لماذا الطموح إلى ضيق الأفق.. والتمسك بالعيش بمخ ناقص؟

30/11/2016 - 11:30:17

بقلم: د. محمد فتحى

فى فورة الإعجاب بالكمبيوتر أو الإنذهال أمامه ظن الباحثون أنهم وقعوا على ماهية مخ الإنسان، بصفته نوعا من الكمبيوترات الهائلة، وبذلت محاولات مستميتة، لقصقصة أجنحة المخ العملاق حقا، حتى يستوعبه نموذج الكمبيوتر القزم، ولقصر الناس وإجبارهم (فى المدرسة والجامعة والعمل والمجتمع و...) على التفكير، كما الكمبيوتر تفكيرا منطقيا تحليليا تتابعيا حسابيا... .


لكن الكمبيوترات، حتى الكبيرة وحتى “الذكية” منها، بل وحتى الأكبر و”الأذكى”، تعد لعبة آلية بسيطة للغاية، عند مقارنتها بالمخ البشرى الفذ الإمكانات.. ذلك الكيان أو النسيج الحى القادر المرن المذهل، الذى تجاوز الآلية والميكانيكية بفراسخ؛ إذ يمكنه أن يحس ويحب ويتعلم ويتوقع ويتخيل ويبدع ويتطور ويتكيف ويحلم و...، وأن يتصرف بشكل كلى قوى متكامل، وليس كمجموعة متناثرة من الوظائف والأجزاء، والمهم أنه يفعل كل ذلك وهو واع ومتألق وحالم و... .


والمأساة الكبرى أن الناس- وربما أنا وأنت منهم- يحاولون رغم تهافت مجاز اعتبار “المخ كمبيوتر” التمسك بالتفكير على طريقة الكمبيوتر، أو بالأحرى بمخ ناقص.. وما عليك إلا أن تستعيد الطريقة التى تود أن تنجح فى التفكير بها أو تتمنى أن يفكر بها ابنك، تفكيرا منطقيا تحليليا متسلسلا... . بينما المخ المخ، الذى يملكه كل منا، يمكننا من تفكير أرقى يستوعب كل ذلك ويتجاوزه كثيرا وبتألق!؟


والمهم أن مشكلة واحدة من المشاكل العويصة الكثيرة التى يواجهها الناس والمجتمع و... يستحيل أن تقع على حلول مؤثرة بمجرد التحليل والتجزيئ والتفكير المنطقى و...، مع إغفال التفكير الكلى والخيال والإبداع بل والعاطفة و...، فكل مأزق يحتاج إلى تفكير المخ الكامل.


كلنا يعرف صورة المخ المكون من نصفين كرويين متشابهين. ويوما ما كانت هناك نظرية “علمية” مستقرة ترى أن النصفين غير متساويين رغم تشابههما. وطبقا لهذه النظرية كان الجانب الأيسر من المخ هو النصف الأساسى الذى يجعل منا بشرا. أما الجانب الأيمن فاعتبر ثانويا.. فى رأى البعض أثرا باقيا من مرحلة مبكرة فى تطور الإنسان. ووصفت هذه النظرية النصف الأيسر بأنه عاقل وراشد ِوتحليلى ومنطقى و...، أى به كل الصفات الحميدة التى يمكن توقعها. أما النصف الأيمن فهو- وفق وصف هذه النظرة- غريزى غفل مشوش يعمل على نحو غير منطقى وغير تحليلى وغير تتابعي...، ليس إلا بقية- أو أثر- من عضو كان مصمما لغاية كبر عليها البشر، واستغنوا عنها.


وهذه النظرة كانت شائعة منذ أيام أبقراط أبو الطب، بمبرر واه: كيف لا يكون الأمر على هذا النحو، ونصف المخ الأيسر قد اصطف فى الجانب الذى يوجد به قلب الإنسان!؟


وفى منتصف القرن التاسع عشر اكتشف طبيب الأمراض العصبية الفرنسى «بول بروك» منطقة أساسية فى النصف الأيسر من الدماغ مسئولة عن اللغة، وبالتالى فإن أى تلف أو تدخل مخل تتعرض له منطقة بروكا- كما يطلق عليها اليوم- ينتج عنه شخص غير قادر على الحديث حديثا متماسكا.. فهذه المنطقة مسئولة عن البناء النحوى للجمل، لذلك يؤدى تلفها لحالة يدرك المصاب فيها ما يريده، لكنه لا ينطق سوى ببضع كلمات متفرقة مشوشة.


جاءت النظرية على هوى الوجهة السائدة منذ عصر أبقراط، وكثرت الأبحاث فى هذا المجال.. وبعد نحو عشر سنوات اكتشف طبيب الأمراض العصبية الألمانى «كارل فيرنيك» منطقة توأم لمنطقة بروكا سميت بمنطقة فيرنيكه، وهى منطقة متعلقة بمعانى الكلمات، توجد فى موقع خلف منطقة بروكا فى الفص الصدغى للمخ، ويؤدى تلف منطقة فيرنيكه إلى عكس ما يحدث فى تلف منطقة بروكا؛ حيث يتحدث المريض بطلاقة وثقة- غير أن الكلام يكون فى معظمه ثرثرة مكررة فارغة وغير مفهومة.


وهكذا تصور البعض أن البحث “العلمي” قد وقع على المطلوب إثباته وفق النظرية السائدة: “النصف الأيسر للمخ عاقل راشد وتحليلى ومنطقى و...، أى أن به كل الصفات الحميدة التى نتوقعها من المخ. أما النصف الأيمن فبقية- أو أثر- من عضو كان مصمما لغاية كبر عليها البشر، واستغنوا عنها.. وكيف لا يكون الأمر على هذا النحو والدليل هذه المرة قاطع، فاللغة هى ما يميز الإنسان عن الحيوان، وبما أن النصف الأيسر هو المسئول عنها- بدلالة منطقتى بروكا وفيرنيكه- فهذا النصف، بالتبعية، ما يجعل منا بشرا، بالذات وأن نفس المنطقتين فى النصف الأيمن من المخ ليس لهما أى تأثير على الكلام!


وقد عززت متطلبات “موجة الصناعة” الحضارية- وتبعتها بزخم أقوى متطلبات “موجة المعلوماتية” التى تلتها- والمدارس والجامعات التى تعد الكوادر اللازمة لها، من عمال وفنيين ومهندسين ومحاسبين ورجال أعمال و...، عززت هذه النظرة وساهمت فى الإعلاء من شأن نصف المخ الأيسر وقدراته.


حتى إنه فى فورة الإعجاب بالكمبيوتر أو الإنذهال أمامه ظن الباحثون أنهم وقعوا على ماهية مخ الإنسان، وهى كونه نوعا من الكمبيوترات العملاقة، وبذلت محاولات هائلة، لقصقصة أجنحة مخ الإنسان حتى يستوعبه هذا النموذج القزم، ولقصر الناس وإجبارهم (فى المدرسة والجامعة والعمل و...) على التفكير، كما الكمبيوتر تفكيرا منطقيا تسلسليا تحليليا حسابيا... .


أخطأ العلماء!


والمهم أن الرأى السابق فى طبيعة نصفى المخ ظل سائدا إلى خمسينيات القرن العشرين. لكن لأن البحث العلمى لم يتوقف ظهر رأى آخر، حين قام «روجر سبيرى» الأستاذ بمعهد كاليفورنيا للعلوم (كالتيك زويل) بدراسة لمرضى النوبات الصرعية، الذين استدعت حالتهم استئصال حزمة ضخمة من ملايين الألياف العصبية التى تربط نصفى المخ (المقرن الأعظم corpus callosum)، واكتشف مع هؤلاء (منشقى نصفى المخ) أن الرأى المتعارف عليه عن النصفين الأيسر والأيمن رأى خاطئ.. صحيح أن المخ البشرى منقسم إلى قسمين، ولكن “القسم الذى يزعم أنه ثانوى وغير مهم، والذى ظننا فيما سبق أنه “أمى ومتخلف” والذى رأى بعض العلماء أنه ليس مدركا أو واعيا، هو فى الحقيقة النصف الأهم لأداء أنواع معينة من المهام العقلية الراقية. وبعبارة أخرى فالنصف الأيمن لم يكن أدنى أو أقل أهمية من النصف الأيسر، ولكنه مختلف عنه فحسب. وقد كتب سبيري: “يبدو أن هناك شكلين للتفكير يتمثلان بصورة منفصلة لحد ما فى نصفى المخ الأيسر والأيمن”. وقد أوضح الدرس أن النصف الأيسر يفكر بشكل متتابع، ويتفوق فى التحليل، ويختص بالتعامل مع اللغة و... . أما النصف الأيمن فيفكر بشكل كلى شمولى (يحاول فهمها على الطاير ودون تحليل أوتجزيئ)، ويفسر المشاعر والتعبيرات غير اللفظية، ويتعرف على الأنماط المتباينة و... . أى أنه تبين، مع الدرس الدرس، أن ما كان مستخفا به، بوصفه إرثًا حيوانيا، هو قمة المنزلة الإنسانية، بتجاوزه التفكير والوعى المنعكس حيوانى النمط، فالنصف الأيمن حساس ووجداني، مسئول عن موسيقى الصوت والغناء، يحدِّد موضعنا فى المكان والزمان، ويشدنا إلى الحدس والتصوف و... .


وجدير بالذكر أن سبيرى فاز بجائزة نوبل على إنجازه، الذى أحدث انقلابا فى علوم النفس والأعصاب، مما أدى إلى إعادة صياغة إدراكنا، مع الدرس، لأدوار نصفى المخ ولطبيعته وطبيعة الذات البشرية.


الذهول أمام الكمبيوتر


لكن عصر الكمبيوتر كان قد بدأ، وعصر المعلوماتية راح يحث خطاه، وبات الإنسان يقف مذهولا أمام قدرات الكمبيوتر الحسابية المنطقية التحليلية التتابعية، وكان عصر الكمبيوتر يحتاج إلى الكوادر التى سترسى دعائمه، من مبرمجين وفنيين ومهندسين ومحاسبين ورجال أعمال و...، والواجب أن يفكروا تفكيرا حسابيا تتابعيا منطقيا على شاكلة الكمبيوتر. ومن هنا جرى تحديد إقامة المخ فى قدرات النصف الأيسر، وبات غالبية الناس يطمحون أن يتحلوا بها هم وأولادهم- حتى يجدوا أدوارا بارزة فى مجتمع المعلوماتية، رغم حاجة الإنسان الماسة إلى أن يعمل مخه بكامل قدراته، لأن أيا من النصفين لا يؤدى وظائفه، كما أثبت الدرس الدرس، فى انفصال عن النصف الآخر. ولأن نصفى المخ يتكافلان بالعمل سويا.. وحتى نبين ذلك لا بأس من مشهد عاطفى بين زوج وزوجته “هو يقول لها أنا أحبك فترد عليه وأنا بأموت فيك”.. إذ يتعذر فهم إن كانا صادقين فى تعبيرهما، أو”يتتريقان “الواحد على الآخر، أو أن أحدهما صادق والآخر... يتعذر فهم ذلك على نحو كامل، دون عمل نصفى المخ معا، لكن علينا قبل ذلك بأن نلم بتصور مبسط عن هذا العضو الحيوى الفذ، الذى يعد أرقى وأعقد شيء عرفته، وربما ستعرفه، البشرية على الإطلاق.


نسيج حى معجز


يحتوى مخ الإنسان البالغ الذى يصل وزنه إلى ١.٤ كجم، على نحو ١٠٠ مليار خلية عصبية (عصبونات neurons)، ولكل من هذه الخلايا عدد من المشابك synapses، قد تصل إلى نصف المليون، تساهم فى ربط الخلية مع خلايا المخ الأخرى. وتأتى هذه الاتصالات بعدد كبير من “النكهات” الكيميائية الكهربية المختلفة، إذ أن لكل خلية نظامها الداخلى المعقد للتعبير الجينى والإنتاج الإنزيمى و...، الذى يقوم بصورة مستمرة بضبط سلوكها. حتى أنه يمكن تشبيه الخلية بمدينة مزدحمة بالمؤسسات والوظائف، وليس مجرد قنطرة أو جسر توصيل وسط الكتلة المتشابكة من سبل المخ العصبية.


ومع التشابك تنتظم الخلايا العصبية فى دوائر كهروكيميائية. إذ تتلقى كل منها إشارات، وعندما تصل إلى عتبة الحد الحرج الخاص بها، تطلق نمطها الخاص من الإشارات. التى تصل عبر المشابك لخلايا أخرى، فتتكون شبكات من الخلايا العصبية neural network، تقوم بالاحتفاظ بالذكريات عن طريق تقوية أو إضعاف اتصالاتها العديدة معا. وتؤدى تجربة جديدة، مثل رؤية لوحة للفنان المصرى الكبير «محمود سعيد» لأول مرة، إلى استثارة مجموعة معينة من الخلايا فتعمل على تقوية ارتباطاتها فى شبكة عصبية، بحيث يمكنها لاحقا أن تتعرف على نفس اللوحة بسهولة، حيث يؤدى تنبيه نقطة واحدة من الشبكة إلى إعادة الصورة الذهنية بكاملها للحياة؟! والشبكات العصبية تركيب مرن يقوم بعملية تمثيل وتذكر ومعالجة المعلومات، معتمدا على مرونة المنطق الحيوى organic logic، لأن الشبكة تثرى وتتطور مع الاستخدام. حتى أننا بعد مشاهدة عدد من لوحات محمود سعيد، يمكن أن نشاهد لوحة لا نعرف الفنان الذى رسمها، فتوحى لنا الشبكة المعنية- عن طريق الأنماط العامة التى استخلصتها من اللوحات السابقة- أن اللوحة المجهولة لمحمود سعيد و... .


ومع دراسة وتسجيل نشاط الخلايا العصبية المنفردة، اكتشف الباحثون أن نتاج كل خلية عصبية (وبالتالى شبكة الخلايا معا) يتغير حسب حالة الانتباه التى يكون عليها الكائن الحي؛ فإذا كان مهتما بأحد المنبهات (لكونه سيحصل على مكافأة)، تقوم العصبونات التى تقوم بتمثيل شكله بالوميض بصورة أكثر حدة. وعلى العكس من ذلك، فإذا كان هذا الجسم لا يمثل هدفا مهما، تخفت حدة نشاط العصبونات المعنية. وهذا ينفى أى اعتقاد بكون المخ مجرد آلة مداخيل-نتاج input-output بسيطة كالكمبيوتر.. تدخل المعلومات الحسية الخام من إحدى نهايتيها، وتقفز من الناحية الأخرى كصورة “للعرض” الواعي. ويطرح ذلك مفاهيم وتساؤلات كثيرة، من قبيل: هل يصنع نشاط العصبونات حالتنا الذهنية؟ أم تحرِّض الحالة الذهنية نشاط العصبونات؟ والإجابة هى أن للمخ منطقا حيويا أو كليا مرنا holistic مختلفا تماما، يكون فيه نشاط الكل والأجزاء المكونة له متشابكا ومتباينا للغاية مما يؤثر على تباين النتاج و... .


بحبك وبموت فيك


هذا كما ثبت أن دارات أو دوائر قشرة المخ الأمامجبهية التى يختص بها الإنسان تيسِّر- بفضل الألياف العصبية التى تربط نصفى المخ (المقرن الأعظم)- التنسيق بين التشبيكات العصبية فى نصفى المخ.. تجعل النصفين الكرويين للمخ يعملان، بغض النظر عن درجة التخصصية الثنائية لكل، بصورة أوركسترالية معًا وجنبًا إلى جنب، أى أنهما لا يعملان منفصلين، يكف أحدهما ليعمل الآخر، بل يقوم كل منهما بدور ما فى كل شيء نفعله تقريبا، وإن انتهجا نهجين مختلفين إلى حد كبير فيما يتعلق بتوجيه أفعالنا وفهم العالم والاستجابة للأحداث، فى توزيع حيوى فذ ومبدع للأدوار.


الأيسر يعمل منطقيا تحليليا تتابعيا حسابيا... . والأيمن يحس ويحب ويتعلم ويتوقع ويتخيل ويبدع ويتطور ويتكيف ويحلم و...، كما أنه يتصرف بشكل كلى متكامل، وليس كمجموعة متناثرة من الأجزاء.


وعلى هذا النحو فإن النصف الأيسر لا يحسن العمل ما لم يتصل بالنصف الأيمن كى يعبِّر تعبيرًا أفضل عما يستشعره هذا الأخير، بدلاً من أن يحبس نفسه فى “أيديولوجيات” غير واقعية. وعلى هذا النحو فالمخ الإنسانى مؤسسة عاطفية لها قلب (النصف الأيمن)، وإن كانت عاطفيتها واعٍية وليست عمياء، من حيث اشتمالها على نظرة الصواب (المنطق) الخاصة بالمخ الأيسر، الذى يفقد جفافه اللاإنساني، بفضل النصف الأيمن.


وإذا عدنا إلى المشهد العاطفى بين زوج وزوجه “هو يقول لها أنا أحبك فترد عليه وأنا بأموت فيك”.. فالنصف الأيسر من الدماغ متخصص فى التقاط الأصوات التى تتشكل منها الكلمات وترجمتها للمعنى الحرفى المقابل لها. والنصف الأيمن من الدماغ يكون فى الواقع أكثر حساسية وإدراكًا للمشاعر التى تتضمنها وتحملها اللغة والكلمات، ولمعناها الكلي.


وبصدد أنا بحبك وأنا بأموت فيك فإن النصف الأيسر هو الذى يتعرف على بناء الجملة ويفك شفرة الكلمات التى قالتها الزوجة ويتوصل بالتالى إلى معناها الحرفى المحايد ولك أن تتصوره (أنا أموت فيك) لكن نصف المخ الأيمن هو الذى يدرك الإحساس ونبرة الصوت و... التى قيلت به الكلمات، وناهيك عن أنه يدرك معناها المجازى الكلي، يفهم إن كانت تنطوى على حب ووله حقيقى أو سخرية وغضب أو... . بينما لن يفهم من يكف لديه عمل نصف المخ الأيمن إلا معنى الموت و... . وهكذا يتأكد لنا أن للنصف الأيمن دورا لغويا حيويا أيضا، فقل لى بالله عليك ماذا يفعل النصف الأيسر مع عبارات مجازية من قبيل عاد بخفى حنين و... . بالذات والتخريجات العلمية الحديثة ترى أن الكلمات لا تنطوى إلا على حوالى ٣٥٪ من معنى الحديث والباقى يكون من نصيب تون الكلام ولغة الجسد و... .


ولعله المكان المناسب للإشارة إلى أننا نتحدث عن توزيع أدوار مرن لدى أصحاب المخ بنصفيه السليمين، لأن هناك حالات مثبتة فقد فيها البعض أنصاف أمخاخهم، فتسلم النصف المتبقى زمام الأمور بمفرده، وبدأ فى مد خطوط اتصال جديدة وإعادة بناء نفسه بحيث يمكنه التحكم الكامل فى كل الوظائف الإنسانية.. أى أن النصف المتبقى لهذا العضو الراقى المعجز المرن تكفل بوظائف النصفين معا. والإشارة إلى أن العلم الحديث لا يزال عاجزا عن معرفة كاملة لهذا العضو العجيب الذى يضطلع بعدد كبير من المهام والوظائف، ابتداء من تنظيم الأفعال غير الإرادية كالتنفس ونبض القلب وحرارة الجسم والهضم وحفظ توازن الجسم و...، وانتهاء بالإدراك والتفكير والعواطف والتذكر والوعى والتخيل والإبداع.


والقارئ يدرك طبعا أن حكاية “أنا أحبك، وأنا بموت فيك” مجرد مثال طريف للإيضاح، فليس هناك إنجاز واحد له قيمة حققه الإنسان إلا واعتمد فيه على الولع والفهم المبدع الكلى على الطاير (وجدتها وجدتها) الذى قاده النصف الأيمن من المخ، معتمدا على التجزيئ والتحليل والتفكير المنطقى و... للنصف الأيسر الشقيق المتآلف معه أوركستراليا.


إن العقل العظيم يجب أن يجمع بين ملكات المنطق والخيال، التحليل والتركيب، و... معا. لكن يبدو أن الغالبية العظمى من الناس أدمنوا الحط من قدر أنفسهم، ومع ذلك الحط من قدر أمخاخهم وقدراتها الثرية المتكاملة، وباتوا يجاهدون فى قصر تفكيرهم على التفكير المنطقى والتحليل والتجزيئ و... وحدها حتى يدركوا نجاحا “كمبيوتريا” عمليا، سيظل يعدو أمامهم على بعد فراسخ بلا نهاية، حتى لو اعتمدوا على أعتى الكمبيوترات وبرعوا فى التفكير على طريقتها.


وربما كان الأهم فى هذا المجال أن مشكلة واحدة من المشاكل العويصة الكثيرة التى يواجهها الناس والمجتمع و... يستحيل أن تقع على حلول مؤثرة، فى ظروف عالمنا المتشابكة المعقدة، بمجرد التحليل والتجزيئ والتفكير المنطقى و...، مع إغفال التفكير الكلى والخيال والإبداع بل والعاطفة و... .


إن نصفى المخ ليسا سوى جناحين يحلق بهما تفكير الإنسان الإبداعى المترابط.. الإنسان الذى كلفه الخالق الأعظم، بعد أن بث فيه بعضا من روحه، كلفه بالإبداع فى عمارة الدنيا... .