القمة العربية الإفريقية «مالابو»: من هدف التنمية المستدامة إلى استدامة إهدار الفرص

30/11/2016 - 11:43:50

بقلم: د. السيد فليفل

لم يخلف القادة العرب ظنى بهم وثقتى المطلقة فى قدرتهم على الاستمرار فى إهدار الفرص، والعمل بعقلية عصبية وتكتيكية غير استراتيجية، يحافظون فيها على الكرامة اليوم ليفقدوها غدا ويتمسكون بالمراسم لتضيع منهم المصالح. كان مؤتمر القمة العربية الإفريقية الرابعة بمالابو عاصمة غينيا الاستوائية فرصة تاريخية جرى الإعداد لها فى هذه الدولة الإفريقية العزيزة التى وإن كانت صغيرة المساحة إلا أنها كبيرة المقومات عميقة الإرادة راغبة فى التواصل مع محيطيها الإقليميين العربى والإفريقي، ساعية للعب دور إيجابى فى الحياة الدولية، ورغم طول العهد برئيسها إلا أنه تمكن فى السنوات الأخيرة من تحقيق طفرة تنموية هائلة جعلت بلاده قبلة للأفارقة والعرب وجعلت منها ناشطا إقليميا ودوليا على نحو يدعو إلى الفخر.


كان المتابعون للشئون العربية والإفريقية على ترقب بإطلاق مسيرة ظافرة للعمل العربى الإفريقى المشترك وللبدء فى إنجاز تعاون استراتيجى الطابع ينطلق من مالابو ليحيل القارة الإفريقية والعالم العربى إلى رابطة تعتمد التكامل أداة للبناء المشترك عن طريق بنية أساسية مطلوبة فى النقل والمواصلات وفى الاتصالات وتطلق مشاريع عملاقة للأمن الغذائى للطرفين العربى والإفريقى بما يفتح المجال لنهضة مشتركة تصنع لهما مكانة محترمة فى عالم القوى العملاقة من الآسيان والنافتا والاتحاد الأوربى والبريكس وغيرها.


وإذا أردنا أن نذكر الأسباب التى بسببها ترقبنا هذا الانطلاق لابد من العودة إلى الإشارة إلى القمم السابقة حيث كانت القمة الأولى بالقاهرة فى العام ١٩٧٧ هى القمة المؤسسة لمبدأ التعاون العربى الإفريقى وذلك بعد أن نجح العرب بقيادة مصر فى تحقيق نصر أكتوبر ونجحوا أيضا بقيادة السعودية فى الارتقاء بسعر البترول إلى أكثر من عشرة أضعافه، كما نجح الأفارقة فى الوقوف إلى جانب الحق العربى فى استعادة الأرض المحتلة وبصفة خاصة الأرض المصرية فى سيناء باعتبارها أرضا إفريقية. وكانت القمة قد تجاوزت أيضا مسألة تعويض الأفارقة على ارتفاع أسعار النفط إلى تأسيس رؤية مشتركة للمستقبل تقوم على الاندماج الاقتصادى بما يؤهلهما للاعتماد الذاتى على مقدراتهما فى جسر فجوة إنتاج الغذاء وتأسيس أسواق متخصصة لإدارة المحاصيل المشتركة. وقد أسست هذه القمة لمبدأ العقد الدورى لقمم متتالية تبحث ذات الموضوع فى نوع من الإصرار على ضرورة تحقيق تقدم فى التعاون العربى الإفريقي.


ولكن لأن العرب والأفارقة مضيعو فرص بامتياز فإن القمة الثانية عقدت بسرت فى ٢٠ أكتوبر فى الموعد المحدد لانعقادها الحادى عشر، ما يعنى التخلف عن التوقيت ثلاثة عقود، ومن أسوأ الأشياء أن يكون الإنسان متخلفا عن نفسه لثلاثة أيام وليس لثلاثة عقود، فالفرص التى تأتى لا تذهب أبدا، وإنما إذا لم تقتنصها أنت نالها غيرك. وبطبيعة الحال فقد نالت الفرص الإحدى عشرة الضائعة دول مثل الصين وتركيا والبرازيل والهند وإسرائيل، وما أدراك ما إسرائيل. قمة سرت كانت هى القمة الثانية فى العام ٢٠١٠ والتى دعيت للانعقاد فى وقت كان العقيد القذافى رحمه الله فى أوج قوته السياسية وكان من سرت قد أدار مسيرة الاتحاد الإفريقى فكرة وتأسيسا حتى صارت المدينة قبلة للقيادات الإفريقية، كما أنه منها أدار أزمة لوكيربى حتى فك حصار ليبيا، وفى نفس الوقت فإن الرئيس مبارك كان فى قمة تسليمه أمور البلاد إلى ولده جمال ورفاقه من رجال الأعمال الذين قادوا عملية تزوير الانتخابات فى ذات الشهر الذى عقدت فيه القمة فأخذ طريقه إلى الخروج من السلطة؛ ولذلك فإن مؤتمر سرت شهد أفولا جديدا للتعاون العربى الإفريقى كان مصحوبا بأفول قائدين عربيين أساسيين فى مسيرة التعاون العربى الإفريقي.


القمة الثالثة كانت فى الكويت عام ٢٠١٣ وقد جاءت فى الموعد المحدد لدور الانعقاد لكنها شهدت غياب ليبيا الدور، ومصر الدور، بسبب أحداث «الربيع العربي»، وكان تركيزها على إعادة بعث نفس مبادئ التعاون العربى الإفريقى التى أقرتها القمة الأولى، وتأكيد أن العلاقة بين العرب والأفارقة لابد من تأطيرها استراتيجيا وتفعيل برامج العمل المؤسسة لهذا الإطار الاستراتيجى وذلك على مستويات البنية الأساسية فى مجالات النقل والطرق والطاقة الجديدة والمتجددة والمشروعات العملاقة المشتركة فى مجالات الأمن الغذائي، فضلا عن دعم البحث العلمى المشترك، وكان كل ذلك مرهونا بتكليف الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومفوضية الاتحاد الإفريقى بسرعة إعداد هذه البرامج توطئة لاتخاذ قرار بتفعيلها ووضعها موضع التنفيذ فى أقرب وقت، فإن لم يكن فأن تكون جاهزة فى القمة الرابعة التى نحن بصددها فى مالابو بحيث تنتقل إلى مشروعات تنظرها هذه القمة.


فماذا حدث؟


كان متوقعا من قبل انعقاد القمة أن تجابه مأزقا قديما- جديدا متعلقا بعضوية الصحراء أو بعضوية الجمهورية الصحراوية فى الاتحاد الإفريقي، وذلك فى الوقت الذى تفتقد فيه عضوية جامعة الدول العربية وعضوية الأمم المتحدة، كما كان المغرب قد تقدم إلى الاتحاد الإفريقى بطلب للعودة إلى نيل العضوية بعد أن كان قد جمدها لعقود مضت اعتراضا على اعتراف منظمة الوحدة الإفريقية آنئذ بعضوية الجمهورية الصحراوية باعتبار ذلك قضية من قضايا تقرير المصير للمناطق التى كانت خاضعة للاستعمار الأوربي. وهو الأمر الذى رفضته المملكة المغربية على اعتبار أن حكمها للصحراء هو استكمال للوحدة الترابية التى تعرضت للتقسيم بين كل من فرنسا وأسبانيا، وأن استعادة هذه الوحدة الترابية هو إتمام لاستقلال المغرب ووحدة أراضيه ولا صلة له مطلقا بتقرير المصير لأن تقرير مصير الإقليم كان مثار تفاوض كبير بين المغرب والدولة الإسبانية وأن المغرب مارست ضغوطا شتى بعضها كفاحى وبعضها سياسى داخلى وبعضها دولى فى كفاحه من أجل استكمال الوحدة الترابية، وفى هذه الآونة وعلى مدار سنى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات لم تكن الجزائر طرفا فى المسألة من قريب أو من بعيد، لكنها من بعد خروج الأسبان ودخول المسيرة الخضراء من المغرب إلى الصحراء بدأت تتحدث عن حق الصحراويين فى دولة ذات سيادة. ومن الناحية التاريخية أيضا فإن لنا وقفة مع مسألة الموقف الصحراوى بين المغرب والجزائر، فإن المغرب كان ينظر إلى صحرائه من منظور تاريخى عميق وبعيد فقد نشأت دولتاه الكبيرتان اللتان أعطيتاه سمعة فائقة فى العالم الإسلامى وهما دولتا «المرابطين والموحدين»، نشأتا فى الصحراء، ثم انتقلتا من الصحراء إلى الوسط والشمال، ومن ثم فإن الأصول التاريخية للدولة المغربية الحديثة ترجع إلى هذه الصلة بمنطقة الصحراء وهو الأمر الذى تأكد فى عهد الأسرة السعدية التى قامت بغزوة إلى منحنى النيجر فى قلب غرب إفريقيا واستمر لها وجود ليس فقط فى الصحراء المغربية ولكن فى الصحراء الكبرى ككل من الناحية الغربية. وكذلك استمر الحال فى عهد الأسرة العلوية التى مارست على مدار فترة الاحتلال الأسبانى كافة أشكال السيادة على مناطق الشمال والجنوب حيث نلاحظ وحدة الحركة الوطنية فى المغرب سواء أسسها الخطابيون فى الشمال أم أبو حمارة فى الصحراء، وكذلك الحال فى استمرار العرش المغربى فى تلقى واجب العزاء من القبائل الصحراوية فى وفاة السلطان وأيضاً فى تلقى فروض البيعة من السلطان الجديد. كما استمر العرش المغربى يكلف المخزن (الحكومة) بإرفاد أهالى الصحراء بالمؤن الغذائية فى أوقات الجفاف كما هى العادة السنوية للدولة المغربية. والحقيقة الجلية هنا أن مطالبة المغرب بصحرائه لا يقل بطولة عن مطالبة الجزائر بصحرائه، والتى كادت فى مفاوضات جبهة التحرير الوطنى الجزائرية وحكومتها المؤقتة مع الرئيس الفرنسى ديجول بعد أن أصدر دستوره الجديد فى العام ١٩٥٨ يقبل فيه استقلال الدول الإفريقية المستعمرة وفق قواعد ترتبها الدولة الفرنسية، فلم تتنازل جبهة التحرير الجزائرية والحكومة المؤقتة عن الصحراء، ووقفت الدول العربية إلى جانب الجزائر فى إخراج فرنسا من الصحراء مثلما تقرر أن تخرج من الأقاليم الشمالية، الأمر الذى كان يشكل ضرورة حتمية للجزائر بحكم التجارب النووية التى كانت تجريها الحكومة الفرنسية فى المناطق الصحراوية، وأيضا بحكم إحساس الجزائريين بضرورة استكمال التراب الوطنى الجزائرى وسيادة حكومة الثورة على كل الأراضى التى شملتها الجزائر فى ظل الاستعمار الفرنسي.


وكان المغرب من هذه الدول العربية التى لم تنكر حق الجزائر فى صحرائها والتى كانت أرضها منطلقا للثوار الجزائريين وبصفة خاصة فى الإقليم الغربى (وهران) والذين كان من أبرزهم كل من بومدين وبوتفليقة (عبد القادر) فقد كان الرمز ليس فقط للكفاح الجزائرى فى هذه المنطقة، ولكن أيضا للرابطة المغربية الجزائرية، ولكن شاء القدر أن ينصح عبد العزيز بوتفليقة وزير خارجية الرئيس هوارى بومدين قائده بعدم الاعتراف بالمسيرة الخضراء وبأيلولة الصحراء للمغرب، وذلك على الرغم من أن المغرب انسحب من المناطق الحدودية المتنازع عليها لاسيما فى «تندوف» تاركا النزاع الحدودى إلى التاريخ فى محاولة لفتح صفحة جديدة مع الجزائر. ومن الملاحظ أن الدولتين لم تضيعا بسبب مشكلة الصحراء فقط علاقاتهما الثنائية، بل ضيعتا أيضا فرص قيام الاتحاد المغاربى كما حدث فى مؤتمر قمة طرابلس وأيضا فى مؤتمر قمة مالابو أن ضيعتا فرصه الواعدة والمستقبل القريب للعلاقات العربية الإفريقية.


ومن المهم هنا أن نشير إلى أن الأمانة العامة للجامعة العربية كانت تعلم أن هذه المشكلة سوف تقع، وبالتالى كان عليها أن تجرى حوارا مبكرا للبحث عن حلول تستخدم فيها فنون الدبلوماسية طويلة الأمد التى جربها الأمين العام ومساعدوه على مدار عشرات السنين للخروج من المأزق، وحصار الأزمة فى أضيق نطاق ممكن، بيد أن الذى جرى من انسحاب تسع من الدول العربية لم يضف إلى قوة العرب شيئا، بل وتسبب فى مأزق مع الأشقاء الأفارقة، والمدهش أن بعضهم صرح بأن مقررات القمة فيما يتعلق بدعم التعاون العربى الإفريقى هى مقررات متفق عليها، كأن هذا الدعم سيقع سواء حضروا أم غابوا، وذلك لعمرى لايشكل انتقاصا من القادة الأفارقة الحاضرين، بل إنه اعتبار بأن حضور العرب وغيابهم سواء. ومن فعل هذا؟ إنه العرب بأنفسهم لاسيما من غابوا منهم. وكانت أبسط قواعد الاحترام للاتحاد الإفريقى الذى تشارك فيه اثنتا عشرة دولة عربية، وأبسط احترام للالتزام العربى بدفع العلاقات العربية الإفريقية أن يحضر القادة العرب جميعا ولا يضعون الجمهورية الصحراوية على قائمته، بل أن تكون على قائمة الطرف الآخر، والشيء المدهش أن الغالبية العظمى من الدول الإفريقية الملتزمة بالجمهورية العربية الصحراوية ممثلا شرعيا للإقليم فى الاتحاد الإفريقى لا تعترف بها كجمهورية مستقلة، بل إن غالبيتها لم تعترف بها فى الأمم المتحدة. وإذا نظرنا إلى الموقف الجزائرى الذى طال دون نتيجة فلا الحكومة الصحراوية خرجت من الجزائر إلى الإقليم، ولا الشعب الصحراوى خرج إلى الحكومة على أرض الجزائر، وبالتالى فنحن بصدد حكومة بلا أرض وبلا شعب، وشعب صحراوى يعيش تحت ظل المغرب يدرس ويتعلم ويعمل وينتقل فى نطاق واسع بطول المملكة وعرضها.


وأما المغرب فقد وقع فى تناقضين: الأول أنه قدم طلبا للاتحاد الإفريقى لتفعيل العضوية، وفى نفس الوقت فإنه تعامل مع أحد المسئولين الأفارقة الذين يحملون جواز سفر الاتحاد بطريقة غير لائقة الأمر الذى حفز عددا من الدول إلى المطالبة بعدم دخول المغرب مجددا إلى عضوية الاتحاد الإفريقي.


ولما كانت هذه العضوية حقاً متاحا للمغرب جمدته الحكومة المغربية بنفسها وتريد إلغاءه فإن من اللياقة والدبلوماسية أن تسارع وزارة الخارجية المغربية إلى تصحيح آثار هذا الإجراء الذى قد يكون متعمدا وأن تعمل على استرضاء الدول التى تضررت منه وأن تؤسس لعلاقة جديدة على قاعدة قبول الاختلاف سواء فى هذا الموقف أو فيما يخص الجمهورية العربية الصحراوية على أرض الجزائر باعتبار ذلك ليس فقط موقفا جزائريا ولا موقفا جزئيا من بعض أبناء الإقليم، بل هو أيضا موقف إفريقى تشوبه تعقيدات تشابكت خيوطها مما يقتضى ليس فقط مهارة دبلوماسية، بل مهارة نساج قادر على فك الخيوط وإعادة تركيبها.


وعلينا فى العالم العربى وفى إفريقيا أن نعترف أن المغرب يشكل إضافة قوية للعمل العربى والعمل الإفريقى على السواء، لكن علينا أن نوقن أن الإجراءات الخاطئة تحتاج للمراجعة، وأن التمادى فى الخطأ لا يخلق مستقبلا، وأن المستقبل المعقود لا يجب أن تضيع منه عقود فائتة كما ضاعت من قبل، والله من وراء القصد ووحدة العرب والأفارقة من بعد ذلك سبيلنا المنشود.


ولقد انفضت القمة وعاد القادة إلى بلدانهم ولكن تبقى قضية التنمية المستدامة والتعاون الاقتصادى دون برامج. وتبقى أيضاً أصداء كلمات حكيمة قيلت حول ضرورة دعم السلم والأمن والاستقرار فى الدول الإفريقية وإيلاء أهمية خاصة للبنية الأساسية فى قطاعات الطرق والمواصلات والاتصالات والطاقة الجديدة والمتجددة تبقى ترن أصداؤها فى آذان الشعوب الإفريقية ولا تجد لها قائدا على المستويين العربى والإفريقي، وهنا تتجسد مسئولية مصر ورئيسها مرة أخرى، إن عليها أن تفكر فى كل القضايا، وإن عليها أن تبحث الحلول لكل المشكلات لأن المسيرة لن تستمر ما لم يكن لمصر فيها قول فصل.