«داعش» العدو الاستراتيجى لمصر والعالم

30/11/2016 - 12:11:15

  إرهابيو «داعش» من العراق وسوريا وليبيا إلى سيناء المصرى.. تنظيم إرهابى دولى يجب أستئصاله فورا إرهابيو «داعش» من العراق وسوريا وليبيا إلى سيناء المصرى.. تنظيم إرهابى دولى يجب أستئصاله فورا

بفلم - د. كمال حبيب

العدو الاستراتيجى أى الذى يمثل التحدى الأكبر لاستراتيجية الأمن القومى ، كما أنه التحدى الذى لا يمكن القضاء عليه بسرعة ، فهو باق لوقت لا يمكن تحديده ، ومن ثم الاستعداد الدائم لمواجهته .


فى السياسات العليا للدول يتحدد الأعداء بوضوح حتى يمكن تحديد بوصلة الجهد الاستراتيجى والتعبوى لمواجهة أولئك الأعداء ، لم تعد فقط الدول ولا جيوشها هى التى تمثل العدو ولا التحدى وإنما أصبح هناك أعداء وتحديات من نوع جديد نطلق عليها «الفاعلون من غير الدول» NON- STAE ACTORS، وتمثل الجماعات الإرهابية أهم وأخطر تلك التحديات من مثل تنظيم داعش .


يعتمد الفاعلون من غير الدول كتحد جديد على استراتيجيات لم تعرفها الحروب التقليدية فى ساحات القتال التى تتواجه فيها الجيوش ، وتمثل استراتيجية العربات المفخخة أحد أخطر استراتيجيات تنظيم داعش التى يستطيع من خلالها أن يواجه القوات التى تهاجمه ، ويحدث زلزالا كبيرا يتحداها خاصة لو استخدم عددا كبيرا من تلك العربات المفخخة المصحوبة بانتحاريين والتى يصعب على القوات المهاجمة أن تتحملها أو أن تثبت خطوط قتالها تحت ضغطها .


كما أن أساليب حرب الأزقة التى يتم استخدامها اليوم فى أحياء الموصل فى مواجهة القوات العراقية وقوات نخبتها وقوات أمنها والقوات الخاصة ، حيث يعتمد التنظيم استدراج تلك القوات إلى الحوارى الضيقة فى الأحياء حيث يكون قناصوه مستعدين، وحيث تكون الأنفاق معدة لتطويق تلك القوات والالتفاف حولها ، كما أن الأسلحة الثقيلة تكون إحدى أدواته فى تلك المواجهة أيضا من أسلحة محمولة على الكتف أو حتى المدفعية وربما الدبابات، حتى وإن كانت هجمات التحالف الدولى الجوية ضد داعش قد حرمت التنظيمات من تلك الأسلحة الثقيلة .


يستخدم التنظيم خاصة فى حالة سيناء ما يمكن أن نطلق عليه أسلوب الإنهاك والاستنزاف الذى يعتمد على عمليات شبه يومية يمكن وصفها بأنها عمليات عادية يعتمد فيها بشكل أساسى على زرع العبوات الناسفة على جانبى الطريق ، كما يستخدم أيضا عمليات القنص ، بيد أن أخطر عملياته هى تلك العمليات الكبيرة ذات الطابع المركب والتى يتم فيها استخدام عربات مفخخة يقودها انتحارى لتحدث الصدمة ثم يتم استخدام المواجهة الميدانية على الأرض بإطلاق الرصاص وتبادل إطلاق النار ، ويتم تدمير مركبات أو دبابات عن طريق استخدام مباشر للمتفجرات أو حتى الأسلحة الثقيلة ، ويكون الطريق إلى مكان المواجهة المستهدف قد تم تفخيخه بشكل تام بحيث لا يمكن للقوات المساعدة أو الناجدة أو حتى لعربات الإسعاف الوصول إلى المكان .


وهو يتبنى ما يطلق عليه استراتيجية « موج البحر» أى هدوء أو استنزاف معتاد ثم التجهيز لعملية كبيرة كل ثلاثة أشهر تقريبا ، بحيث تكون القوات قد اطمأنت وارتخت بعد أن كان قد تم إجهادها بعد العملية السابقة عليها بشكل أساسى ، أو تم إجهادها من خلال عملية الاستنزاف الدائم والإنهاك اليومى الذى لا يتوقف .


وتنتمى العملية الأخيرة للتنظيم فى كمين الغاز بحى السبيل غرب العريش إلى ذلك النوع من العمليات الكبيرة التى تتم فى نهاية الأسبوع ، وقد سارع التنظيم بإعلان مسئوليته عن العملية على الفور ، وغرب العريش يعنى تجرؤ التنظيم على اقتحام مناطق داخل المدينة العريش وبعدها بينما كانت عملياته تقع فى شرق العريش حيث رفح والشيخ زويد ، بيد أنه بدأ يوسع من عملياته وميدان استهدافه، ففى أكتوبر الماضى شن عملية فى منطقة بئر العبد التى تقع فى وسط سيناء والتى لم تكن ضمن ميدان عملياته ، والهدف من ذلك هو بث الرعب فى نفوس المدنيين وهز ثقتهم بقدرات قوات الجيش والشرطة.


يسعى التنظيم لخلق بيئة حاضنة له من أبناء القبائل السيناوية خاصة من الشباب والمهمشين والفقراء فضلا عن التيارات السلفية الجهادية والتكفيرية الموجودة فى المنطقة ولا بد من القول هنا إن أغلب أعضاء التنظيم وقوته التجنيدية تنتمى لشباب من أبناء القبائل الغاضبين ، صحيح هناك بعض الأعضاء من خارج مصر ومن المقاتلين الأجانب الذين يتخذون من المنطقة التى يسيطر عليها التنظيم ملاذا آمنا لهم قدموا من ليبيا أو سوريا أو العراق وحتى مناطق جنوب الصحراء فى إفريقيا ، بيد إن الأغلبية التى يعتمد عليها التنظيم فى عملياته الإرهابية يقوم بها منتمون لأبناء القبائل فى سيناء .


استراتيجية داعش فى مواجهة العالم


يعتبر داعش العالم كله عدوا له ، وخاصة الغرب الصليبى الذى يعتبر أراضيه هدفا لمقاتليه ، كما يعتبر مواطنيه أيضا مستهدفين بالقتال ، وهو يعتمد فى مواجهته العالم على استراتيجية تقوم على اعتبار أرض الخلافة فى العراق وفى سوريا والتى استطاع التنظيم لأول مرة السطو عليها وإدخالها تحت ولايته -وهو مالم يحدث لأى تنظيم إرهابى من قبل أبدا – منطقة لجذب الشباب المسلم المغامر والباحث عن هوية جديدة حيث يلتحق هؤلاء الشباب بما يتصورونه الأرض الموعودة أو الحلم المفقود وهو أرض الخلافة التى يستعيد الناس فيها الحكم بالإسلام والشريعة ، وهناك آلاف من الشباب المسلم من الدول الأوربية قدرت فى بعض الأوقات بعشرات الآلاف (ثلاثين ألفا فى بعض التقديرات)، بالطبع هؤلاء قلوا الآن إما بسبب قتلهم أو بسبب عودتهم إلى بلدانهم مصدومين فى الوعد الكاذب الذى تخيلوه فلم يجدوه، وبعضهم يعود الآن بعد الضغوط على التنظيم فى مقر أرضه فى الموصل والرقة وغيرها من الأقاليم .


فى أرض الخلافة تلك صدرت الأوامر بالهجوم على المدن الكبرى الغربية فى باريس فى نوفمبر ٢٠١٥ والتى راح ضحيتها ما يقرب من مائة وثلاثين قتيلا فى سلسلة عمليات هى الأخطر التى تواجهها فرنسا منذ الحرب الثانية ، وفى بروكسل والتى راح ضحيتها ٣٢ قتيلا ، وتشير المعلومات إلى أن خلية واحدة اتخذت من بلجيكا مقرا لها وتحركت بين البلدين ونفذت تلك العمليات الخطيرة .


وقبل أن ينصرم الأسبوع الماضى أعلن مدعى عام باريس أن هناك خلية بايعت التنظيم فى مركزه الاستراتيجى وتلقت أوامر من قيادات فى العراق وسوريا للقيام بعمليات فى مطلع هذا الشهر تستهدف عشرة مواقع فى باريس منها الشانزلزيه ومحطة مترو باريس ومنتزه ديزنى لاند ومقر الشرطة القضائية وأرصفة مقاهٍ ، وهذه الخلية ضمت فرنسيين ومغربيا وأفغانيا .


أى أن المركز الاستراتيجى لدولة الخلافة هو الذى يتم إصدار أوامر بالقيام بعمليات فى عواصم العالم الغربى منه ، كما أنه يتم تدريب وتجنيد الشباب الغربى الذى يصل إلى مناطق القتال فى سوريا والعراق ، وهم يعودون إلى بلدانهم لينفذوا عمليات هناك ، وهذا هو المجال الثانى لاستراتيجية داعش فى مواجهة العالم ، حيث يستهدف ما يطلق عليه المناطق الرخوة عبر الشبكات المخفية SUBMERGED-NETWORK أو عمليات الذئاب المنفردة .


المجال الثالث هو الولايات التى بايعت التنظيم على خريطة العالم والتى تمتد من إفريقيا إلى آسيا إلى أغلب بلدان العالم الإسلامى من نيجيريا وحتى بنجلاديش وباكستان وأفغانستان، وهذه الولايات تقوم بعملياتها ومنها «ولاية سيناء « فى مصر لتخفيف الضغط على التنظيم فى مركزه الاستراتيجى حيث يواجهه العالم كله للتخلص من شره ، كما أنها تسعى فيما يطلق عليه التنافس الجهادى العالمى لإثبات وجودها وقدرتها وتحديها للدول التى تنشط فيها .


استراتيجيات مواجهة داعش


من الواضح أن هناك تبادلا جيدا للمعلومات بين الأجهزة الأمنية وأجهزة التحقيق فى أوربا والغرب ، فالتحقيقات التى تتابع بصبر وأناة الخلايا والشبكات التى كان يقودها صلاح عبد السلام المحتجز الآن فى باريس تحاول تعقب الصورة ورسم ملامح واضحة لمعرفة وجود تلك الشبكات والعلاقات التحتية لأعضائها ، وهناك نظم محاسبة صارمة لا تعرف التهاون فى مواجهة خطر داهم على عواصم أوربا الكبرى وعلى المدن الأمريكية أيضا ، وعلى مدن روسيا أيضا .


أما نحن هنا فى مصر فما نقوله هنا فى هذا المقال أن الخطر الاستراتيجى والتهديد الكبير لأمننا القومى يتمثل فى ذلك التنظيم فذلك يعنى أن نتسلح بالمعلومات فى مواجهته، وأن نتسلح بروح الجدية والصبر الجميل والطويل لمواجهة ذلك الخطر ، وأن نتسلح بروح الحرب الجديدة تلك والتى هى حرب غير تقليدية تعتمد على السباق مع التنظيم للحصول على معلومات عن عملياته، وبالتالى استباقه وقطع الطريق عليه ، كما تعتمد تلك الحرب على خلق العملاء بين أبناء القبائل وحمايتهم ، والوصول بالخدمات إلى الأهالى فى سيناء ، وتواجد الهيئات الثقافية والدينية والشبابية هناك وفى قلب المناطق التى يتواجد فيها ذلك التنظيم وإدارة حوار لبيان أنه تنظيم إرهابى لا علاقة له بالدين .


العملية الأخيرة فى العريش بكمين الغاز فى منطقة السبيل تكشف عن قصور لا بد من الاعتراف به، فما معنى أن يكون الكمين ٣١ جنديا يقتل ١٣ ويصاب ١٣ وتوجد جثث القتلى ملقاة على أرض المواجهة، وهو ما يعنى أن التنظيم قد نفذ عمليته الكبرى تلك مستندا إلى استراتيجية العمليات المركبة التى تم استخدامها من قبل فى الكتيبة ١٠١ وفى كرم القواديس ، دون أن يواجه تقريبا بأى مقاومة .


هناك مشكلة تحتاج لمراجعة استراتيجية مصر فى مواجهة التنظيم الغادر خاصة ما يتصل بالكمائن الثابتة ومواجهة العمليات الكبيرة المركبة للتنظيم ومواجهة الألغام المزروعة على جانبى الطريق فى منطقة المواجهة النائية مع ذلك التنظيم الإرهابى .


لا يمكن أن نبقى صامتين تجاه اختطاف أبنائنا من جانب هذا التنظيم المجرم بنفس الطريقة وبنفس الأدوات واستراتيجيات المواجهة ، لا بد من وضع استراتيجية حقيقية إذا كنا نعتقد فعلا أن هذا التنظيم يمثل الخطر الداهم والعدو الاستراتيجى لنا ، ولا يمكننا الاستهانة بأرواح جنودنا الأبرار ، علينا حماية هؤلاء الجنود فهم مسئولية فى رقابنا لوقف واجتثاث تحدى ذلك التنظيم من جذوره .