خروجا عن مبادئ الإسلام .. صلب الحلاج وذبح الخليفة المقتدر

30/11/2016 - 11:22:30

بقلم - رجائى عطية

طالت خلافة « المقتدر» إلى خمسة وعشرين سنة إلاَّ أيامًا ، قبل أن يُقْتَل ذبحًا فى ٢٨ شوال سنة ٣٢٠ هـ / أول نوفمبر ٩٣٢ م ، وتخللت هذه المدة الطويلة التى بلغت ربع قرن ـ أحداث جسام ، وقامت فيها دول ، وانقضت دول ، وأُريقت دماء ، وكان من أشهر حوادث القتل قتل الحلاج الصوفى صبرًا فى مأساة لم ينقطع فيها الحديث حتى الآن !


وكانت الأحداث التى مرت بنا ، بمبايعة المقتدر ثم خلعه ومبايعة ابن المعتز ، ثم الانقلاب على ابن المعتز ، وحبسه وقتله ، وإعادة الصبى « المقتدر » ابن الثلاثة عشر عامًا إلى الحكم ، إيذانًا بضعف الخلافة ضعفًا شديدًا ، وانتكاسها ، وسقوط هيبتها ، وانفراط عقد الدولة التى ركب أمورها أم الصبى الغر الذى لا يعرف شيئًا فى السياسة وغير السياسة ، وقهرمانة ، والصبى مشغول باللعب واللهو والسرف ، وعلى من يريد عملاً أو منصبًا أو يطمع فى وزارة ـ أن يتقرب إلى أم الصبى وقهرمانة اللتين صارت لهما الكلمة ، وإليهما يتقرب المريدون بالرشوة والقُرُبات !


وقد كان أول الوزراء ـ أبا الحسن : على بن محمد بن موسى بن الفرات ، استوزر فى ربيع الأول سنة ٢٩٦ هـ / ٩٠٨ م ، فصادر من صادر ، وقتل من قتل ، وسرت فى البلاد فتنة ضاربة دخل فيمن دخل فيها أبو عمر : محمد بن يوسف القاضى ، وامتدت سياسة استبعاد واضطهاد أهل الذمة التى بدأت فى عهد « المتوكل » ، وصارت « أم موسى الهاشمية » ـ « قهرمانة » دار المقتدر ، واللفظ فارسى يعنى أنها المسيطرة والحفيظة ، وقد كانت تؤدى الرسائل عن المقتدر وأمه إلى الوزراء ، ثم امتد نفوذها إلى التحكم فى الكثير من أمور الدولة .


ولم يلبث الوزير ابن الفرات ، أن قُبض عليه وحبس سنة ٢٩٩هـ /٩١١ م بعد ثلاثة أعوام من استوزاره ، وهُوجم داره ، ونُهبت أمواله ، وانتهكت حريمه ، وعُصِف بأهله وأصحابه ، واستوزر « محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان » .


ولكن سرعان ما عُزل ابن خاقان ، لخطأ تعيينه ابتداءً ، فقد كان ضجورًا ضيق الصدر مهملاً مقصرًا ، وتحكم فيه أولاده الذين أمعنوا فى الرشوة يتقاضونها ممن يولّونه أى أعمال ، وفسدت الأحوال ، واضطربت شئون الخلافة ، حتى اضطر « المقتدر» إلى إخراج « ابن الفرات » من محبسه إلى إقامة مستترة ، واستطلاع رأيه فيما يُعرض من الأمور ، ويبدو أن هذا تكرَّر إزاء الإخفاقات المتكررة فى اختيار الوزراء .


ثم ما لبث الخليفة أن استوزر « على بن عيسى » ، بعد حبس « محمد بن عبيد الله » مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد ، وتفجرت بعد توليته فضائح تزويرات التوقيعات التى جرت فى عهد « الخاقانى » ، ووراء هذا التزوير تلال من الفساد ، وضاق الناس واستوحشوا استقامة « على بن عيسى » وسعيه للإصلاح ، فكثرت السعاية ضده والوقيعة له ، واستثقله أكثر الناس وضاقوا به ، فآثر الاستعفاء ، وكتب رقعة بذلك إلى « أم المقتدر » .


تعدد الوزراء واضطراب الوزارات


مع اضطراب سياسة الدولة


تعدد تعيين وخلع واستبدال الوزراء تعددًّا يستعصى على الحصر فى هذا الحيز ، فابن الفرات على سبيل المثال تولى الوزارة ثلاث مرات ، وتأرجح موقف المقتدر منه بين السخط إلى حد الحبس والمصادرة ، وبين الرضا وإعادة تعيينه أو استشارته سرًّا من وراء ستار . وتولى الوزارة الخاقانى ثم عزل وقبض عليه ، وعلى بن عيسى ثم عزل ، وحامد بن العباس ثم عزل ، ثم أعيد القبض على ابن الفرات وولده المحسن بعد وزارته الثالثة ، ثم قتل ذبحًا هو وولده .


ففى ذيل تاريخ الطبرى ، وتاريخ ابن الأثير ، وتاريخ ابن كثير ، وموسوعة نهاية الأرب للنويرى ، أنه مع القبض على ابن الفرات سنة ٣١٢ هـ / ٩٢٤ م ، اختفى المحسن ابنه ، ولكن المقتدر جَدَّ فى طلبه ، ونادى بإهدار دم من يوجد عنده وأخذ ماله ، وهدم داره ، وعزم على تفتيش منازل بغداد كلها بحثًا عنه ، وظل على ذلك حتى ظفر به ، وحبسه مع أبيه ابن الفرات فى دار السلطان .


ومن الغريب أن يشيع أن المقتدر عازم على استوزار ابن الفرات مرة رابعة ، فأوغر ذلك صدور منافسيه وحاسديه والحاقدين عليه ، فأمعنوا فى تحريض المقتدر عليه ، وسرعان ما غلبته أهواؤه فأمر بقتل ابن الفرات وابنه ، وبدأ « نازوك » المأمور من الخليفة بقتل الابن « المحسن » ، فذبحه كما تُذبح الشاة ، وبلغ من قسوته أن حمل رأس الابن إلى أبيه ، فارتاع ارتياعًا شديدًا ، قبل أن يثنى « نازوك » به ويذبحه بدوره ذبح الشاة فى ربيع الآخر سنة ٣١٢ هـ / ٩٢٤ م وهو فى الواحدة والسبعين من عمره ، ثم حُمِلَ « الرأسان » إلى المقتدر فأمر بتغريقهما ، فأغرقا فى نهر دجلة !!


وممن استوزرهم المقتدر : « أبو العباس الخصيبى » ، وكان شروبًا سكيرًا لا يصلح لعمل ، ففسدت الأمور أكثر مما هى فاسدة ، فعزله المقتدر فى ذى القعدة سنة ٣١٤ هـ / ٩٢٦ م ، وقبض عليه وحبسه ومعه ابنه وأصحابه . وعين بدله على بن عيسى ثم ما لبث أن عزله وقبض عليه .


واستوزر « أبا على بن مقلة » سنة ٣١٦ هـ ، ولكنه كان مع مهارته مرتشيًا فعزله المقتدر فى آخر جمادى الأولى سنة ٣١٨ هـ وقبض عليه ، واستوزر « سليمان بن الحسن » ، ثم « أبا القاسم الكلوذانى » ، ثم « الحسين بن القاسم » !


من طرائف المقتدر !


ومن طرائف « المقتدر » أنه خَلَعَ سنة ٣٠١ هـ / ٩١٣ م على ابنه أبى العباس ، وقلّده أعمال مصر والمغرب ، بينما هو طفل عمره أربع سنوات ، وهو الذى وُلّى الخلافة فيما بعد سنة ٣٢٢ هـ / ٩٣٤ م باسم « الراضى بالله » أبى العباس أحمد بن المقتدر ، وذلك فى أعقاب ولاية « القاهر بالله » أبى منصور محمد بن المعتضد الذى تولى أقل من عامين سنة ٣٢٠ هـ / ٩٣٢ م فى أعقاب ذبح المقتدر !


وعاد « المقتدر » فخلع أيضًا على ابنه « على » وولاّه الرّىّ ودبناوند وقزوين وزنجان وأبهر .


حكومة الخدم والنساء !


ليست هذه التسمية من عندياتى ، إنما كانت المسمى الذى أطلقه العامة على حكومة « المقتدر » ، فقد كانت المتحكمة فى الأمور أمه وقهرمانة ، اللتان صار إليهما التحكم فى كافة الأمور ، وصار الأمر والنهى لحرم الخليفة ونسائه ، وإلى أم المقتدر التى كلفت القهرمانة بأن تجلس للمظالم وتنظر فى رقاع الناس كل جمعة ، وتبتّ فيها ، وتحضر القضاة والأعيان وتبرز إليهم الرقاع وعليها خطها وتوقيعاتها !


وقد رأينا كيف أن « على بن عيسى » طلب استعفاءه لما رآه من فساد الأمور فسادًا لا صلاح منه ، وأنه كتب رقعة استعفائه إلى « أم المقتدر » صاحبة الكلمة المتحكمة فى
كل شىء .


قتل الأمير أبى نصر أحمد بن إسماعيل السامانى وتولية ابنه بدله ـ وهو ابن ثمانى سنين !


أورد المؤرخون فى أحداث سنة ٣٠١ هـ / ٩١٣ ـ ٩١٤ م ، أن صاحب خراسان وما وراء النهر ـ الأمير أبا نصر أحمد بن إسماعيل السامانى ، كان له أسد اعتاد أن يربطه على باب بيته ، فلا يجسر أحد على الاقتراب ، بيد أنه ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخر ٣٠١ هـ / ٩١٣ م ، أغفل حرسه إحضار الأسد ، فدخل عليه جماعة من غلمانه فذبحوه على سريره وهربوا !


بيد أن الأغرب أن وُلّى الأمر من بعده ابنه « أبو الحسن نصر » ، وهو ابن ثمانى سنين !!!


الحسين بن حمدان


وعادة الانقلاب !


رأينا كيف أن « الحسين بن حمدان » كان أحد الذين نهضوا لخلع « المقتدر بالله » وتولية « عبد الله بن المعتز بالله » ، وأنه أحد الذين انقضوا على الوزير « العباس بن الحسن » وقتلوه عندما تراجع عن خلع « المقتدر » ، وأنه حاول قتل « المقتدر » نفسه لولا أنه أخفق فى العثور عليه ، ثم عاد فانقلب انقلابًا ثانيًا وشَفَّع من ردوه إلى « المقتدر » حيث كوفئ بالتعيين واليًا له على « قم » و« قاشان» .


بيد أن « الحسين بن حمدان » ما لبث أن انقلب انقلابًا ثالثًا بالخروج عن طاعة « المقتدر » بين سنة ٣٠١ هـ و٣٠٣ هـ ( ٩١٣ ـ ٩١٥ م ) ، وكان سبب انقلابه أن الوزير « على بن عيسى » طالبه بمالٍ عليه من ولايته لديار ربيعة ، فرفض ردّ ما عليه ، وامتنع عن تسليم الولاية إلى العامل الجديد ، ودخل فى قتال مع جيش الدولة ، فظهر مرة ثم انهزم ، ووجدوا ولايته خاوية على عروشها بعد أن أحرقها وأعمل القتل فى أهلها ، ثم أُسِر وابنه عبد الوهاب وجميع أهله وكثيرون من أصحابه ، وقُبض على أملاكهم ، وعاد به « مؤنس » الخادم ، إلى بغداد أسيرًا ، وحُبِسَ هو وابنه عند القهرمانة ، وكان بعض أولاده قد هربوا نحو « آمد » ، فأوقع بهم مستحفظها وقتل « ابن الحسين » ، وحزت رأسه ـ كالعادة ـ وأرسلت إلى بغداد !


خلع المقتدر وبيعة القاهر


وإعادة المقتدر بعد يومين !!


أورد المؤرخون أنه بلغ من اضطراب أحوال الدولة ، أن خُلع المقتدر من الخلافة سنة ٣١٧ هـ / ٩٢٩ م ، وبويع أخوه « القاهر بالله » محمد بن المعتضد ، بيد أن الخلع والمبايعة لم يلبثا إلاَّ يومين ، أعيد بعدهما المقتدر إلى الخلافة ، وكان السبب وقوع الوحشة بين المقتدر ومؤنس الخادم الذى انضم إليه « ابن حمدان » و« نازوك » صاحب الشرطة وغيرهما ، وانفض معظم من جمعهم المقتدر إليه وانضموا إلى مؤنس الخادم ، ثم إنه بعد أن كان « مؤنس » قد خرج بالجيش فى الثانى عشر من المحرم ٣١٧ هـ / ٩٢٨ م ، إلى باب « الشماسية » ( موضع منسوب إلى بعض شماسى النصارى مجاور لدار الروم بأعلى بغداد ) ، وزحفوا إلى دار الخليفة ، وأحضروا القاضى أبا عمر عند المقتدر ليشهدوا عليه بالخلع فى حضور مؤنس ونازوك وابن حمدان ، ومبايعة القاهر بالله ، إلاَّ أنه بعد أن أجابهم المقتدر إلى ما يريدون ، رق « ابن حمدان » للخليفة ، وطفق يقول إنه يعز عليه أن يراه على هذه الحال التى كان يخافها عليه ويحذره منها ومن عاقبة قبول الخدم والنساء والتأثر بأقوالهم ، ثم إنه دمعت عيناه وكذلك عينا المقتدر ، وأودعوا كتاب الخلع عند القاضى أبى عمر ، فكتمه ولم يُظهر عليه غيره ! فلما عاد المقتدر إلى الخلافة سلمه إليه ، وأعلمه أنه لم يطلع عليه غيره ، فاستحسن ذلك منه ، وولاه قضاء القضاة !


المشهد العجيب !


ما لبث « مؤنس » بعد مبايعة القاهر ، أن رتب « أبا على بن مقلة » فى الوزارة ، وكافأ « نازوك » بأن أضاف إليه حجابة الخليفة مع الشرطة ، وأقطع « ابن حمدان » بعض البلدان إضافة إلى أعماله .


ولما استقرت الأمور وسكن النهب ، أمر « نازوك » رجاله بقلع خيامهم من دار الخليفة ، فعظم ذلك عليهم ، واضطرب الحجبة ( الحجاب ) وذهب الرجَّالة ( من الترجل ) الصافية شاكين فى السلاح ، مطالبين بحق البيعة ورزق سنة ، وهم غاضبون مما فعله بهم « نازوك » ، بينما تصادف أن كان « مؤنس » الخادم الملقب بالمظفر ـ غائبًا ، فارتفعت صيحات الغضب ، وزاد شغب الرجَّالة ، وخرج إليهم « نازوك » ليسكنهم ويطيب خواطرهم ، فلما تقدموا إليه ليشكو حالهم ، وكان مخمورًا حتى الثمالة من الشرب طوال ليلته ، ظن أنهم يريدون به شرًّا ، فبادر بالفرار خوفًا على نفسه ، فأطمعهم ذلك فيه ، وتتبعوه حتى أدركوه فقتلوه ، وقتلوا خادمه قبله ، وتنادوا صائحين : يا مقتدر يا منصور ـ فهرب كل من فى دار « القاهر » ، وعندما أراد « ابن حمدان » الخروج ، تعلق به « القاهر » قائلاً إنه فى ذمامه ، وبينما هرب « القاهر » إلى آخر البستان واختفى ، عاد « ابن حمدان » بالسلاح مع عشرة من الخدم ليدفع المتكاثرين ، فقتلوه ، وكانوا قد صلبوا « نازوك » وخادمه « عجيبا » فنصبوا رأسه إلى جوار رأسيهما ، ومالوا يطلبون « المقتدر » ليردوه إلى الخلافة ، فحملوه على أعناقهم من دار « مؤنس » إلى قصر الخلافة ، وجىء « بالقاهر » وهو يبكى ويقول : الله الله فى نفسى ! فاستدناه أخوه « المقتدر » وقبّله وأَمَّنه وطمأنه بأنه لا ذنب له فيما جرى ، ولن يصيبه منه سوء ، وهكذا عاد المقتدر بعد يومين إلى خلافته بعد هذه التطورات والمشاهد العجيبة !!


اقتران ضعف الدولة


بتقلص وانحسار نفوذها !


مع بداية خلافة « المقتدر » ، وما شابها من وهن وضعف ، أخذ نفوذ الدولة العباسية ينحسر ويتقلص ، فقد انتصر أبو عبد الله الشيعى ( ٢٩٥ هـ / ٩٠٨م ) على « الأغالبة » فى تونس ، وسيطر الفاطميون هناك ، فبدأت مقدمات الدولة الفاطمية التى جعلت تتسع وتمتد اقتطاعًا من الدولة العباسية .


فقد نشأت فى تونس دولة الأغالبة فى البداية فى إطار الدولة العباسية ، وتداول عليها منذ خلافة هارون الرشيد أحد عشر أميرًا ، إلى أن أسقطها الفاطميون سنة ٢٩٦ هـ / ٩٠٨م فى بداية خلافة « المقتدر » ، وما لبث « عبيد الله المهدى » أن أسس سنة ٢٩٧ هـ / ٩٠٩م ـ الدولة الفاطمية التى كانت اقتطاعًا فعليًا من الدولة العباسية ، واتخذت «القيروان » عاصمة لها فى أول الأمر ، قبل أن تمتد فى عهد « المقتدر » ، بتلقب « عبيد الله المهدى » بلقب الخلافة ، وإقامة « مدينة المهدية » جنوب « القيروان » عاصمة لخلافته ( ٣٠٨ هـ / ٩٢٠ م ) ، وسرعان ما أخضع الخليفة الفاطمى قبائل صنهاجة بالمغرب العربى ، وقضى على نفوذ « الأدارسة » فى « فاس » ، واستولى على الجزائر وتونس وطرابلس ثم برقة ، ولكنه توفى (٣٢٢ هـ / ٩٣٤م) قبل أن ينجح فى مد الخلافة الفاطمية إلى مصر ، وإلى ذلك سوف نعود عند الحديث عن خلافة « القاهر بالله » ( ٣٢٠ هـ / ٩٣٢ م ) ، ثم خلافة « الراضى بالله » التى بدأت سنة ٣٢٢ هـ / ٩٣٤ م وامتدت حتى سنة ٣٣٣ هـ /٩٤٤م .


مأساة الصوفى حسين


بن منصور الحلاج !


من الصفحات السوداء فى عهد خلافة « المقتدر » ، القتلة البشعة التى قتل بها الصوفى حسين بن منصور المعروف بالحلاج ، وقد دارت فصولها بين سنتى ٣٠١ هـ و٣٠٩ هـ ( ٩١٣ ـ ٩٢١ م) .


ولا يتسع المجال للإحاطة بشخصية وفكر وآراء الحلاج ، فقد كان زاهدًا يظهر التصوف ، وكانت له مخاطبات ومكاشفات وانجذابات وكرامات وآراء يطول شرحها ، واختلفت فى اعتقاده الأقوال ، وكان من تلاميذ « سهل بن عبد الله التسترى » وكان من أصحاب « الشبلى » و« الجنيد » شيخ الصوفية ، وهام به بعض الناس ونسبوا إليه الكرامات ، واتهمه البعض بالزندقة ، ورأى فريق أنه من القائلين بالحلول والاتحاد ، وهو ينفى هذا وذاك ، ويتمسك فيما أقيم معه من مناظرات بأنه سنى موحد بالله ، وينفى نفيًا قاطعًا إدعاء الألوهية أو الحلول والاتحاد ، وقد بسط ابن كثير الحديث فيه طويلاً فى البداية والنهاية ، واجتهد فى التزام العدل والإنصاف والبعد عن الهوى والجور فى شأن ما قيل حول الرجل ، ولم يجد ابن تغرى بردى إلاَّ أن يقول : « والله أعلم بحاله » ، وقد كُتبت فى ذلك الكتب والمصنفات ، وكتب عنه صلاح عبد الصبور مسرحيته الشعرية« مأساة الحلاج » ، ورأى المستشرق الكبير « نيكلسون » أن رجال الدولة ضاقوا بنفوذ الحلاج وصيحاته ونداءاته واستغاثاته ، وخافوا أن توقظ همّة الناس . وقد حُشِد له العلماء وناظروه ، وهى مناظرات يطول شرحها وفهم عميق حديث الحلاج فيها ، إلاَّ أن الرجل أنكر كل ما نسب إليه ، وقال : أعوذ بالله أن أدعى الربوبية والنبوة ، وإنما أنا رجل أعبد الله عز وجل !


وليس من مقصدى ، ولا يتسع المقام لبسط الحديث فى ذلك ، وإنما استوقفنى الأسلوب الوحشى البشع الذى جرى معاملته ثم قتله به !


ففى أحداث سنة ٣٠١ هـ / ٩١٣ م ، يورد المؤرخون أنه جىء به من واسط إلى بغداد ، وأنه بعد مناظرة الوزير له ، صُلِب حيًّا ، صلب الاشتهار لا القتل ، ثم أُنزل فأودع فى الحبس ، ولكن كثيرًا من الخدم وغيرهم افتتنوا أو اغتروا به ، وصاروا يتمسحون فى ثيابه ويتبركون به ، فضاق به الفقهاء وأنكره العلماء وخافته الدولة على الناس .


ولا توجد عنه معلومات مؤكدة منذ سنة ٣٠١ هـ / ٩١٣ م حتى قتله سنة ٣٠٩ هـ / ٩٢١ م ، أما ما جرى يوم قتله فقد تقاطرت عليه روايات المؤرخين ، وفحواها أنه أُخرج من الحبس وقد وضعت فى رجليه قيود كثيرة من الحديد ، ونوظر واتهمه مناظروه بالكفر والزندقة ، وهو يقول لهم : « ظهرى حمى ، ودمى حرام ، وما يحل لكم أن تتأولوا علىَّ .. واعتقادى هو الإسلام ، ومذهبى السنة ، ولى كتب فى السنة ، وفى تفضيل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبى عبيدة بن الجراح ، وهم العشرة المبشرون بالجنة ، فالله الله فى ودمى » ، وجعل يكرر ذلك وهم لا يلتفتون إليه !


وبعد تأخر « المقتدر » فى الإذن بقتله ، وكان قد أظهر معه كرامة فى شفائه من داء ألمّ به ، صدع فى النهاية لإلحاح الوزير « حامد بن العباس » الذى شكا إليه من افتتان الناس به ، فأمر « المقتدر » بأن يسلم إلى « محمد بن عبد الصمد » صاحب الشرطة ، ليضربه ألف سوط ، فإن مات (فبها) ، وإلاَّ ضربت عنقه !


ونقل المؤرخون عن الرواة ، أن الوزير فرح بهذا الإذن ، وبعثوا بالحلاج إلى محل الشرطة بالجانب الغربى خوفًا من استنقاذه من بين أيديهم ، وذلك بعد عشاء الآخرة فى ليلة الثلاثاء لست بقين من ذى القعدة سنة ٣٠٩ هـ / ٩٢١ م ، فأمضى الحلاج الليل قائمًا يصلى ، ثم أخرجوه من المنزل الذى بات فيه إلى حيث مكان القتل ، ثم قدم إلى الجذع ليصلب ، وهو يتلو القرآن ، وقيل إنه كان يتلو الآية الثامنة عشرة من سورة الشورى ، ثم لم ينطق بعد ذلك ، حيث قُدم فضُرب ألف سوط وهو لا يصرخ ولا يتأوه ، وقيل إنه جعل يقول مع كل سوط : أحدٌ أحد .


ثم قطعت يداه ورجلاه ، وهو فى ذلك كله ساكت ، ما نطق بكلمة ، وزاد الرواة أنه لم يتغير لونه . وقيل إن آخر ما تكلم به وهو يجود بروحه : « حسب الواحد إفراد الواحد له ! » ، وقال الرواة إنه ما من أحدٍ من المشايخ سمع ذلك ، إلاَّ رق الله !


ولم تُنه هذه القتلة الوحشية البشعة حياة الحلاج وكفى ، بل أساءت إساءة بالغة للنظام الذى قتله ، وجعلت منه أسطورة لا تزال محلاًّ للكتابات والأشعار والروايات !


ذبح المقتدر !


وانتهاك ستره ، ونصب رأسه !


إلى عادتها فى قتل الخلفاء ، واحتزاز الرءوس ، عادت الدولة العباسية بعد هدنة استمرت سنوات ، إلى قتل الخليفة شر قتلة ، وذبْحِه ذبحًا ، وكان ذلك انعكاسًا لهوان الدولة وضعفها ، وافتراق النفوذ فيها بين مؤنس الخادم قائد الجيوش الملقب بمؤنس المظفر ، وبين


« محمد بن ياقوت » الذى تقلد الحسبة مع الشرطة ، وقَوِى نفوذه فعظم بذلك على مؤنس المظفر واعترض على ما يتبوؤه ، فاستجاب « المقتدر » لاعتراضه فصرف « ابن ياقوت » عن الحسبة ، وصرف ابنه عن الشرطة ، وأبعدهما عن الحضرة ، وأرسلهما إلى المدائن حسبما طلب مؤنس ، وولّى بدلاً منهما « إبراهيم بن رائق » وأخاه محمدًا ، الحجابة والشرطة ، وبدأت الوحشة بين« المقتدر » و « مؤنس » .


ثم إن « مؤنسًا » أنكر ما اتخذه الوزير « الحسن بن القاسم » من موافقة لتدبير جماعة من القواد ، فطلب من « المقتدر » عزله ومصادرته ، فعزله ولم يصادره ، ولم يقنع مؤنس بذلك ، وكتب الوزير يستدعى إلى بغداد « هارون بن غريب » أحد القادة من « دير العاقول » ، ويستقدم « محمد بن ياقوت » ، فترسخ لدى « مؤنس » أن الوزير يدبر ضده ، وتصاعد الخلاف وتفاقم بينهما ، وطفق « مؤنس » يتحرك ، فاستولى على الموصل من يد بنى حمدان ، وعلى أموالهم وديارهم ، واجتمع إليه كثير من العساكر من الأقاليم لسابقة إحسانه إليهم ، وانحدروا إلى بغداد فى شوال سنة ٣٢٠ هـ / ٩٣٢ م ، وشغبوا فى طلب أرزاقهم ، ففرق « المقتدر » مالاً عظيمًا عليهم ، إلاّ أنه لم يشبعهم ، فحل به الخوف ، وأراد وجنده ترك بغداد لمؤنس ، إلاّ أن « محمد بن ياقوت » ردَّه عن ذلك ، وزين له ملاقاة مؤنس ، فاستجاب إليه كارهًا ، ولكن أصحابه انهزموا قبل وصوله إليهم ، ولقيه « على بن بليق » من أصحاب مؤنس ، فأظهر الاحترام للخليفة وترجل وقبّل الأرض وراجعه فيما يريد أن يمضى إليه ، ولعن من أشار عليه بذلك ، فأراد الخليفة الرجوع ، إلاّ أن قومًا من المغاربة والبربر اعترضوه ، وشهروا عليه سيوفهم ، وضربه أحدهم على عاتقه فسقط ، وقال لهم ويحكم ! إنى الخليفة ! فقالوا له : إياك نطلب ، وأضجعوه وذبحه بعضهم ، واحتزوا رأسه ورفعوها على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه (؟!) ( كما يفعل الدواعش اليوم ) ، وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله ، وتركوه عاريًا مكشوف العورة إلى أن ستره رجل بحشيش ، وحُفر له ودفن حيث قُتل ، بينما تقدم « مؤنس المظفر » وأنفذ إلى دار الخلافة من يمنعها من النهب !


بيد أن ما جرى للمقتدر بعد ذبحه وانتهاكه ، على يد أخيه « القاهر بالله » ، كان أسوأ وأفحش ، فقد كان أخوه أهوج ، سفاكًا للدماء ، فصادر جماعة من أمهات أولاد المقتدر ، وصادر أم المقتدر فعلقها برجلٍ واحدة منكسة الرأس ، وعذبها بأشد صنوف العذاب والضرب والإهانة ، حتى ماتت تحت وطأة ما جرى لها !!


وبعد فهذا خليفة بوّئ خلافةً لا يستحقها ولا يقدر على القيام بأعبائها ، فَغُلِب على أمره أكثر من مرة ، وخُلِع مرتين ، وحفل عهده بالفتن ، ووصفت حكومته بأنها حكومة الخدم والنساء ، وتقلصت الدولة ، وصارت نهبًا للطامعين فى الداخل وفى الخارج ، وهَوَى بها هذا الخليفة التعس إلى الحضيض ، فاقتُطِعَتْ منها ولايات بكاملها ، وأقام الفاطميون خلافة لهم اقتطعت حتى وفاته المغرب الأقصى والجزائر وتونس وطرابس وبرقة ، واستقل بنو حمدان بالموصل ، واشرأبت كما سوف نرى الدولة البويهية التى كانت اقتطاعًا حقيقيًّا من الدولة العباسية ، وطفق البيزنطيون يشنون الإغارات المتصلة على الحدود المتاخمة التى
ضعف الدفاع عنها ! وجعلت الدولة تتهاوى إلى ما أضاع معظم ما كانت قد حققته فى
عصرها الأول !