أبعاد السيطرة الروسية الكاملة على شرق المتوسط

30/11/2016 - 12:07:10

  منظومة الصواريخ الروسية الدفاعية والهجومية منظومة الصواريخ الروسية الدفاعية والهجومية

بقلم: العميد خالد عكاشة

اختارت روسيا يوم الخامس عشر من نوفمبر، ليكون تاريخ بدء توجيه القوات المسلحة الروسية ضربات واسعة النطاق ضد مواقع «داعش» و «جبهة النصرة» في سوريا، نفذت الضربات بمعظمها من البحر عن طريق أسلحة صاروخية على متن الفرقاطة «الأدميرال جريجوروفتش” وحاملة الطائرات “الأدميرال كوزنتسوف”، وكلاهما لم يتم استخدامهما في القتال من قبل، حيث تنتميان إلى مجموعة قطع أسطول الشمال، وقد بدأتا حملتهما في البحر الأبيض المتوسط ١٥ أكتوبر الماضي وفي أول نوفمبر وصلتا إلى الجزء الشرقي من البحر الأبيض المتوسط جنوب شرقي قبرص، ومنذ ١٢ نوفمبر تناور هذه السفن على طول الساحل السوري، الجدير بذكره أن الفرقاطة «الأدميرال جريجوروفتش» والزوارق المرافقة لها هي في الأساس جزء من أسطول البحر الأسود، ولكنها تتعاون في بعض المهام العسكرية مع سفن أسطول الشمال.


أول من لفت الانتباه وقام بنشر معلومات حول هذا التحرك البحري الروسي غير المسبوق في منطقة شرق المتوسط، كانت هي الصحيفة البريطانية اليومية «تايمز»، حيث ذكرت فضلا عما سبق من معلومات أن هذه المجموعة تضم أيضا اثنتين من الغواصات طراز «شوكا» وغواصة من طراز «فارشافيانكا»، رغم أنه لم يتم التأكيد من وزارة الدفاع الروسية على هذه المعلومات المتعلقة بالغواصات القتالية، ففي الوقت الذي أطلقت الفرقاطة «جريجوروفتش» بالفعل صواريخ «كاليبر» المجنحة نحو الأراضي السورية، لابد من الالتفات لأن هذه الصواريخ المجنحة تطلق أيضا من قبل الغواصات «فارشافيانكا، وشوكا»، حيث نفذ أسطول الغواصات الروسي أول هجوم صاروخي على الأهداف المعادية باستخدام صواريخ مجنحة في ديسمبر الماضي، عندما أطلقت الغواصة «روستوف» صواريخ «كاليبر» من شرق البحر المتوسط ضد أهداف لـ «تنظيم داعش» في محافظة الرقة.


بالنظر أيضا لوصول حاملة الطائرات «الأدميرال كوزنيتسوف» من حيث كونها قادرة على إحداث تغيير جذري في الموازين الاستراتيجية لتلك الساحة من المتوسط، حيث إن تلك القطعة البحرية العملاقة لديها القدرة على تغيير ديناميكية العمليات الروسية في سوريا بصورة تكاد تكون كلية، فحاملة الطائرات هذه تمتلك قدرا كبيرا من قوة النيران الذاتية، فضلا عما تستضيفه من طائرات ومروحيات كقدرات إضافية، ويشمل نظام دفاع «الأدميرال كوزنيتسوف» النظام الصاروخي ( P-٧٠٠ ) مع ١٢ من صواريخ جرانيت، وتعد هذه المنظومة وفق المقياس العسكري هي أقوى الصواريخ المجنحة المتاحة للسفن حاليا في منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكمله، فلديها الإمكانية لضرب أهداف على مسافات تتعدى (٣٧٠ ميلا بحريا) كما أن لديها ثمانية أنظمة «كورتيك» مضادة للطائرات، ومجهزة أيضا بصواريخ ومدافع ضد المنشآت المدفعية البحرية وأربعة أنظمة صواريخ مضادة للطائرات، هذه الأنظمة تساعد «كوزنيتسوف» على السيطرة على المجال الجوي فوق وحدات البحرية الروسية وكذلك الأهداف الساحلية، بالإضافة إلى القدرات الصاروخية، يمكن لـ «الأدميرال كوزنيتسوف» أن تحمل (٢٦ طائرة سو ٣٣، وميج ٢٩)، فضلا عن (٢٤ طائرة هليكوبتر) في هذه الحاملة، عدد طائرات الميج الذي يمكن أن يصل على متن الحاملة إلى ثماني طائرات يمكنها أن تحمل قنابل من نوع (KAB-٢٠٠) بما في ذلك القدرة على تحديد المواقع، وكذلك يمكنها أن تتزود بصواريخ (H-٣٥) المتطورة المضادة للسفن وللقطع البحرية.


هذه القوة البحرية الروسية استطاعت أن تنفذ عمليتين إجهاضيتين ضد وحدات بحرية تابعة لحلف شمال الأطلنطي حاولتا القيام بعمليات تجسس واعتراض للقوة الروسية، أولهما كانت في ٩ نوفمبر بعد وصول القطع الروسية إلى منطقة شرق المتوسط عندما كشفت المجموعة البحرية الروسية «غواصة هولندية» كان تحاول تتبع الوحدات الروسية. تم الكشف عن الغواصة الهولندية التابعة لحلف شمال الأطلنطي من السفينتين «سيفيرومورسك، وكولاكوف» على مسافة (١٢ ميلا بحريا) بمساعدة أنظمتها الرادارية الصوتية المائية وكذلك بمساعدة طائرات الهليكوبتر المضادة للغواصات، وذكر حينها المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية “إيجور كوناشنكوف” أنه على الرغم من أن الغواصة حاولت المناورة في طريقها نحو وحدة بحرية روسية، فقد تمكنت السفن من رصدها وإقامة اتصال صوتي مستقر معها لأكثر من ساعة، وبادرت السفن الروسية بتقييد نطاق حركتها وأجبرتها على مغادرة المنطقة التي توجد فيها مجموعة الطائرات الروسية، العملية الثانية التي تم كشفها كانت عبر ملاحقة مماثلة من الغواصة الأمريكية (USS – فرجينيا) والتي قامت بعمليات تصوير لدخول القطع البحرية الروسية ووصولها إلى منطقة شرق المتوسط، وقد قامت القطع البحرية الروسية بمساعدة الغواصات المرافقة لها بتحييد الغواصة الأمريكية وإجبارها على مغادرة منطقة عمل القطع الروسية، واستطاعت القوة البحرية الروسية فيما بعد تلك العمليتين الاحتفاظ بالنطاق الآمن لقواتها في المساحات البحرية التي حددتها للتواجد أو للمشاركة في عمليات الحرب على الإرهاب التي تقوم بها على الأراضي السورية .


بالعودة إلى تاريخ ١٥ نوفمبر الماضي وهو ما أعلن فيه «وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو» عن انطلاق عملية عسكرية واسعة تنفذها القوات الروسية ضد الإرهابيين في منطقتين حددهما بريفي «حمص، وإدلب»، جاء ذلك في تقرير قدمه للرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» في سوتشي مع القيادة العليا للقوات المسلحة الروسية: «اليوم في الساعة ١١ صباحا، بدأنا عملية واسعة بشن ضربات مكثفة على مواقع (داعش، وجبهة النصرة) في ريفي إدلب وحمص»، وأشار الوزير إلى أن حاملة الطائرات «الأدميرال كوزنيتسوف» انضمت للعمليات القتالية «إذ أقلعت مقاتلات (سو-٣٣) من على متنها وضربت مواقع تابعة للإرهابيين»، وأكد أنها أول مشاركة لحاملة طائرات روسية في أعمال قتالية في تاريخ الأسطول الحربي الروسي، كما انضمت للعملية الفرقاطة «الأدميرال جريجوروفيتش»، حيث أوضح شويجو أن الفرقاطة أطلقت صباح ١٥ نوفمبر صواريخ «كاليبر» المجنحة على أهداف تم تحديدها مسبقا، تستهدف بالدرجة الأولى «الإنتاج الصناعي» للمواد السامة التي أطلقتها التنظيمات الإرهابية، وأوضح الوزير أن «الحديث يدور عن مصانع وليس عن ورش، إنها مصانع فعلا مخصصة لإنتاج أنواع مختلفة من أسلحة خطيرة للدمار الشامل»، وأضاف شويجو «الأهداف الرئيسية التي يتم ضربها عبارة عن مخازن ذخيرة، وأماكن تمركز ومعسكرات تدريب للإرهابيين، ومصانع لإنتاج أنواع مختلفة من الأسلحة والذخائر»، وأكد شويجو أنه قبل الشروع في توجيه الغارات، قام العسكريون الروس بعمل استطلاعي واسع النطاق ودقيق من أجل تحديد إحداثيات دقيقة للأهداف، وأن طائرات استطلاع روسية وطائرات بلا طيار تراقب سير العملية التي انطلقت ١٥ نوفمبر، سأل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الدفاع سيرجي شويجو، «لقد طلبت منكم تأمين حماية القوات الروسية المتواجدة في القاعدة البحرية الروسية بمدينة طرطوس، والقاعدة الجوية في مطار حميميم، ماذا حققتم حتى هذه اللحظة؟ « أجاب وزير الدفاع عن ذلك بأنه تم تأمين حماية القوات الروسية بشكل محكم، مذكرا بوجود أنظمة الدفاع الجوي (S – ٣٠٠) و(S – ٤٠٠) و(بانستير) لحماية القوات الروسية المتواجدة على الأراضي السورية أو في نطاقها البحري.


هل يمكن في ظل هذا التواجد العسكري الروسي المكثف برا وبحرا ووصول وحدات عسكرية جديدة لساحة العمليات تخل بقوة بالميزان الإستراتيجي، أن نطرح تساؤلا واجبا عن مواجهة عسكرية قد تبدو محتملة ما بين روسيا والولايات المتحدة خاصة بعد فرض معادلة قوة جديدة في شرق المتوسط، وربما الأكثر واقعية في التساؤل أن تكون المجابهة مع «حلف الأطلنطي»، لاسيما والأطراف الأوربية تبدي تململا واضحا ومعلنا من هذا الخلل الجديد، ففي ١٣ أكتوبر الماضي أوصى وزير الخارجية البريطاني بأنه حان الوقت للنظر في «خيارات عسكرية» لحل المسألة السورية، وكان هذا في معرض حديثه تعليقا على الضربات الجوية الروسية المشتركة مع قوات النظام على مدينة حلب، وتعبيرا عن أن الانتظار الأوربي للولايات المتحدة كي تفرغ من انتخابات الرئاسة وتوابع تغييراتها الداخلية قد وصل إلى منطقة حرجة، وأن صبر الحلفاء الأوربيين قد بدأ يدخل مراحله الحرجة وروسيا تستثمر تلك الفترة الرمادية في خطوات متسارعة لخلق واقع جديد على الأرض والبحر، لكن هذا الواقع على الأرض لديه معطيات قد تتجاوز الاستعداد النفسي والعسكري الغربي لخوض مواجهة مباشرة مع روسيا، فهناك العديد من الاشارات التي تدل على أن القوى الغربية بدأت تفقد سيطرتها على «التنظيمات المسلحة» فضلا عن «الشركاء» الحائرين، وغدا الجميع في صورة من يلعب منفردا ولحساباته الشخصية الضيقة بعد فترة خذلان طويلة من قدرة المحور الغربي على إكسابه نقاطا للفوز يمكن تلمسها بشكل واقعي.


الحلفاء الأوربيون وشركاء الأطلسي الذين ينتظرون تقديم رؤيتهم للطرف الأمريكي بمجرد تسلم القيادات الجديدة لأماكنها، وهم في ذلك لا يعولون على الرئيس ترامب، بل هم يضعون مراهنتهم على حسابات البنتاجون وممثليه في «الناتو»، حيث تتمحور الرؤية حول علاج الخلل الاستراتيجي في منطقة شرق المتوسط كمدخل لجعل سوريا بمثابة «منصة جذابة» للمواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا، بفرضية أنه لا توجد مصالح روسية جدية وكبيرة في سوريا تدفعها للاستمرار في المواجهة حتى النهاية، وربما هذا يدفع لأن تكون فترة الصراع قصيرة قدر الإمكان بشرط أن يؤدي في النهاية إلى سحب روسيا لقواتها من هذا المربع الحيوي «سوريا، وشرق المتوسط»، دون الدخول في منحنيات تسوية قد تعيد إنتاج فترة «رمادية أوباما» والتي بدأ يشار إليها الآن كونها هي سبب هذا الاختلال الاستراتيجي الذي يقف الغرب أمامه بقلق، لكن حقيقة الظن بأن روسيا قد تقدم ما يمكن اعتباره «تضحية صغيرة» من أجل الحفاظ على ما هو أهم، هذا باعتبار التلويح العسكري الغربي والبدء فيه هو إشارة الدخول الروسي على سلم التنازلات وتقييم سوريا بالنسبة لموسكو كـ «تضحية صغيرة»، نراها وفق التحركات العسكرية الروسية الأخيرة وما أحرزته مقاربة يجانبها الصواب، لاسيما مع الترتيبات المستقبلية الروسية بالمنطقة، فالتقدير الواقعي اليوم يفصح عن أن روسيا تعتبر سوريا ومنذ فترة طويلة جزءا من «صورتها الكبيرة» ولها ملحقات إيرانية بالإضافة وتركية بالمجابهة، لهذا هي الآن أمام اختبار حاسم لا يعطي لها حتى مجرد رفاهية التراجع عن تلك الملفات المتداخلة باعتبار أن هذا الحضور الفعال هو في حد ذاته للحفاظ على حقها في تسمية نفسها «قوة عظمى».