هل يكشف فوز ترامب عن زيف الانتخابات الأمريكية؟

30/11/2016 - 12:04:52

لواء أح دكتور: مصطفى كامل محمد

تُعتبـر نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التى تم إجراؤها وأسفرت عن فوز المليارديـر دونالد ترامب ليكون الرئيس الـخامس والأربعيـن للولايات المتحدة أحد أهم المتغيرات الرئيسية التى أثرت تأثيرا كبيرا فى المعادلة الدولية والمعادلات الإقليمية فى المناطق الإقليمية المختلفة، إلى الحد الذى بدأت فيه القوى العـظمى والكبرى، والقوى الإقليميـة فى إعادة حساباتها الإستراتيجية لمواجهة تأثيرات هذا المتغـيـر الذى اتسم بعـدة خصائص مميزة، فقد اتسم أولا بفوز المرشح الرئاسى الذى لم يمارس السياسة من قبل، واتسم ثانيا بفوز المرشح الذى لم يتوقع فوزه أكثر المحللين السياسيين والإعلاميين تفاؤلا، واتسم ثالثا بسرعة وكثافة وتراكم تفاعلاتـه، واتسم رابعا بالتناقض الكبير فى ردة فعل المجتمع الأمريكى ذاته بفوز «دونالد ترامب»، ليكون رئيسا لإدارة شئون أقوى دولة فى العالم لفترة رئاسية واحدة، ربما تمتد إلى فترتين رئاسيتين .


فبالرغم من أن فوز هذا المرشح قـد قوبل بالارتياح الشديـد من جموع الأمريكيين المؤيدين له والذين يُمثلون الأغلبية، إلا أنه قوبل أيضا بالاحتجاجات والمظاهرات المناهضة والرافضة له فى العـديـد من مدن بعض الولايات، خاصة فى فيلادلفيا وبورتلاند ودالاس وميتشجان وغيرها من الولايات، بل أعلنت ولاية كاليفورنيا رغبتها فى الانفصال عن الولايات المتحدة، التى قـد يتبعها دعوات انفصالية لولايات أمريكية أخرى حال تأييد الدعـوة الانفصالية عـنـد إجراء الاستفتاء الشعبى عام ٢٠١٨، وهو العام الذى سيُجرى فيه انتخاب حاكم الولاية، وبذلك تتحول كاليفورنيا إلى دولة مستقلة، خاصة أن هذه الولاية تتمتع بجميع المقومات التى تجعـل منها إحدى الدول الكبرى، سواء من حيث كتلتها الحيوية (مساحة إقليمها وعدد سكانها، والتفاعل السليم بين هذين العنصرين)، أو موقعها الجيوستراتيجى المميـز بين الولايات الأخرى، حيث تُشرف على أطول شاطىء لولاية أمريكية على المحيط الهادى، كما تتمتع الولاية بسادس أكبـر اقتصاد فى العالم، وهو ما يُؤهلها لإدارة شئونها الخارجية والداخلية بكفاءة عالية، وربما تكشف هذه الاحتجاجات والمظاهرات المناهضة والرافضة لترامب، وكذا دعـوة كاليفورنيا للانفصال عن افتقار الانتخابات الأمريكية إلى معايير النزاهة والشفافية، وربما تكشف أيضا عن زيف الانتخابات الأمريكية، بل عن زيف العملية الديموقراطية للولايات المتحدة برمتها، فما هى قرائن هذا الزيف؟


للإجابة عن هذا التساؤل فإنه يتعين أولا أن نتتبع العملية الانتخابية للرؤساء الثلاثـة الذين تم انتخابهم على التوالى، بوش الإبن (٢٠٠١ ـ ٢٠٠٩)، وأوبـاما (٢٠٠٩ ـ ٢٠١٧)، وأخيرا ترامب (٢٠١٧ ـ ؟!)، فـقـد شهـدت العمليـة الانتخابية بين بوش الابن، وبين آل جور عملية إعادة فرز أصوات الناخبين يدويا فى بعض الولايات، فهل يُمكن للولايات المتحدة التى تُعتبر أكثر الدول تقـدما وامتلاكا لأحدث التقنيات وأكثرها تطورا فى العالم، أن تُخطئ فى فرز أصوات الناخبين فى عـدد محدود جدا من ولاياتها، وتقوم بفرزها يـدويـا؟!، ثم أعلنت فوز بوش الابن حتى يلعـب دورا يتسق مع مرحلة ما بعـد أحداث ١١ سبتمبر (غزو واحتلال وتقسيم العراق تحت دعوى امتلاك الرادع النووى، ودعم ورعاية الإرهاب، وتخليصه من استبداد قائده السياسى، والتأسيس للدولة الديموقراطية)، وهو الرئيس الذى افتقـر إلى الشخصية الكارزميـة والذكاء السياسى، وافـتـقـر أيضا إلى الرصيـد الشعـبى الواسع الذى يؤهله لقيادة أقوى دولة فى العـالم، ولذلك استحق أن يُوصف بالقائد السياسى الأكثر غـباء، واستحق أيضا أن يُرشق بالحذاء ويذهب إلى غـيـر رجعـة .


وجاء أوباما فاستشعـر المراقـبـون أن هناك تطورا يدعـو إلى التفاؤل والأمل فى أن تقيم الولايات المتحـدة علاقات دولية ذات صيغ تعاونية مع الآخـريـن، وتشكل أساسا لصياغة سياسة خارجية تُؤدى إلى تحسين صورة الولايات المتحدة التى شوهها بوش الابن، ولعله من المناسب التذكير بالحديث الذى أدلى به أوباما لجريدة «شيكاغـو تريبيـون» بعـد فوزه مباشرة قبل أن يتسلم سلطة إدارة شئون الولايات المتحدة، حيث صرح بأنه سيعـمل أولا على إقامة علاقات أساسها الاحترام المتبادل مع الدول ذات النوايا الحسنة التى ترغب فى ازدهار شعـوبها، وأنه يخـطط ثانيا لإلقاء خـطاب شامل من أحـد العـواصم الإسلامية عـقب توليه مسئولية الإدارة بالولايات المتـحدة، وأنه لن يتراجـع ثالثا عـن محاربـة الإرهاب الدولى أينـما وجـد، وأنه سيعـمل رابعا على تحسيـن صورة الولايات المتحـدة فى العالم بوجه عام، وفى العـالم الإسلامى بالشرق الأوسط على نحـو خاص، وأنه سيؤدى خامسا وأخيـرا القسم الدستورى باسمه ثلاثيا، وما يهمنا هنا ما جاء فى رابعا، حيث جعل خريطة العالم الإسلامى تتطابق مع الخريطة السياسية للشرق الأوسط (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، وهو الهدف النهائى الذى جاء من أجل تحقيقه فى فترتى رئاسته، وما جاء فى خامسا بأنه سيؤدى اليمين باسمه ثلاثيا، فما الذى يعنى العالم إذا كان الرئيس الأمريكى المنتخب سيؤدى القسم الدستورى باسمه ثلاثيا أو ثنائيا أو حتى رباعيا؟!، إذ يُمكن ملاحظة أن اسم «باراك» هو اسم يهودى بحت يعـنى البرق بالعـبـرية، و»حسيـن» هو اسم إسلامى بحت له مقامه العظيم فى نفوس المسلمين السنة، وله قداسته فى نفوس جموع الشيعة على حد سواء، و»أوباما» اسم أفريقى محايـد يتسق مع لون بشرته، فهل يمكن أن تأتى مكونات هذا الاسم مصادفة؟!، أم هو اسم تم تركيبه ليتسق مع طبيعة مرحلة ما بعـد بوش الابن لتحقيـق هدف معـيـن يستغـرق تحقيقه أن يتولى فيها رئيس بمواصفات أوباما رئاسة الولايات المتحدة لفترتين رئاسيتين؟.


وفى خطاب النصر بعـد فوزه فى الانتخابات الرئاسية للفترة الأولى، الذى ألقاه «باراك حسين أوباما» وعـد العالم بولايات متحدة جديـدة، ووعـد العالم الإسلامى بفجر وشيك، ووعـد العالم العـربى بعلاقات يسودها الاحترام المتبادل، ووعد الفلسطينيين بحل الدولتين، ثم فى خطاب النصر بعد إعادة انتخابه للفترة الرئاسية الثانية، وعـد الجماهـيـر الحاشـدة بأنـه سيعـود إلى البيت الأبيض وهو مفعـم بالآمال، حتى يُحقق مستقبلا أفضل للولايات المتحدة، ويتغـلب عـلى التحديات التى تواجه بلاده، أما وقد أوشكت فترة رئاسته الثانية على نهايتها بعـد أيام، ولم يصدق بالوفاء بوعـد واحد من الوعود التى وعـد بها، ففقد مكانته وتدنت شعـبيته إلى أدنى مستوياتها، حيث وعد الجميع بكل شىء، لكنه لم يعـط أحدا أى شىء، فاستحق أن يُوصف بالقائد السياسى الأكثر فشلا فى قيادة أقوى دولة فى العالم عـنـدما خدع الجميع باسمه الذى أصر أن يؤدى به القسم الدستورى .


ثم جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين ترامب وهيلارى كلينتون، ليلعب مكتب التحقيقات الفيدرالى ( FBI Federal Bureau Of Investigation ) دوره الرئيسى فى توجيه الرأى العام الأمريكى، خاصة فى فترة المناظرات الثلاث التى تم إجراؤها بين مرشحى الرئاسة، إذ تُعـتبر فترة هذه المناظرات هى الأداة الرئيسية لفوز الرئيس الأكثر قدرة على إدارة شئون الولايات المتحدة للفترة الرئاسية المعـنية، الرئيس الذى يُمكنه تلبية مطالب سياسة وأهداف وإستراتيجية الولايات المـتحـدة المخطط لها سلفا، فـقـد قام مديـر هذا المكتب بتوجيه رسالة إلى الكونجـرس يؤكد فيها أنه قرر إعادة فتح التحقيق بشأن رسائل كلينتون الإلكترونية، وأنه سيحيلها إلى المحامى العام General Attorney حال إدانتها، وبعـد تسعة أيام كاملة، أى قبل يومين فقط من بدء الانتخابات، أرسل رسالة ثانية إلى الكونجرس يؤكد فيها عدم ملاحقة المرشحة الديموقراطية هيلارى كلينتون فى قضية رسائلها الإلكترونية، حيث قام المكتب بمراجعة جميع الرسائل الإلكترونية التى اكتشفت أخيرا، وقد توصل إلى قناعة كاملة إلى عـدم وجود مخالفة واحدة تقتضى متابعة المرشحة للانتخابات الرئاسية الأمريكية هيلارى كلينتون، والغريب أن هذه النتيجة هى نفس النتيجة التى توصل إليها المكتب الفيدرالى وأعـلنها فى شهر يوليو (أى قبل إجراء الانتخابات بأربعة أشهر كاملة)، لكنها أثرت تأثيرا سلبيا وبدرجة كبيرة على شعبية مرشحة الحزب الديموقراطى، فقد تسببت فى تقليص الفارق فى استطلاع الرأى الأخير بين المرشحين إلى أدنى حـد، ثم قام مكتب التحقيقات الفيدرالى ( FBI ) بتوجيه ترامب لتركيز جهوده الرئيسية فى الولايات المتأرجحة، والتى كانت تعـول عليها كلينتون لتأكيد فوزها بالانتخابات الرئاسية .


لكن الإجراء الأهم الذى قام به رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالى، وهو الإجراء الذى حسم نتيجة هذه الانتخابات بين المرشحين، هو قيامه بتوجيه المرشح الذى أثبت قدرته على إدارة شئون الولايات المتحدة فى الفترة القادمة لإلقاء خطاب فى اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة Israeli Public Affair Committee American (AIPAC أيباك)، لاستغلال الخصائص التى يشتهـر بها اليهـود، خاصة قدرتهـم العالية على جمع المال لدعم حملته الانتخابية ماديا، وامتلاكهم معـظم دور النشر ووسائل الإعلام ليس فى الولايات المتحدة فحسب ولكن فى أوربا أيضا، بما يُؤدى إلى توجيه الرأى العام الأمريكى لصالحه، كما يستطيع استغلال قدرتهم الفائقة على التنظيم، فبالرغم من أن عـدد يهود الولايات المتحدة لا يتعـدى ٨ ملايين نسمة يمثلون القـلـة فى المجتمع الأمريكى (٥,٢ ٪)، إلا أن هذه القلة بسيطرتها على جميع مؤسسات وجمعيات اليهود فى الولايات المتحدة، وحسن تنظيمها هى التى ستتمكن من حشد وتوجيه الملايين يوم الانتخابات، كما أن هذه القلة هى التى تسيطر على مراكز صناعة القرار الأمريكى فى الكونجرس الأمريكى بمجلسيه (الشيوخ والنواب)، وبالتالى تُعتبر هى الـمتحكـم الـوحيـد فى القرار الأمريكى وفى الخزانة الأمريكية وهو الأهم، فذهب ترامب إلى هذه اللجنة فى مقرها وسط حشد هائل، ووعدهم بأن علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل ستظل أبدية غـيـر قابلة للكسر Unbreakable، ووعدهم بأن تكون القـدس الموحدة هى العاصمة الأبدية للدولة اليهودية، وعلى العرب القيام بنبـذ مشاعر الكراهية تجاه شعب الله المختار، وعليهم القيام أيضا بتعديل مناهج تعليم أطفالهم نحو نبـذ هذه السياسة وتطبيقاتها تجاه اليهود، ووعـدهـم بتحقيـق الحلم الدائم ليهود العالم بفرض واقع الدولة اليهودية تحقيقا لقول الـرب «كما يدعـون» (ها أنا ذا آخذ بنى إسرائيل من بين الأمم التى ذهـبـوا إليها فى كل ناحية وآتى بهم إلى أرضهم، وأصيٌرهم أمة واحدة» (حزقيال ٣٧:٢١ ـ ٢٢)، وبشرهم بيهودية حفيده المنتظر، حيث إن ابنته ستضع طفلا يهوديا جميلا قد يعيش فى إسرائيل فى المستقبل.


وبالرغم من كل ذلك، ففى يقينى أن سيـاسـة وأهداف وإستراتيـجـيـة الولايات المـتحـدة الأمريكية سـتظـل ثابـتة لا تـتغـيـر بتـغـييـر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لكن الذى يُمكن أن يتغيـر هو إعادة تقييم هذه الأهداف، وإعادة ترتيب أسبقياتها فى قائمة أولويات تحقيقها، وربما يتم تغييـر أو تعـديـل أدوات إستراتيجية تحقيقها، كما أن القائد السياسى الأمريكى المنتخب سيظل دائما يلعـب دورا هامشيا فى توجيه العلاقات الدولية فى فترة أو فترتى رئاسته للولايات المتحدة، بما يتسق مع سيـاسـة وأهداف وإستراتيـجـيـة الولايات المـتحـدة المخطط لها سلفا، وحسبما تقتضى مصلحتها العليا .