وداعاً كاسترو.. الزعيم أبو الثورة.. الديكتاتور الشيطان

30/11/2016 - 11:53:25

  جمال عبدالناصر وفيدل كاسترو.. صداقة وحدتها فكرة الثورة على الاستعمار جمال عبدالناصر وفيدل كاسترو.. صداقة وحدتها فكرة الثورة على الاستعمار

تقرير: إيمان السعيد

ثائر وزعيم وقائد وشيطان و ديكتاتور... ألقاب مختلفة احتلت عناوين الأخبار بعد خبر وفاة رئيس كوبا السابق و مؤسس الشيوعية في كوبا فيدل كاسترو عن عمر يناهز ٩٠ عاماً. فيدل كاسترو واحد من مؤسسي الشيوعية في أمريكا اللاتينية. بدأ مسيرته السياسية عن عمر يناهز ٣٢ عاماً حين انتزع السلطة من يد الدكتاتور الكوبي باتيستا بمساعدة رفيقه الراحل تشي جيفارا عام ١٩٥٩ وبالرغم من انحداره من عائلة ثرية إلا أن فيدل اتبع نهجا اشتراكيا من الصغر. و استطاع تطبيق مناهج الشيوعية و الحزب الواحد


والمساواة بين كل فئات الشعب منذ توليه الرئاسة عام ١٩٧٦ .


بعد إسقاطه للديكتاتور باتيستا حلف فيدل كاسترو اليمين الدستورية أمام وزراء كوبا وأصبح بذلك الثائر الذي استطاع شغل منصب رئيس الوزراء. منذ أن أطاح كاسترو بالرأسمالية, استطاع كسب قلوب الفقراء بعد أن جعل التعليم و العلاج في متناول أيديهم بل وامتدت شعبيته الى الدول المجاورة بعد أن استطاع رئيس الدولة الصغيرة التي اعتبرها الأمريكان ملاذا للسياحة والترفيه, الصمود أمام العملاق الأمريكي والوقوف أمام ١١ رئيسا أمريكيا.


استخدم فيدل نفوذه في توطيد العلاقات بينه و بين الاتحاد السوفيتي مما أسفر عن تدهور العلاقات الدبلوماسية بين أمريكا و كوبا. لم تشعر الولايات المتحدة الأمريكية بالارتياح لفيدل منذ توليه منصب رئيس الوزراء فمنذ عام ١٩٥٩ وبدأت أمريكا التخطيط لاغتيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو . وفقاً لموسوعة جينس تخطت محاولات اغتيال كاسترو ال ٦٠٠ محاولة باءت كلها بالفشل. أطرفها التي ذكرها عميل الاستخبارات الأمريكي فيليكس رودريجز حينما حاول ٦ مرات اغتياله ببندقية مزودة بمنظار ولم يفلح. ثم فخخ حذاءه بالمتفجرات و لم تفلح هذه الخطة أيضا الأمر الذي دفعه للتصريح ان فيدل كاسترو لديه سبعة أرواح وأنه يتضرع الى الله أن يراه ميتا يوما ما. و شملت هذه المحاولات استخدام سيجار مسمم و«بدل غطس» ملوثة بالمواد الكيميائية.


لذلك حمل كاسترو طيلة حياته الكثير من العداء الأمريكى وأرسل عشرات الآلاف من الجنود لمساعدة الحكومات اليسارية فى إفريقيا والحركات التى حاربت الحكومات المدعومة من الولايات المتحدة فى جميع أنحاء أمريكا اللاتينية للتصدي للإمبريالية الأمريكية.


استمرت العلاقات بين أمريكا و كاسترو في التوتر حتى بلغت ذورتها عام ١٩٦١ حين أعلن كاسترو رسميا أن كوبا دولة اشتراكية ، أعقب هذا الإعلان محاولة لقلب نظام حكم كاسترو على يد ١٤٠٠ شخص كوبي يعيشون في المنفي في خليج الخنازير، أسفرت هذه المحاولة عن مقتل المئات من المتمردين والقبض على ١٠٠٠ منهم ، المثير أنه بالرغم من نفي الولايات المتحدة الأمريكية لأي تورط لها في هذه المسألة، إلا انه تم الاكتشاف فيما بعد أن المنفيين الكوبيين تم تدريبهم من قبل وكالة الاستخبارات المركزية وأنهم مسلحون بأسلحة الولايات المتحدة الأمريكية ، وكشف أرشيف الأمن القومي أن الولايات المتحدة أنها بدأت التخطيط لقلب نظام الحكم لكاسترو في وقت مبكر منذعام ١٩٥٩.


استطاع كاسترو الاستفادة من هذا الحادث لتعزيز سلطته ومواصلة تعزيز أجندته ووضع حدا للانتخابات الديمقراطية في كوبا وندد بالإمبريالية الأمريكية . ثم في نهاية عام ١٩٥٩ ، أعلن كاسترو أن الحكومة الكوبية تعتمد السياسات الاقتصادية والسياسة الشيوعية . الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية الى فرض الحصار الاقتصادي الكامل على كوبا وهي السياسة التي لا تزال حتى يومنا هذا .


وطد كاسترو علاقاته بالاتحاد السوفيتي عن طريق قبول المساعدات الاقتصادية والعسكرية ، وفي أكتوبر عام ١٩٦٢كان العالم على شفا اندلاع حرب نووية ، حين اتفق كاسترو ورئيس الوزراء السوفيتي نيكيتا خروتشوف على فكرة عن نشر صواريخ نووية في خليج الخنازير في كوبا ، علي بعد ٩٠ ميلا قبالة سواحل ولاية فلوريدا ، رداً على نشر الصواريخ الأمريكية كوكب المشتري في تركيا. و انتهى الأمر بإزالة الصواريخ من كوبا مقابل إزالة الصواريخ الأمريكية من تركيا على شرط من الاتحاد السوفيتي بعدم تعرض كوبا لغزو أمريكي خلال هذه العملية. ما خلق وضعا خطيرا اصطلح على تسميته بسياسة حافة الهاوية التي وضعت القوتين العظميين على شفا حرب نووية. بعدها أعلن كاسترو نفسه رئيسا لكوبا ١٩٧٦وألغى العمل بالنظام الديمقراطي.


استطاع كاسترو الزعيم الثوري الذي اشتهر بخطاباته الطويلة و المفعمة بالوعود تحقيق نجاح على المستوى الاقتصادي بالرغم من الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليه الولايات المتحدة الأمريكية.


وبالإضافة إلى سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، الذي كان الداعم الاول لكوبا من الناحية الاقتصادية، بتحقيق نجاح ملموس لدي الشعب الكوبي. ففي عهده تم فتح عشرة آلاف مدرسة جديدة و قلت الأمية بنسبة ٩٨٪. وتمتع الكوبيون بنظام الرعاية الصحية الشامل ، و تراجع معدل وفيات الرضع بنسبة ” ١.١ في المائة ”. و كانت أهم إجراءات فترة حكم كاسترو هو الإصلاح الزراعي الجذري حيث بدأ بتصدير السكر الذي كان يعد من أساسيات اقتصاد كوبا، إلى الاتحاد السوفييتي حينها.


عند انهيار الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١ أصبح الاقتصاد الكوبي في حالة من الفوضى ، وبدأت ثورة كاسترو تفقد الدعم الشعبي وعم الاضطراب السوق السوفيتي تجاه السكر الكوبي وعدد قليل من غيره من السلع ،وزادت البطالة والتضخم الكوبي الأمر الذي نتج عنه انكماش الاقتصاد الكوبي بنسبة ٨٥ ٪ إلا أن كاسترو كان بارعا جدا في تدارك الأزمة ، حيث استطاع السيطرة على الحكومة خلال الأوقات الاقتصادية العصيبة . و قرر كاسترو اعتماد الاقتصاد الحر وتشجيع الاستثمار الدولي هذا وبالاضافة الى تشجيع السياحة كما دعا المنفيين الكوبيين الذين يعيشون في أمريكا إلي العودة إلى كوبا لبدء الأعمال التجارية .


انتهت ولاية كاسترو الذي يعد ثالث أطول زعيم بقي في السلطة على مستوى العالم بعد تخليه عن منصبه كرئيس وزراء لأخيه الاصغر راؤول كاسترو (٨٥ عاما ) عام ٢٠٠٦ ثم تنازل عن الرئاسة عام ٢٠٠٨ بعد إصابته بمرض في المعدة استلزم إجراء العديد من العمليات الجراحية. اختفى بعدها عن الساحة السياسية ليعود بسلسلة مقالات لتحليل التطورات السياسية المهمة بعنوان “أفكار الرفيق فيدل”.


منذ تولى راؤول، الرئيس الحالي السلطة اتخذ نهجا مختلفا عن أخيه الأكبر فيدل كاسترو واستطاع في وقت قصير تبديل شكل كوبا وإجراء إصلاحات اقتصادية ففى عام ٢٠١٠ بدأ إعادة فتح الاقتصاد لإصلاحات السوق الحرة المحدودة عن طريق المشاريع الصغيرة وخطط لتسريح العديد من العاملين فى الدولة.و قام بتصدير بعض المنتجات مثل السكر، والنيكل، والتبغ والحمضيات والبن، والمستحضرات الصيدلانية إضافة إلى اهتمامه بقطاع السياحة.و كانت الضربة الأقوى لراؤول هي خلع عباءة أخيه الاكبر و العمل على إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة فى ديسمبر ٢٠١٤ و إنهاء عقود من العداوة توجت بزيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الى كوبا في مطلع العام الحالي على مضض من فيدل كاسترو بعد قطيعة دامت أكثر من ٧٠ عاماً.


تابينت ردود الأفعال حول وفاة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. فما بين شامت و حزين جاءت تصريحات قادة العالم. بالرغم من إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية و كوبا بعد قطيعة طويلة إلا أنه على مايبدو أن دونالد ترامب الرئيس الأمريكي المنتخب له رأي آخر. فعقب إعلان خبر وفاة فيدل نشر دونالد ترامب على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر « لقد مات فيدل كاسترو» أعقبه تصريح لترامب يصف فيه كاسترو بأنه ديكتاتور وحشي ترك إرثا من معاناة لا يمكن تصورها وانه سيسعى لتأمين حرية الكوبيين. كما تعهد بإنهاء اتفاق إوباما لإعادة العلاقات مع كوبا بينما صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن «التاريخ سيذكر كاسترو بأثره الضخم الذي تركه على العالم”.


و صرح بوتين في برقية تعزية بعث بها إلى راؤول كاسترو إن فيديل يعتبر وبحق رمزا لحقبة زمنية كاملة في التاريخ العالمي الحديث. وأشار إلى أن كوبا الحرة والمستقلة التي قامت بفضل جهود فيديل كاسترو ورفاقه أصبحت من الأعضاء الفعالين والمؤثرين في المجتمع الدولي.


ومن ردود الفعل في روسيا قال زعيم الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية،غينادي زيوغانوف إن فيدل كاسترو مثال للأخلاق الإنسانية السامية وأشار إلى أنه وضع أسس السياسة الأخلاقية في العالم الحديث.


من جهته أعلن السياسي الروسي المخضرم فلاديمير جيرينوفسكي  إنه يجب على الرئيس الحالي راؤول تقسيم الحزب الشيوعي الكوبي إلى حزبين: محافظ وديمقراطي و آخر اجتماعي مع بث الروح في القطاع الخاص بشكل تدريجي ورفع القيود عن التنقل داخل وخارج البلاد وإعادة بناء العلاقات مع كل دول العالم.ويرى ان النظام الشيوعي في كوبا كان «غلطة» فرضها الاتحاد السوفيتي، وقال:» لقد فعل فيديل كاسترو كل ما في وسعه. كان قائدا عظيما فعلا”.على جانب آخر، دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الولايات المتحدة إلى إلغاء الحصار المفروض على كوبا.بينما اعتبره معظم رؤساء العالم إحدى أهم شخصيات القرن العشرين و الزعيم الملهم لدول العالم الثالث.


وفي الوقت الذي اجتاح الحزن معظم انحاء كوبا و تم إعلان الحداد الرسمي لمدة ٩ أيام و نُكست الأعلام حدادا على الزعيم الراحل. عمت أجواء الفرحة ولاية فلوريدا الامريكية التي تضم عددا كبيرا من الكوبيين المنفيين و الفارين من حكم كاسترو الذي كانوا يعتبرونه طاغية. و صرح رامون ساول سانشيز، زعيم «الحركة الديمقراطية» وهي أبرز جماعات المعارضة الكوبية في المنفى، إنه يأسف لأن وفاة الرجل الذي وصفه بالطاغية لن تؤدي إلى حصول الناس في كوبا على الحرية.


يبقى الآن مستقبل كوبا مجهولا بعد و فاة الزعيم الراحل خاصة مع تصريحات ترامب النارية التي قد تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الكوبي و خطة الانفتاح الاقتصادي التي يأمل راؤول كاسترو تحقيقها. فربما تعود العداوة مرة اخرى بين الولايات المتحدة الأمريكية و كوبا و يصبح راؤول خليفة لأخيه الأكبر الملقب بأبي الثورة والذي اعتبره العالم رمزا ثوريا تجاوز تأثيره حدود كوبا. و يبقى التاريخ هو الحاكم الأخير عن فيدل كاسترو كما قال “أصدروا حكمكم ضدي. لا قيمة لأحكامكم . التاريخ سيبرئني حتما”.