الشرق الأوسط وموعد مع المجهول!

30/11/2016 - 11:54:45

بقلم: السفير: حسين هريدى مساعد وزير الخارجية الأسبق

على عكس أغلب التوقعات فاز دونالد ترامب فى انتخابات الرئاسة الأمريكية فى ٨ نوفمبر الجارى على منافسته عن الحزب الديمقراطى السيدة هيلارى كلينتون.


فوز ترامب الجمهورى لم يسبب مفاجأة مدوية داخل الولايات المتحدة فقط ، وإنما فى كافة أنحاء العالم ، فمواقفه خلال الحملة الانتخابية للرئاسة أو خلال الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهورى أثارت العديد من ردود الأفعال القوية ، سواء تلك المواقف المتعلقة بالسياسات الداخلية فى الولايات المتحدة أم ما يرتبط بتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العديد من القضايا الخارجية وبصفة خاصة ما يتعلق بالحرب على الإرهاب أو الوضع فى سوريا أو العلاقات مع روسيا ومع الحلفاء والشركاء التقليديين لواشنطن فى المناطق الجغرافية المختلفة فى العالم التى تشهد صراعات مسلحة ، فى سوريا وأوكرانيا على سبيل المثال ، والصراع العربى -الإسرائيلى ، وأخيرا وليس بآخر الاتفاق النووى الموقع بين إيران ومجموعة الخمسة +١ فى ١٤ يوليو ٢٠١٥.


كانت المواقف التى تبناها « ترامب» تتناقض بصورة مطلقة مع سياسات وتوجهات إدارة الرئيس الأمريكى الجالس باراك أوباما ومع المواقف التى تبنتها مرشحة الحزب الديمقراطى هيلارى كلينتون، تلك المواقف التى كانت تعبر فى واقع الأمر عن سياسات أوباما . وهذا لم يكن مفاجأة فقد كانت السيدة « كلينتون» وزيرة خارجية « أوباما» فى مدة ولايته الأولى من ٢٠٠٩ -٢٠١٣، ويمكننا القول إنها من ضمن المسئولين الأمريكيين الذين دفعوا أوباما إلى تبنى تلك السياسات التى كادت تدمر العلاقات الروسية-الأمريكية أو الأوضاع فى ليبيا وسوريا. بالنسبة لمصر انتهجت «هيلارى كلينتون» خطا متشددا تجاه المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الفترة منذ تخلى الرئيبس الأسبق محمد حسنى مبارك عن الحكم فى ١١ فبراير ٢٠١١ وحتى بدء الولاية الثانية « لأوباما» فى يناير٢٠١٣، عندما تم تعيين « جون كيرى» وزيرا للخارجية بدلا منها ، لكن استمرت السياسات الأمريكية فى الشرق الوسط وأوكرانيا على ما هى عليه ، مع تغييرات محدودة فى التكتيك . وقد لوحظ هذا التغير بطريقة ملموسة فى كيفية تناول الإدارة الأمريكية لثورة ٣٠ يونيه فى مصر ، وأطر التعاون مع موسكو فى سوريا.


ومما لا شك فيه أن الإدارة الجمهورية الجديدة فى واشنطن ستنتهج توجهات جديدة فى السياسة الخارجية الأمريكية فى الشرق الأوسط ، والسؤال المطروح علينا هو إلى أى مدى ستتغير هذه السياسة إزاء الملفات الرئيسية بالمنطقة التى يمكن حصرها فى الملفات التالية:


١/الحرب على الإرهاب.


٢/ الأزمة السورية.


٣/الصراع العربى -الإسرائيلى.


٤/الاتفاق النووى مع إيران.


٥/ أنماط التحالفات مع القوى العربية والإقليمية .


٦/العلاقات مع إسرائيل .


٧/ العلاقات مع مصر.


تقديرى أن الحرب على الإرهاب والعلاقات مع إسرائيل سيمثلان الإطار العام للسياسة التى ستنتهجها الإدارة الأمريكية الجديدة فى الشرق الأوسط خلال الأربعة أعوام المقبلة، ويترتب على ذلك أن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة ستتم إدارتها فى العاصمة الأمريكية من خلال هذا الإطار الاستراتيجى العام.وتشير التعيينات الهامة التى تم الإعلان عنها بالإدارة الجديدة فى واشنطن إلى أن هذه الإدارة ستتبنى خطاً متشدداً تجاه الجماعات الإرهابية بما فى ذلك تنظيم « الدولة الإسلامية» ، وستتباعد عن جماعات الإسلام السياسى التى كانت تصفها إدارة « أوباما « بالمعتدلة ، وفى مقدمتها جماعة « الإخوان المسلمين» وكافة الجماعات المتفرعة عنها . وهذا سيعنى عمليا سقوط شعار دافعت عنه إدارة « أوباما» يتعلق بدمج «الإخوان» وجماعات الإسلام السياسى فى الحكم فى الدول العربية التى تشهد عملية تحول ديمقراطى.


كما أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستتخلى عن سياسة «تغيير الأنظمة» التى سارت عليها كل من إدارة بوش الابن ، واستمرت عليها الإدارة الديمقراطية الحالية للرئيس «أوباما»، ولاشك أن التخلى عن هذه السياسة الهدامة سيفتح المجال واسعا أمام الجهود المبذولة، والتى كانت تصطدم بجمود الإدارة الأمريكية من جانب وسياسات لبعض القوى الإقليمية والعربية لإسقاط أنظمة عربية بعينها من جانب آخر، سيعطى دفعة قوية للجهود الدولية الرامية لتسوية الوضع فى سوريا وفى ليبيا.والجدير بالذكر أن الإرهاب الذى استشرى فى الشرق الأوسط وفى شمال إفريقيا كان نتيجة مباشرة لهذه السياسة الفاشلة التى استهدفت تغيير أنظمة واستبدالها بأنظمة موالية للغرب تقوم على هيمنة جماعات الإسلام السياسى على الحكم أو تمثل مكونا رئيسيا فى الحكم. بمعنى آ خر أن سياسة توظيف الجماعات المسلحة والإرهابية كأداة من أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة فى طريقها للزوال تدريجيا, وهو الأمر الذى سيصب لصالح الحكومة السورية ، وسيفتح آفاقاً أرحب أمام العلاقات المصرية -الأمريكية. وهو ما كان قد أعرب عنه الرئيس عبد الفتاح السيسى عند تهنئته الرئيس الأمريكى المنتخب « ترامب»خلال دقائق بعد إعلان فوزه فى انتخابات الرئاسة الأمريكية.


وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس السيسى كان قد استقبل «ترامب» فى نيويورك خلال حضوره افتتاح الدورة ٧١ للجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر الماضى.وكان اللقاء إيجابيا ويوحى بأن التفاهم على المستوى الشخصى بين الرئيس السيسى والرئيس الأمريكى المنتخب أفضل بكثير مما هو عليه الأمر حاليا مع « أوباما»، ليس هذا فقط، وإنما تبين أن هناك توافقا فى الرؤى المصرية والأمريكية على أهمية التصدى بفعالية وعدم تردد للإرهاب ، ليس فقط فى سوريا والعراق وإنما فى كل مكان ، وأن المواجهة مع الإرهاب لا تعنى حصره فى محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» فقط، لكن ينبغى أن تمتد المواجهة إلى كافة الجماعات الإرهابية، أى رفض الانتقائية فى التصدى للجماعات الإرهابية.وهو ما قد يعنى أن الدول التى تدعى أنها تحارب تنظيم « الدولة» لكنها تتعاون فى الخفاء معه أو تسلح وتمول جبهة « فتح الشام» – جبهة «النصرة» سابقا وهى «القاعدة» بعينها- عليها أن تراجع سياستها فى هذا الصدد بشكل جذرى.


جاء تعيين الجنرال المتقاعد « مايك فلين» فى منصب مستشار للأمن القومى بالبيت الأبيض دليلا على أن إدارة «ترامب» عازمة على مواجهة الإرهاب والجماعات المتطرفة فى إطار استراتيجية جديدة تختلف بصورة كبيرة عما اتبعته الإدارة الأمريكية الحالية فى هذا السياق.فالمستشار الجديد معروف عنه المواقف المتشددة ضد هذه الجماعات.وله كتاب بعنوان « كيف يمكننا الفوز فى الحرب العالمية ضد الإسلام المتطرف وحلفائه» ذهب فيه للقول أن التطرف الإسلامى يمثل تهديدا « وجوديا» للعالم.وأعرب خلاله على رفضه التام لتوظيف الإسلام سياسيا.وفى حالة ترجمة هذه الآراء إلى واقع سياسات أمريكية على الأرض فهذا سيعنى تغييرات جذرية فى الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. من ناحية أخرى ، يعتبر « فلين» من المؤمنين بضرورة التعاون مع روسيا.وحسب المقربين منه وأولئك الذين عملوا معه فهو عقلية استخباراتية من الدرجة الأولى ، ولديه موهبة خاصة فى أساليب جمع المعلومات وتحليلها خصوصا تلك المعلومات المتعلقة بشبكات المتطرفين والإرهابيين.


والجدير بالذكر أن تعيين قائد سابق فى الجيش الأمريكى فى هذا المنصب الهام فى إدارة « ترامب» يكتسب أهمية خاصة حيث إنها المرة الأولى منذ عام ٢٠٠١ التى يتم فيها مثل هذا الاختيار.ففى إدارة بوش الابن تمت الاستعانة بأستاذة جامعية متخصصة فى الشئون السوفيتية ، وهى السيدة «كونداليسا رايس»،ثم اختيار السيدة « سوزان رايس» لذات المنصب فى إدارة أوباما، والاثنتان من أنصار سياسة تغيير الأنظمة وفرض الديمقراطية الأمريكية فى العالم العربى ،والتعامل مع ما يصفونها بالجماعات المعتدلة للإسلام السياسى.


كما أن تعيين « مايك بومبيو» مديرا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية دليل آخر على التوجهات المستقبلية لإدارة «ترامب»، فهو معروف بميله لمنح أجهزة المخابرات والأمن الأمريكية المزيد من الصلاحيات فى المراقبة للحيلولة دون دخول إرهابيين الأراضى الأمريكية ومنع حدوث عمليات إرهابية داخل الولايات المتحدة. كما عارض من ناحية أخرى الاتفاق النووى مع إيران. وكان قد صرح فى هذا الشأن فى يوليو ٢٠١٥ بأنه لا أرى كيف يمكن لعضو فى الكونجرس أن يصوت لاتفاق لا يعرف ماهو النطاق الكامل له.»


العالم الآن يترقب من هو وزير الخارجية المقبل، فقد تعمد معسكر « ترامب» ترديد بعض الأسماء لشغل هذا المنصب مثل مرشح الرئاسة السابق عن الحزب الجمهورى « ميت رومنى» الذى كان قد خسر أمام «أوباما» فى انتخابات عام ٢٠١٢، كما تردد اسم عمدة مدينة نيويورك السابق « جوليانى» و«جون بولتون» المندوب الدائم الأمريكى الأسبق لدى الأمم المتحدة فى عهد رئاسة «جورج بوش» الابن، وهو يعتبر من «المحافظين الجدد».


كما أن الجميع فى انتظار من سيكون وزيرا للدفاع .


وعند محاولة استشراف السياسات الأمريكية الجديدة فى الشرق الأوسط علينا أن نفرق بين المواقف التى تبناها « ترامب» كمرشح جمهورى فى انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام ٢٠١٦ وبين الرئيس « دونالد ترامب»، بمعنى أنه قد يكون من السابق لأوانه التوصل إلى استنتاجات قاطعة عن المسارات التى ستأخذها السياسات الأمريكية فى الشرق الأوسط خلال الأربع سنوات المقبلة ، لكنى أكاد أجزم أن العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية ستشهد انتعاشا لافتا وأن الحرب على الإرهاب ستصبح أكثر شفافية ، وسنشهد قدرا أكبر من التعاون بين واشنطن وموسكو فى التعامل مع القضايا الشرق أوسطية التى ستتناقض مع أولوية محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامى بكل أشكاله.وفى هذا السياق لا ينبغى استبعاد احتمال قيام بعض الدول العربية وتركيا أردوغان التى تواطأت مع إدارة أوباما فى سياساتها المدمرة فى الشرق الأوسط -قيامها بعرقلة وربما تخريب أية سياسات أمريكية فى المنطقة تتناقض فى جوهرها مع سياسات أوباما فى هذا الصدد.


ويحدونى كبير الأمل أن تبدأ الإدارة المصرية فى التواصل من الآن مع الفريق الانتقالى للرئيس المنتخب «ترامب» قبل تنصيبه رسميا رئيسا للولايات المتحدة فى ٢٠ يناير المقبل.


فى ديسمبر عام ١٩٨٠ أمضى الرئيس الأسبق مبارك وكان وقتها نائبا للرئيس السادات -أمضى عشرة أيام فى واشنطن للتعرف والتواصل مع الفريق الانتقالى للرئيس المنتخب فى هذا الوقت «رونالد ريجان» وما أشبه الليلة بالبارحة ، إدارة جمهورية تحل محل إدارة ديمقراطية – ريجان فاز على « جيمى كارتر» فى انتخابات نوفمبر ١٩٨٠-بسياسات وتوجهات تهز النظام الدولى.