الفساد بين الكبار وبين الصغار

30/11/2016 - 12:38:31

بقلم : جمال أسعد

الفساد هو إساءة إستخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة وسرية لتحقيق مكاسب شخصية، وأشكال الفساد والأكثر شيوعًا هى المحسوبية والرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال، ويمثل الفساد تحديًا خطيرًا فى وجه التنمية، سواء كان فسادًا سياسيًا أو قضائيًا أو إداريًا، حيث إن استشراء الفساد بشتى أنواعه وبكل أساليبه يؤدى إلى فقدان الثقة وغياب العدل وزيادة الحقد وتراكم الغضب والبحث عن أساليب غير قانونية وبعيدة عن أى شرعية للحصول على الحقوق القانونية، ولذا يسير المجتمع فى طريق العنف الذى يهدد سلامة المجتمع، بل يهدد الأمن القومى والتوحد الوطنى بمفهومه الشامل.


كما أن الفساد يولد تشوهات اقتصاية عن طريق تحويل استثمارات القطاع العام إلى مشروعات رأسمالية تكثر فيها الرشى، فتزيد التعقيدات الفنية لمشاريع القطاع العام مما يؤدى إلى زيادة تشويه استثمار المال العام، كما أنه يؤثر على القدرة المؤسساتية للحكومة لأنه يؤدى إلى استنزاف مصادرها، كما أن المناصب الرسمية تباع وتشترى وكل هذا لا شك يؤدى إلى هز الثقة فى الحكومة وانهيار القيم وسقوط الأخلاق.


فإذا كان الفساد الإدارى والذى يتمثل فى الرشوة والابتزاز واستغلال المواقع التى تقدم الخدمات يمكن أن يكون مبررًا للفاسدين، نظرًا لظروفهم الاقتصادية وحاجتهم المادية نتيجة لما يعانيه غير القادر من ارتفاع الأسعار وانخفاظ الدخول وزيادة أعباء الحياة. ..فما هو المبرر (وإن كان لا يوجد أى مبرر للفساد) لهؤلاء الكبار من أصحاب المواقع الوظيفية والقدرة المالية والمكانة الاجتماعية حتى يصبحوا هم الفاسدين بل هم الفساد ذاته الذى جعل فساد الدولة دولة فساد؟، فنجد أن هيئة الرقابة الإدارية قد ضبطت ٦ قضايا كبرى على مدار ١٩ يومًا فقط خلال شهر نوفمبر الحالي. بدءًا من الرشوة فى صفوف الموظفين الحكوميين، مرورًا بضبط سلع مهربة، وصولًا لاستعادة أراضٍ منهوبة ومستولى عليها من أراضى الدولة، هناك وكيل مديرية إسكان الجيزة الذى تقاضى ٣٠٥ آلاف جنيه لتسهيل صرف مستحقات أحد المقاولين وكأن الأمر الطبيعى هو تعويق صرف المستحقات. هناك موظف فى الشئون الإدارية بمديرية أوقاف المنيا أخذ رشوة ٢٥ ألف جنيه مقابل التعيين فى إحدى الوظائف ولا نعلم ما هى تلك السلطات المخولة لهذا الفاسد حتى يعين بعيدًا عن القانون. هناك سكرتير الدائرة السادسة بالمحكمة الإدارية بمجلس الدولة وموظف بالشئون القانونية بجهاز مدينة الفيوم ومساعد رئيس مجلس إدارة إحدى شركات البترول، وصولًا إلى تهريب السيارات دون دفع جمارك وعلى البيعة مدير أحد البنوك، ففى تسعة عشر يومًا فقط وصلت الرقابة الإدارية إلى تلك القضايا وهؤلاء الفاسدين. وهم كما نرى متعددو المناصب والمواقع الهامة كوكيل مديرية ومساعد رئيس مجلس إدارة شركة بالبترول ومدير بنك. أى أن هذه المواقع تعتبر فى إطار القادرين على المعيشة، فموقع فى البترول وفى البنوك يعتبر من المواقع التى يسعى إليها الجميع لما تدره من عائد سواء مرتبات أو حوافز وأرباحا. وإذا كانت هذه المواقع فى إطار المتوسطة، فإليك مواقع أكثر تقدمًا وأعلى من المتوسطة فهناك وزير الزراعة الأسبق الذى لايزال فى السجن والذى وصلت حدوده المتدنية أن يطلب رشوة للحج هو وأسرته، الشىء الذى يظهر حالة التدين الشكلى التى لا علاقة لها بالدين ناهيك عمن يطلب عضوية نادٍ رياضى ومجموعة من الملابس. ولا ننسى وزير التموين السابق الذى كان مندوبًا فى الوزارة لكل الفاسدين حتى إنهم قد أهدروا المليارات وليس الملايين فى فساد القمح التى يندى لها الجبين. كما أن فساد الكبار قد تجاوز كل الحدود وهو يستغل كل الطرق ويبتكر شتى الأساليب. فهناك حالات فساد قانونية الشكل ومشروعة الطريقة. هناك من يسمون بأعضاء مجلس الإدارة فى أى مكان وهم الذين يواصلون الاجتماعات ليلًا ونهارًا ليس من أجل نجاح العمل ولا ابتكار أساليب حديثة لتعظيم الأرباح أو لاستحداث طرق لزيادة الإنتاج، ولكن هذه الاجتماعات بهدف الحصول على بدل الاجتماعات والمكافأة والحوافز والأرباح، حتى لو كانت المؤسسة خاسرة. هناك من يعمل تحت لائحة التوريث التى قد أصبحت شبه عرف وظيفى بل قانونى لبعض المواقع، وكأن هذا التوريث هو وفق للدستور وتطبيق للقانون، فهناك التعيين فى المناصب الخاصة بالقضاء، وقد شاهدنا اثنين من وزراء العدل قد تنحيا أو نحيا عن مواقعهما لإعلانهما بشكل سافر ومستفز بضرورة توريث القضاء وكأنه هو حق لا نقاش فيه للقاضى. مع أن ذلك ضار بالقضاء الذى يحافظ على حقوق البشر والذى هو الحامى لحقوق البشر بعد الله. فالتوريث هذا يضرب عرض الحائط بمعايير العدل فى عقر داره مجاهرًا بعنصرية بغضاء، وقد تباهت بالواسطة وارتدت ثوب الشرعية وتمسحت بالأشكال القانونية.. وهنا تكون النتيجة إهدار أحلام الحالمين وإسقاط فرص المناسبين وسحق طموح الطامحين، بل إنهم أضاعوا على منصة العدل الكفاءات بخسارة مضاعفة ليست فقط بوجود الرجل المناسب فى المكان المناسب، ولكن بتراكم الغضب وتكريس الحقد والضغينة بين أبناء الوطن الواحد الذى يأمل فى العدل ويرنو إلى المساواة.


وما لنا نذهب بعيدًا ..فالقاضى الذى ضبط معه ٦٧كيلو حشيش فى الإسماعيلية مرورًا بنفق الشهيد أحمد حمدى والذى يرجع الفضل فى هذا القبض إلى كلب الشرطة الهمام الذى أسقط الحصانة على من لا يستحق هذه الحصانة، فقد جاء على لسان مسئول بجريدة الوطن الجمعة ٢٥/١١ الجارى أن هذا القاضى قد تم تعيينه بذات الطريقة وأنه قد وجه له أكثر من إنذار عندما كان وكيلًا للنيابة وغير ذلك كثير، وهنا هذا هو الأهم هل فساد هذا القاضى الكبير ولهذه الدرجة المشينة، ما تأثير هذا الفساد الذى تم اكتشافه بنقل المخدرات على عمله فى النيابة والقضاء وكيف كانت أحكامه وحدود قانونيتها، أليس هذا النموذج من فساد بعض الكبار يفقد الثقة ويسقط المصداقية، وما هو الرأى فى فساد هؤلاء الكبار الذين تزاوجت ثرواتهم مع السلطة فجمعوا بين الثروة والسلطة وهذا أسوأ أنواع الفساد. هؤلاء هم الذين اغتنوا من السلطة باستغلال القرارات قبل أن تعلن واستغلوا المواقع فى تسهيل فسادهم الذى تعدى كل الحدود. وما دليلى على ذلك غير تلك اللجنة المشكلة برئاسة مساعد رئيس الجمهورية وعضوية وزير الداخلية الأسبق والمستشار الأمنى للرئيس والتى تقوم بحصر الأراضى المنهوبة والمستولى عليها والتى تم استغلالها فى أغراض غير ما خصصت له. مثل تحويل أراضٍ خصصت للزراعة وتم تحويلها إلى مبانٍ ومدن سكنية لا يسكنها غير تلك الطبقة الشىء الذى أسس لظهور طبقتين بين المصريين تجعل المناخ الاجتماعى والسياسى وفى ظل المشاكل الاقتصادية الخانقة يهدد بالفعل سلامة الوطن. ناهيك عن المليارات المطلوب سدادها نظير ذلك الفساد، هذه عينة قليلة من فساد الكبار. وهنا لا نريد أن نقارن بين فساد للكبار وفساد للصغار فالفساد هو الفساد، حيث إن القيم لا تجزأ و القانون هو القانون. كما أنه لا أحد يستطيع إخفاء هذا الفساد ولا تبريره. فهناك تصريحات على مدار الساعة من رئيس الوزراء بل رئيس الجمهورية بأن هناك عشرات المؤسسات الرقابية المتعددة، ولكن لا نجد صدى لهذا لمحاصرة الفساد على أرض الواقع، مما جعل هذا الفساد كالمرض المعدى الذى يسعى إلى إصابة أكبر قدر من الكبار، مما يجعل هناك مجالًا للتبرير لبعض الصغار.


دفهل نقول أن هذا الفساد ناتج عما يسمى بغياب الضمير. هنا نقول أن الضمير هو ابن لمجتمعه وربيب لأخلاقياته ونبت لعاداته وتقاليده وقيمه الدينية، فهل قيمنا الدينية حقيقية تتسق مع الإيمان الصحيح والعميق للنص الدينى أم هى قد أصبحت فى الإطار الشكلى الذى يهتم بالمظهر ولا يسعى إلى المضمون، كما أن للقانون تواجده الحقيقى والملموس الذى يضبط إيقاع الممارسة فى إطاره الصحيح. فمع العودة إلى التدين الحقيقى والبعيد عن المتاجرة بالأديان ومع دور المؤسسات الدينية والتعليم والإعلام والعمل الأهلى والأحزاب فى نشر العلم والالتزام بالقيم والتمسك بالأخلاق، يكون الأهم هو تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، وكل هذا لن يكون بدون عدالة اجتماعية توجد الكفاية للمواطن حتى يستطيع أن يعيش حياته فى إطارها العادى وبغير محاسبة الكبار وإجبارهم على المشاركة من خلال دفع الضرئب وتحمل النتائج مثل الصغير الذى لا يجد سواه الذى يدفع ويتحمل.. بغير هذا لا ننتظر حيزًا للحد من تغول الفساد الذى بغير القضاء عليه لا نستطيع أن نحل مشاكلنا الاقتصادية ولا نقضى على أمراضنا الاجتماعية ولا نحقق خططنا التنموية ولا نصل لذلك السلام الاجتماعى والتوافق الوطنى، الذى نحن فى أشد الحاجة إليه لمواجهة تلك التحديات التى نواجهها وحتى تكون مصر قولًا وفعلًا.. لكل المصريين.