قصة ١٨٠ يوما خلف خطوط العدو (٣) نزيف الشهداء فى سيناء

30/11/2016 - 1:30:34

بقلم: لواء. نصر سالم

ملخص ما نشر:


فى الحلقتين السابقتين تم تقديم صورة نفسية للخواطر والأفكار التى مر بها الضباط ليلة الاستعداد للاندفاع خلف خطوط العدو، والتى سبقت المائة وثمانين يوماً التى قضاها نصر سالم ومجموعته خلف خطوط العدو.


فهذا الضابط فيصل المرح المهرج الذى يقول بعض الجمل التى لا يعنيها وهو يداعب زملاءه.. فتتحقق كلها بعد ذلك بصورة طبق الأصل.. حيث يستشهد النقيب عبد الهادى ويقع فيصل فى الأسر وينال نصر ترقية ونجمة عسكرية..


وقد قطع نصر ومجموعته مسافة حوالى ستين كيلو متراً، وهم يحملون كل منهم ما يزيد عن خمسين كيلو جراماً من المعدات والمهمات والتعيينات والمياه. وبعد مسيرة قاربت الإحدى عشرة ساعة.. وصول إلى الطريق الأسفلتى الذى يبعد عن الجبل الذى يقصدونه بمسافة لا تزيد عن واحد كيلو متر. وفى غمرة الفرحة بعد عبورهم الطريق للوصول إلى الجبل فوجئوا بسور سلك أمامهم وخلفه معسكر للعدو، ففكر نصر فى الالتفاف حول السور السلك والدخول إلى الجبل، فوجد ذلك محفوفاً بالمخاطر نظراً لطول مسافة السور، وكونهم سوف يسيرون بجوار الطريق الأسفلتى الذى تتحرك عليه قوات العدو وفى نفس الوقت الذى بدأت فيه خيوط النهار فى الظهور.


وكان البديل الثانى هو العودة إلى الخلف لمسافة ٥:٣كم والاختفاء داخل حفرة يقومون بحفرها، ولكن هذا الحل أيضا كان محفوفا بالمخاطر نظرا لكون الأرض مستوية تماما وسوف يقوم العدو باكتشافهم بسهولة وهم يتحركون، كان البديل الثالث هو فتح ثغرة فى السور السلك والتسلل من داخل المعسكر حتى الوصول للجبل.. ورغم أن هذا الحل كان ضرباً من المخاطرة والجنون إلا أن المجموعة لجأت إليه عملا بمبدأ:


إذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جباناً


بينما نحن قابعون فوق أحد جبال سيناء خلال فترة عملنا كمجموعة استطلاع خلف خطوط العدو فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، وبعد ١٤٠ يوماً من المائة وثمانين يوماً التى قضيناها.


أدار أحدنا مؤشر المذياع على محطة الإذاعة الإسرائيلية، فإذا بها تبث خبراً عن مصر مفاده “أن الشرطة المصرية ألقت القبض على شبكة دعارة تديرها ممثلة مشهورة”.


وما إن سمع أحد الجنود هذا الخبر، حتى انفجر فى انفعال شديد، وأخذ يصيح:


هل هؤلاء من نضحى من أجلهم، هل هؤلاء من يستحقون أن نبقى أياماً وشهوراً لا نعرف طعم النوم، ولم نهنأ من الماء إلا بقطرات فى غطاء الزمزامية، ولا من الطعام إلا كما تأكل الفئران بل أقل، ونواجه الموت فى كل لحظة.. هل هذا عدل؟


أخذت أنظر إليه فى هدوء حتى أفرغ شحنة انفعاله.. ثم سألته:


- ماذا عن أسرتك؟


- وما دخل أسرتى بذلك؟ هكذا كان رده.


- إن أسرتك الصغيرة هم أبوك وأمك وأخوك وأختك.. أليس كذلك؟


- نعم هم كذلك.


- هل منهم أحد يفعل ما يغضب الله أو ما تخجل منه؟


- لا بل هم أشرف من الشرف.


- ألا يستحقون أن تضحى بحياتك من أجلهم أو على أقل تقدير تتحمل ما نحن فيه الآن؟


- نعم هم يستحقون هذا وأكثر.


- إذن أنت هناك من أجل أسرتك الصغيرة أبيك وأمك وأخيك وأختك، ومن أجل أسرتك الكبيرة عمك وعمتك وخالك وخالتك وأبنائهم بل أسرتنا كلنا وهى مصر.. التى نتغنى بحبها ونضحى من أجلها ونعشق ترابها..


- نعم.. ولكن.. !!


(قالها فى حيرة.. وهو يكظم غيظه).


- ولكن نحن هنا من أجل وطننا وأهلينا وترابنا الوطنى.


- وللأوطان فى دم كل حر يد سلفت ودين مستحق.


فهمت لماذا تردد هذا البيت باستمرار.. (هكذا دار الحوار بينى وبين رفيق كفاحى عادل فى أكتوبر (٧٣.


تذكرت هذا كله وأنا أرد على سؤال أحد أبنائنا الذين يرابطون فى منطقة الشيخ زويد بشمال سيناء، ويواجهون الموت فى كل لحظة دون أن يهتز لهم جفن.


- هل هذه سيناء التى نطهرها من الإرهاب؟ هل نطهرها كى يقوم أحد القضاة بتوصيل المخدرات إليها؟ هل مواجهة الإرهاب على مدار الساعة، أصبح عنفاً متبادلاً “كما يقول ذلك البرادعى”، هل يسوى بيننا وبين الإرهابيين؟ هل هؤلاء الذين باعوا وطنهم وشرفهم بحفنة دولارات.. ويذبحون أبناء سيناء بدم بارد، وينشرون صورهم على الوسائط المختلفة، لترهيب كل أبناء سيناء كى يرحلوا وتفرغ الأرض من سكانها.. كى تقدم هدية إلى إسرائيل فى صفقة تبادل الأراضى كى تعطيها )لمنظمة حماس( لتقيم عليها إمارة غزة الكبرى وتحل القضية الفلسطينية على حساب أرض مصر.. وتهنأ إسرائيل بما اغتصبته من الأراضى الفلسطينية.. هل هذا عنف متبادل أن نحمى أرضنا وأهلنا فى سيناء من هؤلاء الخونة؟


هل هذا عدل أن تتناسى بعض القنوات الخاصة كل هؤلاء الشهداء وتفرد برامجها لمن يهاجمون الإجراءات الأمنية التى نتخذها لتأمين بعض المناطق فى شمال سيناء، من أعمال تفتيش أو تأمين من أجل أبناء سيناء بالدرجة الأولى.. وفى كل مرة نتعرض فيها لعمل إرهابى.. يوجهون إلينا أصابع اللوم كما لو كنا مقصرين أو أقل كفاءة من هؤلاء الإرهابيين ويتسابق المتفلسفون والمتسفسطون فى تخيل حلول ما أنزل الله بها من سلطان عملا بالمثل القائل (اللى على البر عوام).. وهذا الإرهابى السابق الذى أصبح خبيرا فى الإرهاب وتفرد له الصفحات، ليعطينا درسا فى مواجهة الإرهاب بمقولة لا أفهمها (الرومانسية لا تنفع).. أى رومانسية يقصد.. هل إذا وجدنا إرهابياً فى أحد المنازل يحتمى بين سكانه، نهدم المنزل على من فيه كى لا نتهم بالرومانسية.


“ إن تسوية الأرض بمن عليها هى أسهل الحلول. ولكن من وجهة نظر الإرهاب” هل تخالف عقيدتنا التى تربينا عليها وهى حماية أبناء الوطن والموت دونهم.. كى نرضى هؤلاء الإرهابيين التائبين (إن كانوا فعلا قد تابوا)، والذين أصبحوا خبراء عن بعد من خلف الكاميرات داخل الغرف المكيفة، ولا يدركون شيئا عن الواقع الذى نواجهه.


هلا تولى ذلك الخبير التائب الرد على التائب الآخر، الباحث فى شئون الإرهاب واللامع على شاشات الفضائيات.. وهو ينتقد بشدة الإجراءات الأمنية فى سيناء، بأنها تضييق على أهالى سيناء الذين ألفوا الحرية والأماكن الواسعة كما لو كنا نحبسهم داخل جدران مغلقة.. ألا يعلم أننا لا نواجه عدوا معروفا أو ظاهرا، وفى الكثير من الأحيان يكون الانتحارى الذى يفجر نفسه بالقرب من نقاط الارتكاز الأمنية أو يحاول اختراقها والدخول إليها.. هو شخص مألوف لدى أفراد النقطة ويتحرك أمامهم وربما تبادل معهم الحديث من قبل.. ثم ينقلب هذا الشخص إلى إرهابى انتحارى فى لحظة..


إن الإرهابيين ليس لهم معسكرات معلومة وليس هناك أى شىء يميزهم.. إنهم من نفس الأشخاص الذين يتحركون أمامنا كل يوم.


• هل نقتل كل من نشك فيه كى لا نكون رومانسيين؟


• أم نفتح أبوابنا للإرهابيين يدخلون منها كيف يشاؤون دون تفتيش أو تحقق، كى لا نكون مضيقين على الحريات؟


وبعد..


هذا ما ينزفه الشهداء.. فهل نشعر بهم؟


إن الموت لا يخيفهم والإرهاب يهز جفونهم.. إنما طعنة الصديق هل التى تدمى..


ارحموا أبناءنا إن كنتم حقا تحبون وطنكم.. لا تجعلوهم يشعرون أنهم يدافعون عن وطن افتراضى لا وجود له.


إن البعض يشعرنا أن الإعلام هو مهنة من لا مهنة له.


وليس أدل على ذلك من ذلك الفهلوى الذى استفحل ثراؤه من الفهلوة بطريقة “شربة الحاج محمود تموت الدود” فأنشأ قناة لمزاجه الخاص.. يجلس أمام كاميراتها أفضل من الجلوس على المقاهى.. وما يرفضه النواب فى مجلسهم من الآراء التى لا قيمة لها، منه ومن البعض الآخر- يفرد لها جلسات أمام الكاميرات، يهاجم فيها ما اتفق عليه الغالبية فى مجلسهم الموقر.. وعلى طريقة “أنا فيها لأخفيها” يستضيف أصحاب الآراء المشبوهة البعيدة عن أى ولاء للوطن، للتشكيك فى كل إنجاز، وإثارة الفتنة والتحريض.


أما على الأرض التى أدعى أنى أعرفها من واقع وظائفى السابقة وخبرتى الطويلة عنها فى الحرب والسلم، فإنى أكرر ما أعلنته من قبل واتفق معى فيه من التقيته من شيوخ قبائل سيناء الأجلاء.


وهو: إنشاء سور حول مدينة العريش أشبه بذلك الموجود حول مدينة القدس العتيقة والذى بناه العرب فى العصور السابقة لحماية مدينتهم.


إن مثل هذا السور المدعم بأبراج الحراسة والكاميرات والمستشعرات يحكم المراقبة على كل داخل وخارج من خلال بوابات أمنية مجهزة بأحدث أجهزة الكشف والتأمين.. ويجعل كل من يعيش داخل المدينة يعيش فى أمن وأمان دون أى تهديد من إرهابيين يتخذونهم دروعا بشرية ويهددونهم بالقتل والتصفية إن حاول أحدهم الإبلاغ عن أى


إرهابى.


العملية ليست مستحيلة ولا حتى صعبة ولكنها ضرورية لحماية أهل المدينة وتوفير الظروف المناسبة لحصر وتسجيل كل من يتواجد داخل أسوارها.. وإمكانية تقديم العون والنجدة له فى حالة تعرضه لأى تهديد أو اعتداء من جانب الإرهابيين.


يمكن زيادة عدد المداخل والمخارج وتنظيم توقيتات الخروج والدخول وكذلك توفير التأمين الكامل على طرق التحرك خارج المدينة.


وليريحنا التائبون والباحثون من الإرهابيين السابقين من نظراتهم “الرومانسية أو التضييقية”


فى الحلقة القادمة:


كيف دمر العدو بنفسه ما لم تدمره طائراتنا من شدة فزعه؟