مفاجأة : إسرائيل تعترف .. أخيرا .. بمقاومة الجيش المصرى فى ٥ يونيه ١٩٦٧

30/11/2016 - 1:33:12

  الزعيم جمال عبدالناصر يشد على أيدى جنودنا البواسل الزعيم جمال عبدالناصر يشد على أيدى جنودنا البواسل

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

كانت هزيمة يونيه١٩٦٧ ضربة شديدة للمشروع الناصرى التحررى المعادى للاستعمار.


ولقد استغلت الأبواق الاستعمارية والصهيونية هذه الهزيمة العسكرية استغلالا دعائيا مبالغا فيه للتشهير بعبد الناصر والانتقام منه.


لم يكن الانتقام من عبد الناصر هدفا للقوى الاستعمارية والصهيونية وحدها .. فقد وجدت الرجعية العربية فى «الهزيمة» فرصة لتصفية حسابها مع معسكر القومية العربية .. وإنهاء الرصيد الثورى والجماهيرى الذى حصل عليه هذا التيار بعد حرب السويس عام ١٩٥٦ .


كانت « البروباجندا « الإمبريالية والرجعية مبنية على فكرة بسيطة مؤداها: أن نظام عبد الناصر .. العسكرى .. الديكتاتورى .. كان نظاما هشا .. تهاوى بسرعة شديدة أمام القدرة العسكرية الإسرائيلية وفشل فى حماية أرض الوطن.


ورغم مئات الكتب والمذكرات الشخصية التى خرجت من الجانبين: العربى والإسرائيلى .. فقد بقيت تلك الصورة الذهنية سائدة فى الذهن العربى عن الجيش الذى انهار من اللحظات الأولى للقتال .. وانسحب انسحابا عشوائيا .. وهرول جنوده وضباطه نحو قناة السويس للنجاة بأنفسهم ( !! ) .


وفى ذروة المشهد الختامى للحرب .. كانت إسرائيل تؤسس صورتها الذهنية ودعايتها لنفسها ولجيشها الذى لا يقهر.


وفى الجانب المصرى .. كان الاستغلال السياسى لنصر أكتوبر العظيم فى تأسيس شرعية الحاكم الجديد (أنور السادات) سببا فى تغطية كثير من البطولات التى قام بها الجيش المصرى فى المشهد الافتتاحى للحرب .. رغم الضربة الجوية .. وفقدان القيادة العسكرية كل سيطرة على ساحة المعارك بعد ضرب الطائرات والمطارات العسكرية المصرية.


وهكذا عانت أجيال عربية عديدة من التضليل المتعمد .. فقد تم حجب كثير من وقائع الحروب العربية لأهداف سياسية أو لمصالح شخصية.


صحيح أن مصر قد خسرت قواتها الجوية فى الساعات الأولى من صباح يوم ٥ يونيه، وفقدت كثيرا من قواتها البرية مع إصدار المشير عامر الأمر بالانسحاب يوم ٦ يونيه ..وما تبعه من كوارث.


صحيح أن الجيش المصرى قد تماسك بسرعة ملفتة للنظر .. وكان من أبرز تلك المواقف معركة رأس العش .. التى دارت بعد ثلاثة أسابيع من ٥ يونيه .. ثم تلتها الهجمات التى شنتها القوات الجوية فى منتصف يوليو ١٩٦٧ .. ثم عملية إغراق المدمرة إيلات فى مياه بورسعيد .. بعد أربعة أشهر فقط من ٥ يونيه.


****


وكان يجب أن ننتظر .. والحال هكذا .. أربعين عاما .. حتى يفرج العدو عن وثائق الحرب .. وتقارير القادة العسكريين وشهاداتهم عن المعارك التى خاضوها .. والتى استعان بها المؤرخ العسكرى الإسرائيلى «ميشيل .ب . أورين» فى كتابه الشهير «ستة أيام من الحرب» .. وهو كتاب صادر عن مطبعة مكتبة «أوكسفورد» .. ويقدم الرواية الإسرائيلية الرسمية عن حرب عام ١٩٦٧ .. أى حرب يونيه بعيون صهيونية.


وقد قدم الكتاب «إيهود باراك» رئيس الوزراء وقائد الجيش الإسرائيلى السابق.


ورغم أن الكتاب يتبنى بشكل كامل الرؤية الإسرائيلية لوقائع المعارك .. ورغم لهجة التعالى والتباهى التى تشع فى صفحاته من أول صفحة حتى آخر صفحة ... ورغم كل ذلك حفلت ثنايا الكتاب بوقائع المعارك العسكرية التى دارت فى اليوم الأول والثانى للحرب .. والتى تكشف عن حجم البطولات التى قامت بها الجيوش العربية فى المشهد الافتتاحى للحرب يوم ٥ يونيه .. وهى الوقائع التى تعد اعترافا متأخرا من العدو بالمقاومة التى لاقاها والخسائر التى منى بها.


معارك المحور الشمالى: رفح .. خان يونس .. غزة


يقول ميشيل آرون فى كتابه:


١- كانت الخطة الإسرائيلية للهجوم على المحور الشمالى (للجبهة المصرية) تقوم على خطة للاستيلاء على رفح عبر قوات من المظليين بالالتفاف من حولها والاستيلاء على خان يونس أولا بواسطة قوات اللواء ٦٠ بقيادة الكولونيل «مناحم أفيرام» .. وهذا اللواء مزود بـ ٨٦ دبابة من طراز «شيرمان» و « AMX» .


وبعد الاستيلاء على خان يونس يمكن الإطباق على رفح كالكماشة.


٢ ــ لكن الاستيلاء على خان يونس لم يكن سهلا ..كما يقول ميشيل آرون .. الذى يقول بالنص : «على الرغم من دفع جونين ( يقصد شاموئيل جونين قائد الجبهة مع مصر) لترسانة رهيبة إلى الميدان مكونة من ٥٨ دبابة سنتوريون و٦٦ دبابة «باتون» .. فقد عهد إلى كتيبة واحدة مهمة اختراق خان يونس .. وهكذا تقدمت تلك الكتيبة ولم تواجه سوى بمقاومة بسيطة فى البداية .. وفجأة انفتحت أبواب الجحيم .... ......- كما ذكر الضابط أورى أور أحد ضباط وحدة الاستطلاع الذى أصيب نصف رجاله - إذ انهالت عليه قذائف المدفعية والرشاشات والمدفعية المضادة للدروع .. كان كل شىء يصب نيرانه علينا .. إذ أخذت الدبابات المصرية من طراز «تى ٣٤» مواقعها .. وفتحت نيرانها علينا .. وأصيبت نصف مجنزرة إسرائيلية قبل أن تصعد الطريق .. وقتل الجنود الثمانية الذين كانوا فيها(!!.


٣ ــ ويضيف آرون : «وهكذا تم استدعاء كتيبة دبابات أخرى .. ولكنها ضربت هى الأخرى ( !! ) .


٤ ــ وكانت المقاومة الكبرى من الفرقة الفلسطينية العشرين والتى كان يقودها القائد المصرى «محمد عبد المنعم حسنى» الحاكم العسكرى لغزة .. رغم أنها لم تكن وحدة مقاتلة من الدرجة الأولى ( !! ) .


ويستكمل ميشيل أورين:


٥- “ .... وسرعان ما دمرت ست دبابات إسرائيلية طليعية من دبابات «جونين « .. وقتل ٣٥ ضابطا من ضباطه .. وغاصت قوة «أفيرام» فى الرمال .. وشكلت الكثبان الرملية «كابوسا ملاحيا» لقوات المظليين .. وأصيب الإسرائيليون .. فى واقع الأمر .. بخسائر فادحة وهم يقاتلون لشق طريقهم عبر مرابض المدفعية المصرية المضادة للمدرعات .. والكائنة على جانبى الطريق .. وكذلك المتاريس الحجرية التى أجبرت الدبابات الإسرائيلية على الخروج عن المحور الرئيسى إلى متاهة من الممرات الضيقة .. كان الهدف الرئيسى هو رفح والدفاعات المصرية المنتشرة فى الشيخ زويد التى تبعد ثمانية أميال إلى الجنوب الغربى من رفح “ .


ويستكمل ميشيل آرون وصف معارك رفح - خان يونس قائلا:


“- ٦ لقد اعترف «جونين « فيما بعد للمراسلين وقائع المعركة قائلا : «.. إن المدفعية المصرية كانت رابضة فى حفر عميقة .. وكانت تطلق عشر رشقات مرة واحدة .. وفى كل رشقة كانت تشتعل إحدى الدبابات نارا .. وقد تركنا الكثير من جنودنا قتلى فى رفح ..وتركنا دباباتنا المحترقة “ (!!) .


كيف تم إذن الاستيلاء على رفح ؟


على هذا السؤال يجيب ميشيل آرون :


: “ ...- ٧ كان ﻻبد والحال هكذا .. استدعاء مدفعية ثقيلة وضربات جوية لتمكين العناصر الإسرائيلية الطليعية من الاختراق .. وقد قتل فى تلك المعارك اللواء عبد العزيز سليمان ( قائد الفرقة السابعة .. وهى وحدة شكلت قبل ثلاثة أسابيع فقط من بدء الحرب .. وكان مديرا لمدرسة المشاة .. وكان معظم ضباطه فى الفرقة من مدرسين فى مدرسة المشاة .. وكانوا غير مهيئين بالتالى لمواجهة هجوم إسرائيلى غير تقليدى من البحر وعبر الرمال - الملاحظة من عند آرون ( .


ويكمل ميشيل آرون قائلا : «وهكذا لم تكن مدافعهم العشرون ودباباتهم ٦٦ العتيقة .. يمكن أن تقارن بالقوة العسكرية الإسرائيلية الأكبر والمسلحة بدبابات حديثة من طراز سينتوريون وباتون .


ويضيف آرون: ولدى فقدان المصريين لقيادتهم بمقتل اللواء عبد العزيز سليمان .. فقد تخلوا عن مواقعهم تاركين وراءهم أربعين دبابة وألفى قتيل “ .


تحليل لمعارك رفح - خان يونس - غزة


نستنتج من الفقرات السابقة الآتى:


* أن التقدم لخان يونس ورفح اكتنفته مقاومة شديدة من المدفعية المصرية المضادة للمدرعات والرابضة فى حفر عميقة.


* إن هذه المعارك كبدت الجانب الإسرائيلى إصابات فى الدبابات الإسرائيلية ومقتل ٣٥ ضابطا ..مما اضطر القيادة الإسرائيلية لاستدعاء دعم من الطيران وإمدادات جديدة من الدبابات والمدفعية.


* إن تدخل الطيران الإسرائيلى والقصف من البحر ومقتل القائد المصرى اللواء «عبد العزيز سليمان» كانت من الأسباب المباشرة فى انهيار مقاومة الفرقة السابعة .. والتى كانت حديثة التشكيل (قبل الحرب بثلاثة أسابيع فقط) .. فضلا عن قلة خبرة ضباطها بالقتال أمام قوات سريعة الحركة كالقوات الإسرائيلية .. واحتكار الطيران الإسرائيلى لساحات القتال بعد ضرب سلاح الجو المصرى تماما وإخراجه من المعارك فى اللحظات الأولى للحرب.


التقدم إلى العريش


يستكمل ميشيل أورين وصفه لمعارك المحور الشمالى للجبهة المصرية قائلا : « ... أساءت كتيبة آفيرام تقدير أجنحة قوات العدو ( يقصد المصريين) .. وهكذا وجدت نفسها محصورة بين موقعين محصنين .. واستغرق إنقاذ القوة عدة ساعات .. ومع ذلك استطاع الإسرائيليون تطهير المنطقة تماما بحلول منتصف الليل، بينما كان الجنود المصريون وسيارات الجيب والشاحنات تعيد تجميع نفسها على الطريق إلى العريش.


التقدم إلى العريش


* أصبح الطريق إلى العريش مفتوحا لجيش الدفاع الإسرائيلى بعد انسحاب القوات المصرية من رفح.


* وكان يجب التقدم للمدينة من العبور ممر أو شعاب «جيراردى» .. وهو ممر ضيق بين الكثبان الرملية المتحركة.


* وقد وصف تقرير داخلى للجيش الإسرائيلى ما حدث فى القتال فى هذا الممر وصفا مخيفا .. حيث يقول ميشيل أورين عن تلك المعارك: «..على جانبى الطريق كانت مكامن الدبابات والمدافع المضادة للمدرعات وأعشاش الرشاشات .. وكلها مرتبطة بخنادق محاطة بالألغام .. وأطول مسافة بين موقعين كانت خمسين مترا .. وعندما فوجئ المصريون بالرتل الإسرائيلى ..لم يطلقوا عليه النار فى البداية .. وظن القائد الإسرائيلى أن المصريين قد هربوا .. فأمر رجاله بالكف عن إطلاق النار (!!) .. ولم يكتشف القائد الإسرائيلى أن المصريين لم يهربوا إلا بعد أن وصل إلى منتصف المسافة (!!) .


* ويستكمل ميشيل أورين وصفه للمعارك فى ممر جيرارد قائلا : « ... وتناوب المصريون والإسرائيليون السيطرة على الممر .. قبل أن ينجح الإسرائيليون فى تطهيره تماما .. وأن يخرجوا من عند طرفه الغربى ... حيث تقدموا باتجاه ضواحى العريش التى يبلغ عدد سكانها ٤٠ ألف نسمة ... حيث توجد القيادة الإدارية للجيش المصرى.


* وقد كتب « الليفتنانت يوسى بليد « عن وقائع القتال فى العريش قائلا : « ... وصلنا هدفنا الساعة العاشرة تحت جنح الظلام .. وكانت الدبابات المصرية مشتعلة أمامنا فى الظلام بقدر ماكانت تتيح لنا الرؤية .. وكان الجنود المصريون يستلقون بينها .. وكان هناك كذلك بعض دباباتنا وقد اشتعلت أيضا .. ولم يكن الجنود الإسرائيليون الذى يستلقون بينها أحياء هم أيضا (!!) .


الاعتراف بالندية


كان القتال فى العريش قتالا نديا كما اعترف ميشيل أورين فى كتابه .. إذ نراه يقول : «برغم الخسائر الإسرائيلية (!!) استمر الهجوم بأسرع مما هو مخطط له .. وتم إلغاء هجوم كان مقررا له فى اليوم التالى من قوة مشتركة من البحر والمظليين الجويين للاستيلاء على العريش .. وتم تحويل المظليين الذين كانوا سيشتركون فيه إلى القدس.


* ورغم أن المعركة لم تكن قد حسمت بعد .. إلا أن الإسرائيليين كانوا قد ربحوا معركة حاسمة فى ظروف كان العدو فيها ندا قويا (!!) . ( ست أيام من الحرب ..ميشيل أورين .. مكتبة العبيكان ..ص ٣٤١- ٣٤٢ ).


معركة العريش


رغم نجاح الإسرائيليين فى التقدم نحو العريش .. وتطهير ممر «جيراردى» بعد معارك عنيفة مع القوات المصرية.


إلا أن دخول العريش ذاتها كان يحمل مفاجأة جديدة للإسرائيليين.


يقول ميشيل أورين نقلا عن «يوسى بليد» : «... دخلنا العريش الساعة الثامنة صباحا قاصدين قطعها للوصول إلى البحر وطريق الساحل .. كانت العريش هادئة تماما ومهجورة .. وفجأة انقلبت المدينة إلى مستشفى للمجانين .. وانهالت رشقات الرصاص من كل حدب وصوب ..من كل زقاق وزاوية .. من كل نافذة وبيت (!!) .


وهكذا اعترف العدو الإسرائيلى .. من خلال مؤرخه «ميشيل أورين» ..ومن خلال الشهادات المتعددة التى قدمها القادة الميدانيون فى تقاريرهم عن مسار المعارك مدى المقاومة الجدية التى قام بها جنود وضباط الجيش المصرى فى المعارك التى خاضوها مع العدو.


وهى وقائع تنسف فى مجملها الصورة الذهنية التى رسمتها الدعاية الصهيونية فى أعقاب الحرب .. وساعد على إخفائها الألاعيب السياسية والمصالح الشخصية لبعض القادة السياسيين والعسكريين المصريين، الذين ارتبطت مصالحهم بالنظام السائد فى عهدهم.


وكما قلت من قبل .. كان يجب أن ننتظر اعتراف العدو نفسه بهذه المقاومة للجيش المصرى ..رغم الظروف الصعبة التى أحاطت به فى يونيو ١٩٦٧ ..


وثبت جنودنا وضباطنا وقاوموا بقدر ما أتاحت لهم الظروف والإمكانيات.


تحية للجيش المصرى .. تحية للجنود ..تحية للضباط ..


وقبل كل شيء وبعده: تحية للشهداء..


أنتم فى قلوبنا .. ولن ينساكم الوطن.