إنّه جـيشُـنا.. !

30/11/2016 - 1:36:14

بقلم - أحمد عز الدين

نعم إنه جيشنا، هذا البنيان الوطنى الراسخ الصلب، لا يملكه أحد سوانا، نحن المصريين، هذا الذى يتربص به النازيون الجدد، وينشرون أسلحة الإكراه فى الفضاء الإقليمى بل والوطني، عبر وسائل إعلامهم اللقيطة، فى وجه عزته وكرامته ومجده، هذا الذى يحرضَون شُذّاذ الآفاق على النيل منه لتحطيم معنوياته وكسر إرادته، وهم يحشون أفواههم بشعارات مستوردة ضد وظيفته ودوره.


هذا جيشنا، جيش الدولة التاريخية المصرية، أقدم جيش، لأقدم شعب، لأول أمة، وأول إمبراطورية فى التاريخ، بل إننا إذا احتسبنا تاريخ الولادة وطبيعة النشأة، لقلنا إنها دولة الجيش، قبل أن يكون جيش الدولة، فقد ولدت الدولة من ضلعه، قبل أن تتنفس هواء التاريخ، وكأنها «منيرا” فى الميثولوجيا القديمة.


وكما هو جيشنا بحكم وشائج الدم والأرض، ونبض الحضارة والتاريخ ومعارك التحرير والفداء، فهو جيشنا بحكم أنه ليس أقل ولا أكثر من كونه صورة طبيعية لنا نحن المصريين فى مرآة الزمن، كما هى فى مرآة الواقع، صورة واقعية لأمة ممثلة فى جسده الحي، دون صناديق انتخاب، حية فيها بخلاياها جميعها، موقّعة فوق خرائط الوطن دون تقسيم، وفوق خرائط الطبقات دون احتكار، وفوق خرائط الثقافة والمعرفة دون تمييز، منتخبة دون تزوير، بديمقراطية العدل فى ضريبة الدم والدفاع عن الوجود والحياة.


إنه لذلك، الصورة الواقعية الحقيقية لوحدة الشعب، ووحدة الأمة، بل قل الصورة الوحيدة الباقية، رغم كل عوامل التعرية والإذابة، التى تجسد هذا الشعب العظيم، موحدا، وفاعلا، ومسلحا بطاقة لا تنفذ، وإرادة لا تلين.


ماذا أريد أن أقول؟ 


أولا: أن الروح المعنوية هى الخبز الحقيقى الذى تقتات به الجيوش، فهى مصدر الطاقة ومكمن القوة، ووقود الثبات والصمود والانتصار، ولم يبالغ “كلاوزفيتز” أستاذ علم الحرب فى المدرسة البروسية، حينما قال: “إن القوة المادية هى قبضة السيف الخشبي، أما القوة المعنوية فهى حد السيف البتار” فالقوة المعنوية أو الروح المعنوية عنده - وهى كذلك - هى وقود الإرادة التى تنتصب كالمسلة فى ميدان فسيح، تتشعب إليه ومنه كل الطرق الرئيسية فى المدينة، ولم يكن إبداع نصب المسلة فى تاريخنا القديم ببعيد عن ذلك المعنى العميق لشموخ الإرادة وانتصابها فى قلب الميدان، نحو قلب السماء، تعبيرا عن القوة المعنوية، التى هى مصدر الإرادة والصمود والبقاء.
إن أعداءنا يدركون ذلك جيدا، ولذلك فإن الضلع الأول الذى تعددت صور استخدامه لإزاحة الجيش إلى قلب هذا المثلث، واحتجازه فى داخله، ظل موصولا بهذا العامل الأساسي، وهو إحداث حالة من شأنها تجريف الروح المعنوية للجيش، تارة بذمّه والتحريض عليه، وتارة بمحاولة تشويه دوره وتاريخه ورموزه، وفى المحصلة النهائية تحويله إلى بنية مكروهة فى حد ذاتها، ولو لم تكن فى تربة الجيش المصرى ينابيع وطنية تاريخية، تروى روحه المعنوية، وانتماءه الوطني، رغم كل المحن والاتهامات والتشكيك، لأدركه العطش القاتل منذ وقت طويل.


ثانيا: أن التاريخ الوطني، وفى إطاره التاريخى العسكرى، ليس سلسلة منفصلة من الأحداث والوقائع والحلقات، ولكنه تيار بلا فواصل، ونهر بلا قواطع، وأرض مفتوحة بلا فجوات، وهذا الإدراك هو أحد معانى الوعى التاريخي، كما أنه أحد تجلّيات الذاكرة العسكرية، وهو فى الوقت نفسه أهم محددات الثقافة الاستراتيجية على المستوى الوطني، لكن واحدا من هذه المحددات ينبثق من ذلك الجسر العميق، الذى يصل بين الروح المعنوية للجيش، وبين وحدة الجبهة الداخلية. 


ولذلك فإن كافة محاولات دفع الداخل الوطنى إلى حالة من الانقسام والشرذمة، وإشاعة صور من الصدام والاحتراب والاضطراب، إنما تستهدف فى المحطة النهائية التأثير على أوضاع الجيش ذاته وسط تهديدات وتحديات ومطامع أجنبية بارزة، تتحين الفرصة للوثوب بالقوة، لقضم الأطراف، وابتلاع الثغور.


ثالثا: إنها المرة الأولى فى التاريخ الوطنى التى يتعرض فيها الوطن لمواجهة مخاطر مستجدة، وتهديدات بازغة، فى سياق تخطيط استراتيجى معادٍ ومكتمل، يطول كافة المحاور الاستراتيجية الرئيسية لبوابات مصر الثلاث، فى توقيت متزامن، سواء أكانت سيناء البوابة الأمامية لمصر، والتى تشكل مدخلها الشرقى المفعم بالأخطار، أو كانت البوابة الجانبية فى الشمال الغربى عبر الحدود بين مصر وليبيا، أو البوابة الجنوبية عبر الحدود المصرية السودانية، وجميع هذه التهديدات هى تهديدات مخططة ومتنامية ومتسارعة، وهى تشكل أبعادا فى استراتيجية واحدة، هدفها تطويق مصر، والإمساك بأطرافها وبناء رءوس جسور مضادة، وشحنها وتجهيزها لإحداث ضغوط مضاعفة على الكيان الوطنى وقواته المسلحة، متزامنا مع دفع القلب إلى مزيد من الاحتقان والانقسام والاحتراب، لخلق حالة تؤهل رءوس الجسور، للتحرك اتساعا وعمقا فوق المسارح الثلاثة، لتقليم واقتطاع أركان مصر وزواياها القائمة، سواء الركن الشمالى الشرقى فى سيناء، (على الأقل خط رفح - إيلات - شرم الشيخ)، وفى الركن الشمالى الغربى (السلوم - مطروح) وفى الركن الجنوبى الشرقى (علبة - حلايب) مع العلم بأنه لا يمكن فصل مناطق البحر الحمر ومنابع النيل، وإفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب البحر الأبيض، والتعامل مع كل منها على أنها كتلة استراتيجية مستقلة، فهناك ترابط سواء على المستوى الاستراتيجى أو على مستوى الجغرافيا السياسية، بين هذه الكتل، التى تكاد أن تشكل جوانب فى إقليم استراتيجى واحد.
الخلود للشهداء


المجد للجيش المصرى العظيم .