بعد واقعة مقتل نيفين لطفي: أفراد الأمن: لا تذبحونا بخطأ فردى

30/11/2016 - 1:08:39

  نيفين لطفى .. ضحية فرد الأمن نيفين لطفى .. ضحية فرد الأمن

تحقيق- أحمد جمعة

علم الشاب العشريني، بشير عبدالرازق، بحاجة إحدى شركات الأمن لتوظيف أفراد خدمة وحراسة، وعلى الفور تواصل مع إدارة الشركة وأرسل لهم الأوراق المطلوبة، وارتحل من بلدته بمحافظة البحيرة إلى القاهرة لاستلام مهام عمله الجديد، وهى حماية مجمع الهرم السكنى التابع لجمعية إسكان العاملين بالبنك المركزي.


بملابس زرقاء رسمية وقف "بشير" أمام بوابة الدخول الرئيسية للمجمع يتفحص العمال الوافدين لاستكمال أعمال التشطيب، يطالبهم بضرورة ترك بطاقتهم وتسجيل أسمائهم ومواصفات معداتهم لمنع حالات السرقة، يقول "جيت من البحيرة علشان أشتغل فى الشركة من شهر أغسطس فى العام الماضي، وواقف هنا بتابع الداخلين والخارجين، سكان المجمع عارفنى بالاسم، لأنه بيعدوا يوميًا من هنا، الشغل مش عيب ومحدش قال إن فرد الأمن مواطن درجة تانية".


بشير ليس وحده الذى يعمل كفرد أمن، فهناك ما يربو عن ١٠٠ ألف فرد لتأمين قرى سياحية وشركات وبنوك ومنازل، حسب إحصائيات شعبة الحراسة بغرفة القاهرة التجارية، لكنهم فى ليلة واحدة واجهوا عاصفة من الانتقادات بعد اتهام أحدهم، وهو الشاب، فرد الأمن، كريم صبري، بقتل نيفين لطفي، الرئيس التنفيذى لبنك أبو ظبى الإسلامي، حيث كان يعمل فردا أمنيا إداريا بذات "الكومبوند" الذى كانت تسكن فيه الضحية، ليثير خوف البعض من تحول أفراد الأمن إلى جناة بدلًا من حماية الأرواح والممتلكات.


يقول بشير "بسبب فرد واحد بنظلم ناس كتير، وهذا غير عادل، لأنه مثل أى مهنة فهناك الصالح وهناك الفاسد، وهذا لا يعفى بعضنا من الأخطاء، ولكنها فى كل الأحوال حالات فردية خاصة بكل شخص على حدة، ولا يجوز أن نقول كل أفراد الأمن قتلة أو مجرمين، نحن بطبيعة الحال جئنا للحماية وليس الاعتداء".


بجانب بشير، هناك زميله عماد حمدي، المكلف بالتأمين فى نوبة (شيفت) الصباح، يتحدث عن أيامه الأولى فى الشركة، يقول "جئت عن طريق شخص مقرب من مدير العمليات بالشركة، وحصلت على التدريب فى عدة مواقع قبل أن أقف هنا، وتقتصر مهمتنا على الوقوف على البوابة الرئيسية للمجمع وتسجيل بيانات العمال، وفى بعض الأحيان تحدث مشادات مع الصنايعية ونضطر للتدخل والفصل بينهم منعًا لتفاقم المشكلة".


عماد كان يعمل فى إحدى شركات الأمن بدولة الكويت قبل أن يستقر به الحال فى مصر، ويرى أن هناك فروقًا جوهرية بين حال فرد الأمن هنا وهناك، فيضيف "الأمن برة أسهل بكتير من هنا، ففى شركة الكويت كان يلزم أى مبنى بضرورة تركيب كاميرات مراقبة فى جميع الأماكن لسهولة عمل فرد الأمن، وليس دوره عسكريا درك يجوب المكان بشكل كامل، ويجلس فرد الأمن فى غرفة بها شاشات يرى ما تسجله الكاميرات، لكننا فى مصر فأغلب المناطق لا تعمل بكاميرات من الأساس، بخلاف الكامبوندات الكبرى والشهيرة، أما مصنع أو مبنى إدارى وخلافه لم تصل لهم ثقافة كاميرات المراقبة فى الحفاظ على المكان، هذا بجانب أن الكاميرات توثق الحقيقة وليست ناقلة لمشاهدات شخصية".


التعامل مع "العميل" بحسب عماد حمدى يختلف من شخص لآخر، فالمهنة ليست شاقة على طول الخط "أحيانًا مريحة وأحيانًا قرف، ودة على حسب العميل كويس ولا عميل مزعج".


أسامة سيد، مشرف الأمن بالمجمع، تحدث لـ"المصوّر" عن طبيعة عمل أفراد الأمن وواجباتهم، وقال "فى الأساس يعمل ٤ أفراد للحراسة، ٢ ليلي، و٢ نهاري، بنظام شفت ١٢ ساعة، ولهم ٥ أيام إجازة شهريًا. وظيفتهم البوابة وتسجيل بيانات العمال بالمجمع وحل مشاكل الصنايعية". لكنه عاد ليؤكد أن عدد أفراد الأمن لا يكفى احتياجات المكان "مساحة واسعة بالطريقة دى ميكفهاش اتنين صبح وبليل، دول محتاجين أكتر من ١٠ فى كل شفت". سألته: وماذا يمنع؟ أكد "سيد" أن "مسئول المجمع هوّ الذى يُحدد احتياجاته من أفراد الأمن وليس الشركة، ولو طلب أكثر من ذلك لوفرنا له ما يحتاجه، ولكن التعاقد يحكم فى النهاية، الدور الواحد فى المجمع يحتاج من ٣ إلى ٦ أفراد".


تدفع شركة الأمن للأفراد ما يتراوح بين ١٢٠٠ جنيه إلى ١٦٠٠ جنيه راتبًا شهريًا، لكن بشير عبدالرازق لا يعتبر هذا كافيًا فى الوقت الحالى "الحاجة ولعت والمرتب ده ميكفيش اليومين دول".


فى مشهد آخر رصدته "المصور"، يجلس الرجل الخمسينى أحمد مرسى أمام بوابة الغرفة التجارية بالجيزة، يتابع سير الحركة إلى مبنى الغرفة، يحصل على بطاقات العملاء لتسجيل بياناتهم، يقول "أعمل منذ ٣ سنوات فى هذا المبنى، أعرف كل تفاصيله والموظفين، ولا يوجد ما يدعو للمشاكل مع العملاء، بل دورنا يقوم على تأمين البوابة وتسجيل البيانات، وحل المشاكل بين الموظف والعميل".


الراتب الشهرى لعم أحمد لا يكفى بطبيعة الحال بعد غلاء الأسعار "مرتبى ١٢٠٠ جنيه، ومنتظرين زيادة من الشركة على حسب الكلام اللى سمعناه، بشتغل ١٢ ساعة فى اليوم من ٧ الصبح لـ٧ باليل"، ويضيف "المهنة مرهقة بس اتعودنا على كده، وأفراد الأمن بحاجة إلى حكمة فى التعامل مع الموظف ولا يجب أن يكون عصبيًا حتى لا يفقد مهنته".


إجراءات التأمين بحسب "عم أحمد" تأخذ أكثر من اتجاه "فى البداية غيرنا البوابة، لأنها كانت زجاجا ومن السهل اختراقها، وفى بداية التعاقد يتم اكتشاف نقاط القوة والضعف فى المكان عن طريق المعاينة، وكذلك الأسوار والشبابيك والتى تم تركيب حديد لها من الخارج لتأكيد الحماية، وفى النهاية يبقى تأمين أفراد الأمن من الداخل فقط وليس لهم علاقة بالشارع، لأنه مسئولية رجال الشرطة والأجهزة الأمنية".


يقول جمال عبدالوهاب، مشرف الأمن بالغرفة، إن اختيار أفراد الأمن يتم وفقا لنوعيات محددة من الشباب ممن لديهم إمكانيات الحفاظ على المكان، ومستوى التعليم لابد أن يكون فوق المتوسط، وبعد أن يتقدم إلى الشركة ويملأ أوراق التقديم للوظيفة، يتم تدريبه نظريًا لمدة ١٠ إلى ١٥ يوما لتعريفه بمهامه وواجباته، ثم بعد ذلك ينزل إلى الموقع الذى سيقوم بحراسته، وخلال هذه الفترة تتم ملاحظته عن طريق مشرف الأمن الذى يرفع تقارير يومية إلى مدير العمليات بمستوى الفرد، وهل يستحق الاستمرار فى الشركة أم لا؟.


ويضيف عبدالوهاب أن قوة تأمين الغرفة التجارية تبلغ ١٢ فردًا، وهذا عدد كاف، نظرًا لتزويد الغرفة بعدة كاميرات مراقبة تساعد الأمن فى التأمين، كما أن العمل ينتهى فى الساعة الثالثة عصرًا، وبذلك يصبح المبنى فارغًا من الموظفين والعملاء، مع وجود أمن ثابت بجوار خزينة الغرفة.


وتواجه "عم أحمد" أزمة القانون الجديد والمزمع تطبيقه يناير المقبل، وسبق أن طلبت شركات الأمن مد فترة توفيق الأوضاع ٦ أشهر أخرى لمنح الشركات وقتًا للانتهاء من إعداد أفراد الحراسة، وفقًا للمنصوص عليه بالقانون والحصول على الموافقات الأمنية المطلوب، حيث يجب أن يحصل فرد الأمن على ترخيصٍ يَصدر من وزارة الداخلية، ويحظر على الشركة والعاملين بها، إفشاء سرية المعلومات والوثائق الخاصة بالمنشآت التى تقوم بحراستها أو نقل أموالها، أو ارتداء زى أو استخدام علامات أو نياشين من تلك التى تستخدمها القوات المسلحة أو الشرطة.


الأهم من ذلك هو تحديد سن للأفراد لا يتجاوز ٤٥ عامًا وهو ما لا ينطبق على حالة "عم أحمد" الذى يقول "هعمل ايه ما باليد حيلة، هدوّر على شغل تاني، مع إن القانون هيظلم ناس كتير، وهناك الكثير من الأفراد فوق هذا السن قادرون على العطاء حتى أكثر من ٦٠ عامًا".


وبسؤال رجب إبراهيم، مدير إدارة العمليات بالشركة، حول قدرة الأفراد فوق سن الخمسين عاما على تولى أعمال الحراسة، قال "الفكرة مش عضلات وخلاص، الأهم الحكمة والقدرة على إدارة المواقف الصعبة وهذا يأتى بالخبرة بطبيعة الحال".


شروط فرد الأمن بحسب "رجب" هى التقدم بطلب الأوراق الرسمية التى تشمل "أصل المؤهل، وشهادة التجنيد وشهادة ميلاد وكعب عمل، وفيش جنائي، وشهادة صحية من مستشفى حكومي"، ويتم تدريبه على كيفية التعامل مع العملاء والزائرين والمواقف الطارئة وكيفية حلها، والاتصال على الفور بإدارة العمليات، حيث يتلقى تدريبًا لمدة لا تتجاوز ٢١ يومًا (نظرى وعملي) وفيها شرح للمواقف الأمنية وطريقة حلها، ثم بعد ذلك يكون فى الموقع ويتابعه مشرف الأمن عبر تقارير ترفع إلى إدارة العمليات.


المقابل المادى العام لأفراد الأمن بالشركة يتحدد حسب الموقع الذى يخدم به ومؤهله الدراسي، وفى الأغلب يتراوح بين ألف إلى ١٨٠٠ جنيه، مؤكدًا أنه يتطلب إجراء تحليل مخدرات بشكل دورى للأفراد للتأكد من سلوكهم عن طريق مدير إدارى الشركة فى مستشفى القصر العينى "فرد الأمن بطبيعته إنسان، وبالتالى لابد من المتابعة المستمرة، لأنه لو سار فى هذا الطريق قد يتسبب فى أى جريمة وهوّ فى غير وعيه، ومن هنا يأتى ضرورة المتابعة المستمرة".


القانون الجديد قد يساهم فى تحديد عمل الأفراد وانضابطهم وكذلك "شركات بير السلم" بحسب رجب، مشيرا إلى أنه يتطلب رخصة للشركة والفرد من الأمن العام بوزارة الداخلية ويتم تدريبهم هناك، ويتم المرور على المواقع من قبل وزارة الداخلية لرصد الأخطاء ويتم إنذار الشركة، علمًا بأن الإنذار الثالث لها يتم إغلاقها بشكل نهائي، هذه الشركات التى يتحدث عنها مدير العمليات تتسبب فى إعطاء صورة سلبية للمواطن عن شركات وأفراد الأمن، وفى النهاية يعطون مرتبات هزيلة للعاملين.


السلاح المخصص لأفراد الأمن لا يتعدى "عصا"، وفى بعض الأماكن يُسمح لهم باستخدام "مسدس صوت" فقط، ولا يسمح لهم بغير ذلك، أما استخدام السلاح الحى فيكون لشركات نقل الأموال التى تتقدم بطلب إلى وزارة الداخلية لترخيص سلاح، وهذا يستغرق ٦ أشهر للموافقة على السلاح الواحد.


واقعة مقتل نيفين لطفي، يُصر "رجب" على ضرورة وضعها فى حجمها المناسب "فرد ساب شغله من فترة ورجع قتلها، هل بالضرورة تُعمم على كل الشركات والأفراد؟ هذا مستحيل!. من الواجب علينا أن نؤكد أنها حالات فردية مرتبطة بطبيعة الجشع عند بعض البشر وليس حالات عامة لكل أفراد الأمن، الذين هم بالأحرى يحفظون أمن الناس ويسهرون على تأمينهم، لأن وزارة الداخلية لا تؤمن كافة المنشآت، وبالتالى يلجأ العملاء للشركات الخاصة".