لا ملجأ لنا سواه كل ما فى العالم يحاصر الشعر ويخنقه

30/11/2016 - 11:26:32

  د. هيثم الحاج على د. هيثم الحاج على

تقرير: شيرين صبحى

حالة من الارتباك سادت مشهد ملتقى القاهرة الرابع للشعر العربى قبل انطلاقه، لغط هنا وهناك، واعتذارات توالت حتى اللحظة الأخيرة، وافتتاح غابت عنه الأسماء الكبيرة بداية من سعدى يوسف وأدونيس وقاسم حداد وصولا إلى الأجيال الأصغر سنا. فراغ امتد بالمسرح الصغير حيث انطلقت فعاليات الملتقى متأخرة أربعين دقيقة كاملة لتضرب القاهرة مثالا متكررا على عدم الانضباط.


ألقى الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى كلمة الشعراء المصريين فى الملتقى الذى جاء تحت عنوان «ضرورة الشعر»، قائلا إن وضعنا الآن أسوأ مما نتصور، لأننا لا نملك حتى الوعى الذى نستطيع أن نتصور ما نحن فيه، ولن يمكننا ذلك إلا بالشعر، فهو الملجأ الوحيد لنا، ولذا علينا أن ننقذه.


وتساءل حجازى: هل يمكن أن يموت الشعر؟ موضحا أنه فى القرن الماضى، توالت الكشوف العلمية، وأصبحت الطبيعة والتاريخ والإنسان والجسد والعقل والنفس ساحات مفتوحة للكشف والتنقيب، وصار العالم كله شبكة مترابطة من المصالح فى كل شىء، ووجد المثقفون الأوروبيون والشعراء أنفسهم خارج هذا العالم، الذى لم يعودوا يعرفونه، وأخذوا يتحدثون عن ضياع الحقيقة، ومنهم من تحدث عن ضياعه هو وافتقاده لنفسه التى لم يعد يستطيع التعرف عليها.


نحن الآن فى وضع شبيه بذلك الوضع الذى شعر فيه الرومانتيكيون بالاغتراب الشديد، كما يقول حجازى، وبالتالى كان وضعنا أشد، لأننا خرجنا من عالمنا فى القرن الواحد والعشرين، وعالم الآخرين الذى سقطت شعاراته ولا تزال انهياراته تتواصل لنقف على باب المجهول الذى لا نعرف أوله من آخره. الإنسان يقف الآن وحيدًا فى فراغ صامت ومن حوله وسائل الاتصال التى فقد بها الاتصال، لهذا نتحدث اليوم عن ضرورة الشعر، لأننا فى أشد الحاجة إليه، ولأن كل ما فى العالم الآن يحاصر الشعر ويخنقه، وليس الشعر وحده هو المحاصر، بل اللغة والحب والصداقة.


واعتبر حجازى أن وضعنا أسوأ لأننا لا نقوم بالمشاركة فى البحث عن عالمنا القادم، بل اندفعنا فى البحث عن ماضينا والعنف الدموى والأنظمة المستبدة، والانتحار الجماعى الذى نعيشه فى كل مكان، ولا ملجأ لنا إلا أن نعود إلى أنفسنا، وأن نسترد وعينا بواقعنا، وأن نتحدث مع قلوبنا، ولا ملجأ لنا إلا الشعر، لنتخلص به من الكراهية وما يفرق بيننا، ونستعيد علاقتنا الحميمة بالأرض والشجر والسحاب والمطر.


وفى كلمة المشاركين العرب التى ألقاها الشاعر الفلسطينى عز الدين المناصرة، شبه مصر بجبل المغناطيس الذى يجلب إليه كل عناصر الحداثة، وأنها قد تتردد فى بعض الأوقات لكنها إذا اقتنعت لا تتوانى وتمنح الفرصة كاملة، فإن اخطأت التقدير تسامحك فهى أبدا لا تغلق بابها.


وأضاف المناصرة أن الشعر يقع فى منطقة وسط بين ما نقوله وما نشعر به، وهناك أربعة أشكال معترف بها العمودى والتفعيلى وقصيدة النثر التى تصارع منذ أمين الريحانى وحتى انفجارها الكبير فى التسعينيات، والشعر اللهجى وشعر الهجرة اللغوية وهو هجين كتبه شعراء المهجر بين اللغة العربية وعدد من اللغات. وتساءل لماذا نرفض هذا الشعر ولا نقره، فالشعر شغف والشاعر المختلف هو من يمتلك بصمة خاصة به.


من جانبه اعترف الدكتور هيثم الحاج على، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، والقائم بأعمال الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، بالتحديات التى واجهها الملتقى، وقال إننا نتطلع إلى مشهد إبداعى يعيد للقصيدة العربية حضورها الفاعل لنصنع من اختلافاتنا نقاشا منتجًا. مشيرا إلى أن مصر الشاعرة التى أعادت إنتاج التاريخ، قصيدة لا تنتهى، ودورًا محفزًا للإبداع.


روى الكاتب الصحفى حلمى النمنم، وزير الثقافة، قصة انطلاق الملتقى الذى طالب بتأسيسه شيخ الروائيين نجيب محفوظ، للرد على مقولة أننا نعيش فى زمن الرواية، موضحا أنه عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وذهب إليه المثقفون والنقاد، أرسل معهم طلبا إلى وزير الثقافة حينها فاروق حسنى بتأسيس ملتقى للشعر العربى، للتأكيد على أن الشعر هو ديوان العرب.


وأكد النمنم أن العالم الآن فى أمس الحاجة للشعر والشعراء، وسط كل الحرائق التى تدور فى الوطن العربى.


خيانة الشعر


واجه الملتقى كثيرا من الاعتذارات بدأها الشاعر السورى أدونيس، والعراقى سعدى يوسف، ثم اعتذر الشاعر اللبنانى عباس بيضون، معتبرا مشاركته خيانة لنفسه وللشعر معا. وكتب فى مقالا يوضح فيه سبب اعتذاره قائلا: «علمت أن أدونيس وسعدى يوسف اعتذرا عن عدم الحضور، وليس هذا بلا سبب، ثم علمت أن عبد المنعم رمضان وهو من شعرائى المفضلين، ومعه سرب آخر من الشعراء المصريين اعتذروا أيضًا عن عدم الحضور، وليس هذا بلا سبب أيضًا.. قلت فى نفسى ما شأنى أنا بملتقى يغيب عنه هؤلاء، لأسباب لا أشك أنها تعنينى كمثقف وتعنينى كشاعر.


لقد آثر شعراء مهمون، من أجيال مختلفة، أن لا يحضروا ملتقى حجب جائزته ذات يوم عن سعدى يوسف، الذى كان من رأى محمود درويش، الذى صارت إليه جائزة الملتقى الأول، انه أهم الشعراء العرب. فمن أنا لأحضر وأشارك، على رأيى فى الشعر وعلى تجربتى فيه وعلى نظرتى للعالم وللثقافة وللأجهزة الثقافية وغير الثقافية. ألست فى هذا أخون نفسى وأخون معها الشعر، بكل ما عنى لى وما كانه فى نفسى وفى حياتى.


فهمت أن الدورة الحالية للملتقى توازن بين شاعرين هما سيد حجاب وإبراهيم أبو سنة. لست أحسب أن أمرًا كهذا يستحق أن يكون له ملتقى، والأحرى فى مثل هذه الحال أن نخفى رؤوسنا عن الشعر، وأن لا نشهد فيه الشهادة التى تعنى فقط أنه تقهقر وتجرجر وساءت حاله ورثّ. ألا يعنى هذا أن عقودًا من الشعر جرى إهمالها وأجيالًا تم تجاوزها، وتجارب رائدة نجرؤ على عدم الاعتراف بها. كأننا لم نفعل سوى نسيان تاريخ الشعر الراهن ورميه خارجًا.


إذا كانت هذه الدورة مصرية الجائزة، مع أننى لا أفهم هذا التصنيف بين عربى ومصرى، ألم يكن فى مسار الشعر المصرى «أصوات» و»إضاءة» ألم تكن فيه قصيدة النثر، ألم تتعاقب فيه أجيال فلماذا الإصرار على عدم النظر إلا إلى بقايا طور لم تكن أساسية فيه. وكيف لمثلى أن يشترك فى تنصيب من لا يستطيع قراءتهم».


وكأن اعتذار بيضون فتح بابا للاعتذارات التى انهالت على الملتقى، حيث اعتبر كثيرون مشاركتهم فى الملتقى خيانة غير مبررة لقناعاتهم وللشعر، منهم الشاعر عاطف عبد العزيز، الذى يرى وجود أزمة طال استحكامها بين جيلين كبيرين، وغلب عليها النزعة الإقصائية، مشيرا إلى أن تطعيم قوائم المشاركة ببعض الأسماء الطليعية، لم يكن سوى محاولة لذر الغبار فى العيون من أجل تمرير ذات الأسماء التى فرضت نفسها على المشهد الشعرى الرسمى طوال الوقت دون استحقاق، مضاف إليها أسماء أخرى جديدة لا تستند إلى مواهب حقيقية، فى الوقت الذى يستمر فيه إقصاء أسماء كبيرة ومهمة فى جيله.


أما الشاعر جمال القصاص، فكتب فى تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»: «بعيدًا عن البيانات والطنطة، وحسابات الربح والخسارة، والمع والضد، لن أشارك فى ملتقى القاهرة للشعر العربى، احترامًا لروح أستاذى الشاعر الرائد محمد عفيفى مطر، الذى تنعقد هذه الدورة تحت مظلة اسمه واسم الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل». مضيفا: «لقد كان محمد عفيفى مطر الأجدر بجائزة هذا الملتقى فى دوراته السابقة، الآن بعد أن رحل بجسده عن عالمنا الزائل، تتم مكافأته بهذه المظلة المخاتلة.. معذرة أيها الشعر، أيها الكائن الجميل.. كم من الجرائم ترتكب باسمك».


واعتذر الشاعر أمجد ريان، لأنه ينتظر اليوم الذى تعبر فيه الثقافة عن قدرتها الفعلية للتعبير عن الواقع ونقل نبض الحياة، قائلا: «هناك أسماء لمشاركين لم تعد لهم أية فعالية فى الحركة الشعرية اليوم، وهناك أسماء لمشاركين لم تبدأ مشاركتهم الحقيقية بعد فى هذه الحركة، واندهشت كثيرًا وسألت مثل غيرى عن سبب الإصرار على الزج بمثل تلك الأسماء، وكأن هناك أسماء فوق الواقع وفوق الإبداع، فى الوقت الذى تحجب فيه أسماء مهمة، لها دور شبه يومى فى إثراء الحياة الشعرية والثقافية فى بلادنا».


وانتقد الناقد الشاب عمر شهريار عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، الحديث الدائر عن ذهاب الجائزة إلى محمد إبراهيم أبو سنة أو حسن طلب، وعلق قائلا: «بلد لديها جمال القصاص وعبدالمنعم رمضان وفريد أبوسعدة وغيرهم شعراء كثيرون وتتجاهلهم، لا تستحق التعامل معها بجدية. وصل بهم الأمر أن رفضوا بحثا لناقدة كبيرة فى قامة فاطمة قنديل ويبررون الأمر أنه ليس ضمن المحاور»..!


كما اعتذر الشعراء عبد المنعم رمضان، ميسون صقر، وقاسم حداد.


الدكتور محمد عبد المطلب، مقرر لجنة الشعر والملتقى، أكد أن كل الشعراء الذين قدموا اعتذارهم قبل يوم من بدء فعاليات الملتقى قد قلدوا عباس بيضون وتعمدوا إحداث أزمة، مؤكدا أنهم لو كانوا جادين فى أسبابهم لتقدموا بالاعتذار منذ أسبوع عند تلقيهم البرنامج لكنهم لم يفعلوا.


أمر آخر أثار التساؤل والتعجب هو انتهاء انتداب دكتورة أمل الصبان أمين عام المجلس الأعلى للثقافة عشية انطلاق الملتقى، وإسناد مهامها إلى الدكتور هيثم الحاج على بشكل مؤقت، وحديث عن اعتذارها عن الاستمرار لأسباب أسرية!


بعيدا عن الاعتذارات ورغم أنه ملتقى للاحتفاء بالشعر، لم يغب الحديث عن الرواية ومقارنتها بالشعر، خاصة فى حضور دكتور جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق، صاحب مقولة «زمن الرواية»، وهو الأمر الذى دعا الشاعر اللبنانى محمد على شمس الدين، إلى قول أن الشعر العربى يتيم، فالمشاركون فى ملتقى للشعر، حولوا الحديث عن الشعر إلى الحديث عن الرواية والدفاع عنها، معلقا: «فى عرس الشعر حولتم العريس إلى خادم»..!