلطة تشريعية وهى الرغبة التى لم تتحقق بسبب عزل الخديو إسماعيل، وذلك لمواجهة مشكلة الديون والتدخل الأجنبي، والتقت هذه الجبهة المدنية مع جبهة العسكريين وأوكلت مهمة عرض مطالب الأمة على الخديو (توفيق) للجبهة العسكرية بقيادة أحمد عرابي. وكانت تلك بداية ثقة المدنيين فى القوة العسكرية فى التصدى لمشكلات الأمة، ومن ثم كانت الثورة بقيادة الأميرلاى أحمد عرابى على نحو ما معروف.


***


ولما احتلت إنجلترا مصر (١٤ سبتمبر ١٨٨٢) أقدمت على حل الجيش المصرى وإعادة بنائه من جديد وفق معايير التبعية وتجريده من مصادر القوة ومظاهر الوطنية وأخضعته للمراقبة منعا لظهور عرابى آخر. وفى هذا السياق تم تحديد طبيعة أسلحة الجيش بحيث تكون دفاعية أكثر منها هجومية، وتم قصر الالتحاق بالكليات العسكرية على أبناء الطبقة العليا الذين يجدون مصالحهم مع مصلحة الحكم القائم والمدعمم من سلطة الاحتلال التى تدخلت فى تدريب الجيش.


لكن دوام الحال من المحال، فقد حدث ما ساعد على إعادة تقوية الجيش المصرى مرة أخرى رغم اختلاف الدوافع والأغراض. فعندما دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى مع النمسا وألمانيا ضد إنجلترا وحلفائها أعلنت إنجلترا الحماية على مصر (١٨ ديسمبر ١٩١٤) وأرسل المندوب السامى البريطانى خطابا باسم الحكومة البريطانية إلى السلطان حسين كامل يخبره أن زوال السيادة العثمانية يزيل القيد الذى كان يحدد عدد الجيش المصرى بثمانية عشر ألف جندي. وكان غرض بريطانيا أن تستخدم الجيش المصرى فى الحرب الدائرة فى أوربا عن طريق زيادة عدد القوات العسكرية.


و»رب ضارة نافعة»، فعلى مدى سنوات الحرب شهد الجيش تطورا ملموسا فى الحجم والتسليح بما يسمح بتأمين الجبهة الداخلية والدفاع عن البلاد ضد الغزو الخارجى إذا دعت الضرورة. واشترك الجيش المصرى فى معارك القتال إلى جانب القوات البريطانية على ثلاث جبهات: الجبهة الشرقية ضد القوات التركية، والغربية ضد قوات السنوسى الليبية، والجنوبية فى السودان ضد قوات السلطان على بن دينار، بل لقد أمد إنجلترا بفرقة من العمال المصريين، وفرقة من «الجمالة» أى راكبى الجمال، ساعدت فى تغطية احتياجات المقاتلين فى عدة جبهات فى ميادين قتال خارج مصر.


***


ولما اندلعت الحركة الوطنية مطالبة بالجلاء ابتداء من مصطفى كامل فى ١٨٩٥ ثم محمد فريد ثم سعد زغلول وسائر الأحزاب السياسية وانفجار الثورة الشعبية فى ٩ مارس ١٩١٩، لم يتحقق شىء لأن هذه الثورة لم تستند إلى قوة عسكرية بل إلى مبادئ حقوق الإنسان فى الحرية والتحرر، وكان من السهل استقطاب نفر من قيادات الثورة إلى صف سلطة الاحتلال (عدلى يكن باشا) فانتهى الأمر بإعلان مصر مملكة مستقلة ذات سيادة (٢٨ فبراير ١٩٢٢). واعتقد العامة أن مصر أصبحت مستقلة حتى أدركوا فيما بعد أن ذلك الاستقلال كان عن الدولة العثمانية وليس عن الإنجليز بدليل أن المندوب السامى البريطانى ممثل الحماية البريطانية لم يصبح سفيرا، ولم تكن لمصر سفارة فى لندن، فضلا عن وجود مسائل معلقة (الأربع تحفظات) يتم التفاوض بشأنها لتحقيق الاستقلال التام، فى مقدمتها حق بريطانيا فى الدفاع عن قناة السويس إلى أن يصبح الجيش المصرى فى قوة تمكنه من مهمة الدفاع. على أن هذا التحفظ ما جاء إلا لأن بريطانيا كانت تعلم حقيقة قوة الجيش المصرى من خبرة سنوات الحرب العالمية الأولى ولا تريده أن يكون جيشا وطنيا فى مرحلة «الاستقلال الشكلي».


لكن هيهات أن تنتزع الروح الوطنية من أبناء الجيش المصرى فقد أثبتت الأحداث التالية صدق عزيمة الجنود وإخلاصهم للوطن. ففى أعقاب اغتيال سردار الجيش المصرى فى السودان (الجنرال لى ستاك Lee Stake) فى ١٩ نوفمبر ١٩٢٤ قررت بريطانيا سحب الجيش المصرى من السودان حتى تنفرد بحكمه خلافا لاتفاقية الحكم الثنائى المصري-الإنجليزى (يناير ١٨٩٩). لكن القائمقام أحمد بك رفعت القائد العام للوحدات المصرية رفض الانسحاب بأمر بريطانى وقال «إنه لا يمكن أن ينفذ أمر الانسحاب لما رآه من نفسية عساكر الطوبجية وخير لى أن تحاكمونى بمجلس عسكرى أو تكبلونى بالحديد من أن أنفذ هذا الأمر وأكون عنه مسئولا». وكذلك رفض ضباط بطاريات المدفعية الثلاث وقالوا: «خير لنا أن ندافع حتى نموت ولا نترك السودان إلا بأمر من مليكنا وحكومتنا».


وفى أعقاب سحب الجيش المصرى من السودان أبدى الملك فؤاد فى مطلع عام ١٩٢٥ رغبته فى زيادة عدد أفراد الجيش وتسليحه بالمدفعية الآلية (الرشاشات) وكانت آنذاك تعد ثورة فى التسليح، وأخذ عدد القوات فى ازدياد، فأوصى المندوب السامى البريطانى حكومته بإيقاف أى زيادة فعالة فى حجم وتسليح الجيش المصرى خشية أن يؤثر على المصالح البريطانية.


ولقد ظل هدف تقوية الجيش المصرى يقابل بمعارضة شديدة ومناورات مختلفة من جانب الإدارة البريطانية حتى لا يضيع منها حق الدفاع عن قناة السويس طبقا للتحفظات المصاحبة لتصريح فبراير ١٩٢٢. وأكثر من هذا أنه بمقتضى معاهدة ١٩٣٦ جاءت بعثة عسكرية بريطانية تحت عنوان تدريب الجيش وتسليحه وكان الغرض الحقيقى الحيلولة دون تقوية الجيش ليظل تابعا للسياسة البريطانية ومصالحها لا أن يكون جيشا وطنيا، وحتى لا يستخدم بمعرفة نظام الحكم لإجلاء بريطانيا عن مصر. وأكثر من هذا أن الضابط المصرى أصبح عليه تعظيم الضابط الإنجليزى مما كان يجرح كبرياء الضباط المصريين من أبناء الطبقة الوسطى الذين التحقوا بالكلية الحربية فى إطار معاهدة ١٩٣٦.


ومع ذلك تمكنت الحكومة المصرية من تقوية الجيش وتطويره بمختلف الطرق والوسائل لعل أبرز مظاهره فيما يتعلق بوطنية الجيش تمصير إدارته حين حل اللواء محمود شكرى محل المفتش العام البريطانى للجيش المصري، والتوسع فى إنشاء الإدارات اللازمة لتصريف الأمور، واستحداث مناطق عسكرية جديدة فى البلاد، وتطوير القوات الجوية، وتكوين المجلس الأعلى للدفاع، والتفكير بشكل جاد فى التصنيع الحربي، والعمل على تنمية ثقافة العسكريين بإنشاء «مجلة الجيش والبحرية» وكانت قد أنشئت فى عام ١٩٢٧ لكن توقفت عن الصدور بعد أشهر قليلة ثم أعيد إصدارها فى ١٩٣٨ باسم «مجلة الجيش»، وتتابعت المجلات العسكرية فى الصدور فيما بعد، وأصبح الجيش المصرى «المتجدد» يلفت نظر المراقبين الخارجيين حتى لقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فى الأسبوع الأول من أبريل ١٩٣٩ تقول «إن مصر أصبح لديها ثلاثون ألف جندى وفرقة من الدبابات مجهزة أحسن تجهيز ووحدات ميكانيكية وقوة جوية وأن هذه القوات تزيد شهرا بعد شهر».


ثم ساعدت ظروف اندلاع الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥) على تقوية الجيش المصرى أكثر وأكثر حيث تولى مهام الدفاع ركان الحرب فى كمعن قناة السويس ضد الغارات الجوية والدفاع الجوى عن المطارات وعن المدن الكبرى، والدفاع الساحلى فى جميع المواني، وحراسة المرافق العامة ومحركات القوى، وإعداد المراقبة الجوية للإبلاغ عن اتجاهات الطائرات المعادية، ووضع وحدات البالون (المناطيد) فى الموانى لمنع اختراق الطيران المعادى لمجال الميناء، وإعداد غرفة العمليات الحربية فى القاهرة والإسكندرية، وإعداد نظم الدفاع الجوى عن المدن والموانى والأهداف الحيوية وسلسلة القناطر المقامة على نهر النيل (خزان أسوان وقناطر إسنا وأسيوط). وتولت إدارة الأمن العام بالتعاون مع المخابرات الحربية والبوليس السياسى والقسم المخصوص تطهير البلاد من أعوان دول المحور (ألمانيا وإيطاليا) وأفراد الطابور الخامس وخاصة من الأجانب المتمتعين بالامتيازات وحماية المحاكم المختلطة.


***


وعندما أعلنت بريطانيا أنها سوف تنهى انتدابها على فلسطين وتنسحب منها ليلة ١٥ مايو ١٩٤٨ واستعدت الجيوش العربية لتسليم فلسطين لأهلها العرب، كان الجيش المصرى فى مقدمة صفوف المقاتلين دفاعا عن حدود الوطن وأصبح على مسافة ٢٩ كيلومترا جنوب تل أبيب لولا أن مجلس الأمن الدولى أعلن الهدنة (أكتوبر ١٩٤٨). ومن واقع ظروف حرب فلسطين تم تكوين تنظيم الضباط الأحرار داخل الجيش المصرى الذين قاموا بالثورة ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ثأرا لكرامة المصريين وقاموا بما عجزت عنه كل القوى السياسية منذ بدأت الحركة الوطنية تطالب بالاستقلال فى تسعينيات القرن التاسع عشر. ولكن وبدلا من أن تقف تلك القوى السياسية إلى جانب الجيش الذى نجح فيما فشلوا فيه ويشدوا على أيدى الضباط الأحرار، وجدناهم يطالبون الضباط بالعودة إلى الثكنات وتسليم السلطة للأحزاب والابتعاد عن السياسة. ولم يأبه الضباط لهذه المطالب بل لقد بادروا بإلغاء الأحزاب (١٦ يناير ١٩٥٣) وتشكيل هيئة التحرير كتنظيم سياسى يضم جميع أفراد الشعب المصرى من أجل خوض معركة التحرير. وعلى الفور تم إجبار سلطة الاحتلال البريطانى على التفاوض. وفى هذه المرة نجح المفاوض المصرى فى إجبار الإنجليز على الجلاء لا لشيء إلا أن المفاوض المصرى (الجيش) كان يستند إلى القوة ويهدد باستخدامها. وأصبح مصير الوطن فى يده، واتسعت آفاق مهماته لتشمل المساهمة فى تحرير أوطان العروبة طبقا لما تمليه شروط الجغرافية السياسية، ولم يكن فى ذلك تبديدا لأموال أو تضحية بشهداء لأن التفكير الاستراتيجى يتطلب هذا .. ولنتذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية تدفع بجيوشها فى كل بلاد العالم خارج حدودها من أجل تأمين وطن الأمريكيين فى المستقبل ولم يجرؤ أحد على انتقاد أمريكا فى هذا الخصوص.


وعندما وقع العدوان الثلاثى فى ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ دافع الجيش عن الوطن تسنده المقاومة الشعبية وقال عبد الناصر: لقد فرض علينا القتال ولكن لن نستسلم أبدا. ثم ما لبث أن وقع عدوان يونيه ١٩٦٧ ولم يستسلم عبد الناصر لشروط العدو وبدأت حرب الاستنزاف التى كشفت عن حقيقة الروح الوطنية عند المقاتل المصرى للدفاع عن الأرض، وهى الحرب التى أنهكت إسرائيل حتى جاءت مبادرة روجرز فى يوليو ١٩٧٠ بإيقاف القتال لمدة ثلاثة أشهر لكى تلتقط إسرائيل أنفاسها، وفى هذا قال عيزرا وايزمان إن حرب الاستنزاف هى الحرب الوحيدة التى لم تكسبها إسرائيل. واستكمل الجيش مهمته الوطنية فى حرب السادس من أكتوبر ١٩٧٣ لتطهير الأرض وحقق بطولات منقطعة النظير بشهادة خبراء العسكرية العالميين.


***


على كل حال .. بعد أن استقرت السلطة فى يد الضباط صباح ٢٣ يوليو ١٩٥٢، اهتم قادة الثورة بالجيش وتنمية قوته الحربية لحماية استقلال البلاد من مؤامرات قوى التدخل الخارجي. وفى هذا الخصوص دخل جمال عبد الناصر معركة التسليح التى توجت بصفقة الأسلحة التشيكية (سبتمبر ١٩٥٥)، وإنشاء سلسلة المصانع الحربية حتى تغنى البلاد عن استيراد السلاح، وإنشاء أكاديمية عسكرية عليا (أكاديمية ناصر ١٩٦٥) لتثقيف العسكريين حربيا وفكريا. ومن يطلع على البرامج الدراسية فى مختلف كليات هذه الأكاديمية يتأكد أن أبناء الجيش المصرى يتم إعدادهم ليس فقط للحرب والقتال ولكن أيضا للسياسة والإدارة والحكم. ولم لا وأبناء الجيش هم أبناء أفراد الشعب من مختلف القوى الاجتماعية. ولتأكيد هذه المقولة وجدنا أن جمال عبد الناصر عند تأسيس الاتحاد الاشتراكى كتحالف لقوى الشعب العامل الخمس (١٩٦٢) وضع «الجنود» كأحد هذه القوى مع الفلاحين والعمال والمثقفون والرأسمالية الوطنية، حتى يؤكد أنه لا فرق بين الجيش وبين سائر طبقات الشعب وقواه. وأصبح الجيش والحال كذلك رقيبا على رجل السياسة ويتدخل إذا ما انحرف السياسى عن مصالح الشعب.


***


وعندما قامت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وبدا أن سلطة الحكم واقعة فى يد الإخوان المسلمين الذين تربصوا بالثورة ابتداء من يوم ٢٨ يناير وتخلى مبارك عن الحكم، صدر الإعلان الدستورى فى ٣٠ مارس (٢٠١١) الذى نص فى المادة (٥٦) على أن «يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد». وفى أثناء معركة الإعادة لانتخاب رئيس الجمهورية بين أحمد شفيق ومحمد مرسى (يونيه ٢٠١٢) أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلانا دستوريا مكملا فى ساعة متأخرة من مساء ١٧ يونيه بتأكيد صلاحيات القوات المسلحة فى إدارة شئون البلاد، والتأكيد على أن رئيس الجمهورية يعلن الحرب بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة تحسبا لفوز محمد مرسي.


وأغلب الظن أن تلك الصلاحيات التى تم إسنادها للقوات المسلحة بمقتضى الإعلانين الدستوريين قصد بها حماية الوطن من أن يتحول إلى جمعية دينية خاصة وأن الخطاب السياسى لجماعة الإخوان أثناء جولة انتخابات الإعادة كان يدور فى إطار مفهوم الأمة الإسلامية وليس الأمة المصرية وفرق كبير بين المفهومين من حيث تقرير المصير، وهو ما يفسر سرعة الرئيس مرسى بعد فوزه بالرئاسة إلى إلغاء الإعلان الدستورى المكمل لكى يصبح الجيش أداة فى يد الجماعة الإسلامية وليس الجماعة الوطنية.


***


وإذاً .. فالجيش المصرى هو درع الوطن وصدفيته الواقية .. تربى أبناؤه على الدفاع عن وطن وليس الدفاع عن قبيلة أو أسرة أو مذهب .. وشعاره «يد تبنى ويد تحمل السلاح». وهكذا .. عندما وقف أحمد عرابى أمام الخديو توفيق يوم ٩ سبتمبر ١٨٨١ كان يعبر عن مطالب الأمة (عسكريين ومدنيين)، ولم يكن هناك عدو على أبواب مصر يهدد بغزوها. وكان هذا يعنى أن الجيش المصرى مؤسسة وطنية تعلم أبناؤها الدفاع عن الوطن ضد عدو خارجى أو عدو داخلى يتنكر لمطالب الأمة ومشكلاتها، وليست مهمته البقاء فى الثكنات وعدم الخروج منها إلا فى حالة الحرب كما يردد بعض الواهمين منذ الثالث من يوليو ٢٠١٣ احتجاجا على تصدى الجيش بقيادة وزير الدفاع عبدالفتاح السيسى لحكم الإخوان المسلمين وعزله «الرئيس» محمد مرسى وإنهاء حكم الإخوان المسلمين استجابة لثورة الجماهير فى ٣٠ يونيه (٢٠١٣)، ولولا ذلك الموقف لوقعت البلاد فى فتنة عظمى وفتحت الأبواب لتدخل القوى الخارجية.


ومع كل هذا التطور فى الجيش المصرى وتكوينه ونجاحه فى قيادة البلاد وتحقيق ما عجز عنه «المدنيون» من رجال الأحزاب والتجمعات السياسية، لا زال هناك من ينكر على قيادات الجيش المصرى المشاركة فى حكم البلاد وفى العمل السياسى بدعوى أن العسكريين مكانهم فى الثكنات العسكرية، وأنهم أداة للقتال والحرب بتوجيه من السياسيين المدنيين الحكام. وهذا رأى لا أساس له إلا فى ذهن هؤلاء الذين يعارضون وجود الجيش فى الحكم والسياسة بدرجة أو بأخرى، وينسون فى هذا الخصوص تجارب الشعوب الأخرى: ألم يكن ونستون تشرشل أعظم رؤساء الحكومات عالميا رجلا عسكريا فى الأساس ومع ذلك لم يقل أحد عنه إنه عسكري. وألم يكن الرئيس الأمريكى آيزنهاور قائدا عسكريا لقوات الحلفاء فى الجبهة الأوربية خلال الحرب العالمية الثانية ونجح فى الانتخابات الرئاسية وأصبح رئيسا للجمهورية (يناير ١٩٥٣)، وكذلك الجنرال شارل ديجول قائد الطيران الفرنسى الذى انقلب على الحكم فى بلاده إنقاذا لها من جحيم ثورة الجزائر وأصبح رئيسا للجمهورية (١٩٥٨) ومؤسسا للجمهورية الخامسة التى ما تزال قائمة حتى اليوم (رئاسة فرنسوا أولاند) ولم يقل أحد عن الرجلين إنهما أقاما حكما عسكريا، وعليهما العودة للثكنات.


أما فى بلدنا مصر فالأمر يختلف وذلك من باب الابتداع حيث نحكم على الناس من موقع وظائفهم وليس من أعمالهم .. ألم يقم عبدالفتاح السيسى وهو وزير الدفاع بدفع ديون السيدات الغارمات المسجونات من ميزانية القوات المسلحة وهو تصرف لم يأت من رئيس الجمهورية محمد مرسى عضو الجماعة الدينية التى تدعو للبر والإحسان، أو من رئيس الحكومة، أو من وزير التضامن الاجتماعى أو وزير المالية مثلا. فلماذا لا نحكم على القيادات من أعمالها وليس من وظائفها المدنية أو العسكرية ..؟؟.